أزمة التعليم في المغرب… معلّمون بلا كفاءة والضحايا هم الطلاب

الثلاثاء 15 أكتوبر 201911:53 ص

يعيش التعليم في المغرب جدلاً شائكاً منذ القرن الماضي، فمباشرة بعد إعلان الاستقلال انبرى الوطنيون للمطالبة بتعليم مستقل يتناسب مع رؤيتهم الجديدة.

ونتيجة لذلك بدأت رحلة إصلاحات طويلة انطلقت سنة 1957 ولم تنته إلى حد الآن، وآخر ما جادت به قريحة المصلحين هو إقرار نظام التوظيف بالتعاقد.

قبل إقرار هذا النظام كان المدرسون يخضعون للنظام الأساسي للوظيفة العمومية، أي يُوظفون مباشرة في وزارة التعليم، هذا النظام الذي يمتعهم بعدة حقوق، أهمها الحق في التعويض، في الترقية، التقاعد....

بعد سنة 2016، ونتيجة لضعف ميزانية الدولة من جهة، ومشاكل أخرى نتجت عن التدابير المتضاربة التي عرفها قطاع التعليم منذ حكومة إدريس جطو، بدءاً بالمغادرة الطوعية، وصولاً إلى محاولات محاربة الهدر المدرسي، ما أدى في الأخير لنقص كبير في المدرسين يقابله تكدس هائل للتلاميذ، قررت الدولة اعتماد نظام تشغيل جديد يخصّ هذه الفئة، وذلك عن طريق توظيفهم في الأكاديميات (مؤسسات عمومية) بدل التوظيف المباشر في الوزارة، الأمر الذي اعتبره البعض لاحقاً قراراً مجحفاً، لأنه لا يضمن الحقوق التي كان يضمنها النظام الأول.

ونتيجة لهذا القرار وتطبيقاً لأحكام المقرر المشترك رقم 7259 بين وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني ووزارة المالية، تم التوصل إلى بنود أخرجت على أساسها عقود تحدد كيفية اشتغال المدرسين في الأكاديميات وتوضح وضعهم القانوني، هذه العقود تضمنت بنوداً لم يستسغها الجيل الجديد من رجال التعليم، لكنهم وقعوا عليها رغم ذلك، فتعاقدت الأكاديميات سنة 2016 مع 33 ألف مدرس، ومع 22 ألف مدرس آخر سنة 2017.

بعدها، وفي سنة 2018 تم إقرار نظام جديد داخل أكاديميات التربية والتعليم، وإضافة ملحقات أخرى للعقود السابقة، وتم توظيف فوجين جديدين يتكونان من 35 ألف مدرس متعاقد، إلا أن الأفواج السابقة رفضت التوقيع على ملحقات العقود الجديدة، وقررت التصعيد عن طريق الإضرابات والاعتصامات، فانضمت إليها الأفواج الجديدة وأطلقوا على أنفسهم لقب "الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد"، ورفعوا سقف مطالبهم، فأصبح همهم الأساسي هو "العودة إلى النظام الأساسي للوظيفة العمومية"، ورغم كل الفوضى التي اجتاحت قطاع التعليم وراح ضحيتها بالأساس التلميذ المغربي، إلّا أن آلاف الشباب المغربي الحاصل على شهادة التدريس والهارب من شبح البطالة، يتسابق لاجتيازها الآن.

الحديث عن نظام توظيف أطر الأكاديميات ومدى قانونيته، وعن فشل سياسات الدولة في النهوض بقطاع التعليم وإصلاحه موضوع ذو شجون سيطول الحديث عنه، ويحتاج مقالاً آخر، لكن جرس الإنذار الحقيقي الذي يجب أن نوجه إليه أنظارنا اليوم قبل الغد، والأمر المستعجل الحقيقي هو "أطر الأكاديميات" أنفسهم، ومدى قدرتهم على "امتهان" التدريس، خصوصاً مع تدوينهم تصريحات تنتشر كل مرة في فترة اجتياز المباراة، وتظهر بالملموس أن هؤلاء المرشحين لتدريس أبناء هذا الوطن، يحتاجون هم أولاً لدروس تقوية ودعم عاجلة، كي لا نقول إلى إعادة تدريس، ناهيك عن برامج إعادة تأهيل تعلمهم أسلوب الحوار، والقليل من التواضع.

شخصياً، لا يمكن أن أرسل طفلي كي يتتلمذ على يد شخص لا يفرق بين اللام القمرية واللام الشمسية، لا يعلم أن الصفر الأخير بعد الفاصلة لا يعني شيئاً، لا يفرق حتى بين التذكير والتأنيث باللغة الفرنسية، بل حتى أنه في الوقت الذي كان فيه البرلمان يناقش قانون الإطار 51,17، في شقه المتعلق بتدريس المواد العلمية بالفرنسية، كان بعضهم يدافع عن نفسه فيما يخص توقيع العقد، متذرعاً بأن العقد كان مكتوباً بالفرنسية فتعذر عليه فهمه!

لا نختلف نهائياً كون هؤلاء المرشحين لاجتياز مباراة التعليم، الحاصلين جميعهم على الشهادة وبعضهم على درجة الماستر، هم في الأساس ضحايا نفس النظام التعليمي الذي سيصبحون جزءاً منه، أن مستواهم المتدني في اللغة أو في العلوم هو تحصيل حاصل لنظام تعليمي فاشل يوزع الدبلومات دون أن يلقي بالاً للكفاءة.

إن جرس الإنذار الحقيقي هو "أطر الأكاديميات" أنفسهم، ومدى قدرتهم على "امتهان" التدريس، خصوصاً مع تدوينهم تصريحات تُظهر  أن هؤلاء المرشحين لتدريس أبناء هذا الوطن، يحتاجون هم أولاً لدروس تقوية ودعم عاجلة.

هؤلاء المرشحين لاجتياز مباراة التعليم، الحاصلين جميعهم على الشهادة وبعضهم على درجة الماستر، هم في الأساس ضحايا نفس النظام التعليمي الذي سيصبحون جزءاً منه، نظام تعليمي فاشل يوزع الدبلومات دون أن يلقي بالاً للكفاءة

لكن بالمقابل، وفي عصر الإنترنت والفيسبوك والتطور التكنولوجي و"self learning" ألم يستطع هؤلاء الشباب الذين يملكون جميعهم هواتف ذكية وحسابات فيسبوكية، أن يحترموا ولو قليلاً حساسية القطاع الذي يودون الاشتغال فيه، وبالتالي يحاولوا تعليم أنفسهم ما فشلت المدرسة في تعليمه لهم؟ هل الشخص الذي لم يستطع حتى أن يطور نفسه يمكن أن نعول عليه ليطور قطاعاً من أكثر القطاعات حساسية في العالم كله؟

سيجيب أحدهم أنهم أصلاً يجتازون مباراة التعليم بالتعاقد من أجل محاربة البطالة، وتحسين أوضاعهم المعيشية، إلى آخره من المبررات الأنانية التي تعوّد أصحاب المطالب الفئوية إمطارنا بها كلما قال أحدنا (اللهم إن هذا منكر)، لكن الحقيقة هي أن المدرسين الجدد مسؤولون تماماً، مثلهم مثل الدولة، عن تدهور التعليم وإنتاج الفشل، هي أنهم معجبون بفكرة كون المعلم كاد "أن يكون رسولاً" ويطالبوننا بمعاملتهم على هذا الأساس، رغم أنهم لا يحملون أي رسالة، اللهم إلا رسائل التدني والأخطاء الإملائية، هي أن من يحارب البطالة على حساب جودة التعليم لا يستحق هذه المهنة من الأساس.

وأخيراً، إذا كان لا بد أن نتضامن مع فئة ضد أخرى في موضوع التعليم بالتعاقد، فكل التضامن مع التلاميذ، ضحايا سوء تدبير منظومة التعليم، وضعف مستوى المعلمين.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard