"اعتُقل" زيد و"عُذّب"... صيغة المبني للمجهول وتغييب سطوة "الفاعل"

الجمعة 18 أكتوبر 201903:10 م

ينصب المخادعون والمزعبراتية فخاً للمارة العابرين، المسرعين والمتمهّلين، ثم يخفون كاميرا ويتركون ضحاياهم - "زيداً" واحداً منهم- للوقوع بالفخ، نشاهد ما يحدث على الشاشة، نضحك ونقهقه أو نشعر بالأسف، لكن في لحظة ما، تتطابق عين الضحيّة "زيد" مع عين الكاميرا التي نرى بها، وإن فكرنا باللقطة المعاكسة، نرى وراء الكاميرا فريقاً كاملاً يعمل على تقديم وبناء ما حدث لـ"زيد"، الذي انطلت عليه الخدعة وراح ضحية حذلقة "الفاعلين"، ويمكن اختصار ما حدث بعبارة " أُوقِع زيدٌ في الفخ".

تظلم اللغة العربية "زيداً" وتخفي عنه غريمه، خصوصاً في صيغة المبني للمجهول، إذ يقول النُحاة إن بعض الأفعال بصيغة المعلوم تستخدم دوماً بصيغة المبني للمجهول، كـ"جُنّ"، إذ نعرف فاعلها، وهو زيد، كما في قولنا "جُنّ زيد"، لكن لا نعرف سبب جنون زيد، وربما "جُنّ" زيد لوحده، دون أي مسبب.

يحضر زيد عادة في المسائل اللغوية لفهم معانيها وأشكال وسياسات توظيفها، ويتردد اسمه على ألسنة النحويين ضمن صيغة "المبني للمجهول" التي يختفي فيها غريمه، خصوصاً أن "الفاعل" حسب قول الزمخشري "ليس لغيره القدرة على الاختراع"، هو محرك الأفعال، وبعيداً عن القراءة الدينية، المبني للمجهول سياسي، إذ يُظهر النتائج وأهمية الفعل وأثره على المفعول به دون الفاعل، الذي يختفي لإبراز القدرة الكلية، كحالة سورة الشمس التي تُكوّر فيها الأرض، وتسيّر فيها العِشار.

الرعب من "المجهول"

لا يحسم فقهاء اللغة موضوع الأصل إن كان للمعلوم أو المجهول، لكن ما يهمنا هو المعنى السياسي لاختفاء الفاعل ضمن الصيغة التي سماها سيبويه "ما لا يسمّى فاعله"، ليأتي الاختفاء واختيار صيغة المبني للمجهول أسلوباً ذا قيمة تتجاوز البلاغة والفصاحة، تخفي وراءها قوى سياسية ومجموعة من "الفاعلين" الذي ساهموا بالحدث وأنجزوه، سواء بالقوة أو بالتراضي، خصوصاً أن إسقاط الفاعل لا يعني غيابه، أو تلاشي وظيفته، فحسب سيبويه أيضاً: "والفعل لابد له من الاسم وإلا لم يكن كلاماً"، ولم يكن كلاماً يمكن أن تفهم بأنه لا أثر له، أو مجرد أصوات بلا معاني.

تساهم صيغ المبني للمجهول في نشر الرعب، إذ تخفي القوى التي تتحكم بالأفعال والأحداث في العالم، تتركها دون فاعل واضح، والذي حسب القاعدة النحوية، لا يتعدد، سواء ظهر أو اختفى، قدر أو ترك للتأويل، هناك دوماً "فاعل" لطالما هناك فعل وحدث
عدم اكتمل الحكاية يثير الهلع فـ"النقصان" والمواربة أسلوبان سياسيان لتفادي الإشارة للـ"فاعل"، والتركيز على المفعول به لتتفكك الحكايات وتفقد معناها، فغياب الفاعل وتناقضات هويته، يترك المفعول خاضعاً حتى لغوياً لقوى سياسية يُفعّل دورها الناطقون والكتاّب، الصحفيون ومعدو الأخبار، يرسخون الاختفاء وحكاياته، لنعلم فقط ماذا حدت، وعلى من حدث

تساهم صيغ المبني للمجهول في نشر الرعب، إذ تُخفي القوى التي تتحكم بالأفعال والأحداث في العالم، تتركها دون فاعل واضح، والذي حسب القاعدة النحوية، لا يتعدد، سواء ظهر أو اختفى، قدّر أو تُرك للتأويل، هناك دوماً "فاعل" لطالما هناك فعل وحدث، خصوصاً ما يسمّى "المطاوعة" التي لا تتبنى صيغ المبني للمجهول، بل وزن الفعل، وتدل على أن هناك فاعل أقوى من آخر، أو أحد أجبر آخر على فعل ما أو حسب قول ابن هشام: "هي أن يدل أحد الفعلين على تأثير ويدل الآخر على قبول فاعله لذلك التأثير"، ونراها في أوزان "انفعل"، تفاعل"، و"تفعّل" مثلاً، هناك مجهول يقوم بالفعل ويحرك العالم على حساب إرادة الفاعل الظاهر الضعيف، فبادئة التاء التي تفتح باب المجهول، تمثّل سلطة واحد على آخر، كـ" تدمّر منزلُ زيد"، لكن، من دمّر منزله؟ لماذا نرى منزل زيد مدمّر ونسمع نحيبه وبكاءه ولا نعلم من دمّر المنزل، ولا القوى الخفية التي نفت "استقرار" زيد وتركته أمامنا خائفاً يعجز هو ومن ينقل الحكاية عن ذكر اسم "الفاعل".

المطاوعة السابقة تظهر حين نقرأ مقالاً يبدو للوهلة الأولى وديّاً، يخبرنا عن الحياة بعد الحصار و"الحرب" في سوريا، وتمر فيه جملة: "الخسارة الأكبر طالت الثروة الزراعية في الغوطة، سواء أشجار المشمش أو غيرها من الأشجار المثمرة، والتي اختفى حوالي ثمانين بالمئة منها.."، اختفى هنا فعل مطاوع، الأشجار اختفت، لكن من أخفاها؟ من يمتلك قدرة إخفاء الشجر، ذاك الذي لا نذكر اسمه ولا نشير إليه؟ إخفاء شجرة فاعله فرد ربما، لكن إخفاء ثمانين بالمئة منها، يخفي وراءه قوة سياسية لا تذكر، حذلقة يظهر المبني للمجهول فيها أداة لطمس الحقيقة.

تحولات الشرط السياسي

تخفي صيغة المبني للمجهول الفاعل الحقيقي، وتتركه لتأويلنا في بعض الأحيان، كـ"توفّي زيد"، فمن توفاه، ومن أعلن موته؟ خفيّ الفاعل في هذه الصيغة كوننا في بعض التأويلات نعرف "الفاعل"، ذات الأمر في قولنا "مات زيد"، زيد ليس فاعلاً حقيقياً بل اصطلاحياً، هو من وقع عليه فعل الموت، الذي محركه من وجهة نظر دينية، "الله"، لكن، في عالمنا هذا، الموت متعدّد الأسباب، الأهم أنه قرار سياسي، ونتاج قوة خارجية تحدد موت زيد من حياته، إذ لم "يفعل" زيد الموت بإرادته، هناك من أوقع الموت عليه، وإخفاء الفاعل ليس إلا أسلوباً لبث الرعب يمارسه "الفاعل" من غيابه.

هذه الصيغة المرعبة للمبني للمجهول نقرأها في تقارير الوفاة التي أصدرها النظام السوري للمعتقلين الذين قتلوا في السجون ونقرأ فيها سبب الموت بأنه: "توقف القلب والرئتين"، توقّف هنا على وزن "تفعّل" وأيضاً من صيغ المطاوعة، ليبق السؤال: من أوقف القلب؟ وكيف توقف؟ من الفاعل وراء ذلك، خصوصاً أن القلب لا يقف عن النبض وحده؟

التساؤلات عن الفاعل وتفضيل العرب لبعض الأفعال كمبنية للمجهول دوماً مرتبط بتطور اللغة، والشرط السياسي والاقتصادي الذي تظهر فيه، والذي يجعل تقدير الفاعل في الكثير من الأحيان مرتبط بالمعنى لا في اللفظ، كفعل "زُكِمَ فلان" أي أصيب بالزكام، حينها، كان الزكام من الله، ربانياً، لا داعي لفاعل يوقع الزكام على زيد لأنه معلوم، لكن مع التطور الطبي واكتشاف البكتريا والأحياء الدقيقة، تحيل زكُم إلى فايروس الزكام.

الخوف من تعدد المعاني

المشكلة في المبني للمجهول أنه يعتمد على الازدواجية وتفاوت الفاعل، وعدم القدرة على "إكمال" المعنى، وهو أحد أعراض الهيمنة الأيديولوجية حين يُستخدم في الإعلام والصحافة، فالتناقضات ضمن الأيديولوجيا واصطدامها مع الواقع تجعل اللغة أسلوباً يرسخ هذا اللاكتمال، ويراهن على الخوف الذي يتجلى في تأويلات المبني للمجهول، الذي يقنّع المتحكمين والفاعلين، كأن نقرأ "فُقد زيد في سوريا"، كيف فقد؟ ولماذا فقد؟ وما هي القوى وراء هذا المجهول، الذي لا يستر النظام السوري لخسّته فقط بل خوفاً على المفعول به، زيد.

عدم اكتمل الحكاية يثير الهلع، فـ"النقصان" والمواربة أسلوبان سياسيان لتفادي الإشارة للـ"فاعل"، والتركيز على المفعول به لتتفكك الحكايات وتفقد معناها، فغياب الفاعل وتناقضات هويته، يترك المفعول خاضعاً حتى لغوياً، لقوى سياسية يفعّل دورها الناطقون والكتاب، الصحفيون ومعدو الأخبار، يرسخون الاختفاء وحكاياته، لنعلم فقط ماذا حدث، وعلى من حدث.

صحيح أن حذف الفاعل دلالة على "تمكّن المفعول به"، لكن هذا التمكين في بعض الأحيان سياسي، أي يظهر المفعول به لتغييب سطوة مُورِست عليه، يترك "فاعلها" للتأويل الشخصي لكل قارئ، فالإبهام هنا لخلق الفزع، الأهم أن عدم ضبط الفاعل وتعيينه في عالم "بلا حقيقة" يُفقد السامع أو القارئ الثقة بما يقال، ويجعل منه "لا كلام"، أصواتاً لا جدية لا تنفي الاختلاف ولا تثبت من قام بالفعل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard