لذائذ جنة عدن... من الألواح البابلية والسومرية إلى المطبخ العراقي

الجمعة 1 نوفمبر 201903:48 م

أمي، ضياء بهي في الأفق، ظبية جبلية

نجمة الضحى الزاهية الإشراق

ملاك من مرمر يستند على اللازورد

أمي الغيث في مواسمه، سقيُ الغراس الأولى

غلّة وفيرة

روضة غزيرة، ملؤها السرور

شجرة تنوب مترعة، مترفة بالثمار

فاكهة السنة الجديدة، جنى أول الشهور

وأمي عيد، قربان دافق البهجة

عام طازج، يثير دهشة الأنظار

ساحة رقص سرّاء

هي المحبوبة والقلب المحب، هي التي لا يكلّ حبورها.

"من كتاب سامويل كريمر التاريخ يبدأ في سومر".

هكذا اختار "لودينغيررا"، شاب سومري مسافر من الألفية الثالثة قبل الميلاد، أن يصف أمّه للرسول الذي سيحمل رسالته لها، ليرسل التحيات ويهدئ قلقها عليه، حيث تسكن في نيبور (مدينة في جنوب بغداد حالياً)، على شكل قصيدة بالأحرف المسمارية كتبها على لوح من الطين. وهكذا اختارت أن تبدأ العراقية نوال نصر الله إحدى وصفات الطهي على مدونتها المخصصة "والناطقة باللغة الإنكليزية"، لوصفات المطبخ العراقي التي تمتد منذ العهود القديمة للحضارة التي قامت بين النهرين وحتى وقتنا الحالي.

بالتأكيد لا يمكن أن نعتبر محتويات هذه المدونة مألوفة بالمقارنة مع مدونات الطبخ العادية، فنوال لا تقدم وصفتها دون قصة فلكلورية أو رواية تاريخية لنشوء هذه الوصفة وتطورها. وهذه القصيدة تتبعها وصفة فطور على الطريقة السومرية تدعى "مخلمة بالبتيتة"، احتفالاً بيوم الأم وتكريماً لها وتسمى اليوم "العجّة العراقية".

وحري بالذكر أن الوصفات التي تقدمها نوال في المدونة هي فقط نماذج منتقاة من أكثر من 400 وصفة، تضمنها كتاب الطهي الذي نشرته الكاتبة في 2003 بالإنكليزية تحت عنوان: "لذائذ من جنة عدن" Delights from the Garden of Eden: A Cook Book and History of the Iraqi Cuisine.

بعد أن حصل في طبعته الأولى على جائزة لجنة التحكيم الخاصة لجائزة جورماند عن كتب الطبخ العالمية، أعيد نشره ليحصل على جائزة أفضل كتاب طبخ عربي في المملكة المتحدة في 2014.

عن كتاب اللذائذ

تتضمن الطبعة الأخيرة للكتاب شرحاً مصوراً، صوراً ملونة، ورسوماً تفصيلية تعرض لتنوع أصناف المطبخ التقليدي ووصفاته الشهية المستمرة حتى الآن. تتميز وصفات الكتاب بسهولة تطبيقها في أي مطبخ منزلي، وتغطي كل أصناف الأطعمة التي ترضي أذواق النباتيين ومحبي اللحوم والمولعين بالحلويات، مع وصف مفصل للمكونات وطرائق التحضير المحلية. وبخلاف كتب الطبخ التقليدية، فإن كتاب نوال نصر الله يتتبع تاريخ نشوء وتطور الوصفات العراقية خلال قرون، تبدأ من الحضارات السومرية والبابلية بين النهرين، مروراً بالعصر العباسي والعصور الوسطى، فالحكم العثماني حتى الوقت الحاضر.

"أمي، ضياء بهي في الأفق، ظبية جبلية وأمي فاكهة السنة الجديدة، جنى أول الشهور..." هكذا اختار لودينغيررا، شاب سومري مسافر من الألفية الثالثة قبل الميلاد، أن يصف أمّه للرسول الذي سيحمل رسالته لها، ويهدئ قلقها عليه 

كان السومريون يحبون عجّتهم (الـOmlette)، فهل كانت تشبه ما نعدّه اليوم؟

في مقابلة إذاعية لها، تقول الكاتبة أنها اختارت هذا الوقت العصيب (2003) من تاريخ العراق لتنشر كتابها، لأنها أرادت أن تنقل صورة "العراق الحقيقي كما تعرفه" على حدِّ تعبيرها، وفي حديث خصّت به رصيف22، سألنا الكاتبة نوال نصر الله عن دور المطبخ في تقديم صورة عن شخصية البلدان وتاريخها، وعن مدى تحقيق الكتاب لهذه الغاية لتجيب:

"إن لمطبخ الحضارات دوراً فعلياً في تكوين صورة عن شعب هذه الحضارات، فهو مثلاً يقدم معلومات عن ثقافة أدواتها والمواد المستخدمة، وهو أكثر امتاعاً وإفادة مما نعرفه عن زعاماتها وسياستها، فالمطبخ يعرفنا على الشعوب - الممثلة الحقيقية للحضارة - وهدفي كان تقديم ومضات عن العراق للقرّاء، من خلال هذه العدسة الإنسانية التي توضح التاريخ الطويل والرفيع لمطبخه بالوثائق، بدلاً من تصويره كصحراء نقرأ عنها ونراها في الأخبار. وهذا ما انعكس في تلقي القراء الذين عبّروا، من خلال الرسائل الإلكترونية، عن استمتاعهم بوصفات الكتاب وقصصه التي تواصلوا بواسطتها مع تاريخ المنطقة وحضارتها".

تُغني الكاتبة صفحات الكتاب بمقدمات تاريخية وقصص تراثية وقصائد وأغان شعبية ومقتطفات دوّنها الزوار عن انطباعاتهم بعد زيارة المنطقة، وبشرح للعادات والتقاليد التي سادت في ذلك الوقت، كل هذا في مزيج شهي وسلس مع وصفات الطعام، لتغني قراءها بالنكهة والمعلومة والمتعة. ومن الجدير بالذكر أن نوال عملت كأستاذة في الأدب المقارن في العراق قبل سفرها إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فهل ساعدتها خبرتها في البحث الأكاديمي في السرد التاريخي لوصفات المطبخ العراقي وتطورها، وما الصعوبات التي واجهتها في الحصول على كتب الطبخ التراثية والوصول إلى قصص من ألواح نادرة؟

تقول الكاتبة لرصيف22: "إن تجربتي العملية السابقة كانت عاملاً أساسياً في تأليف الكتاب. لطالما جذبني البحث في مهنتي، وبدلاً من التأليف في الأدب قررت الكتابة عن الطعام، والذي اعتبره من أجناس الأدب العملية. أما بالنسبة للوصفات البابلية، فللأمانة لقد عثرت عليها بمحض الصدفة.

بينما كنت أجري التجارب لوصفاتي، قدم لي أحد الأصدقاء أعداداً من مجلة آرامكو وورلد (العالم الآرامي) الإنكليزية، والتي عرفت عن طريقها أن ثلاثة ألواح بابلية عن وصفات الطبخ تم اكتشافها وفكّ رموزها، وبعد عدة سنوات تسنى لي شرف وضع يدي على ما يعدّ أقدم كتاب للطبخ، وهي الألواح البابلية المعروضة ضمن مجموعة يال. كما حظيت بكتاب طبخ بغدادي غني بالوصفات والمصادر يعود للقرن الثالث عشر، أثناء بحثي في مكتبة جامعة إنديانا. ثم اكتشف زوجي كتاباً أضخم وأقدم منه في المكتبة نفسها. كما استعنت بالمصادر والكتب الإلكترونية في البحث الذي لم يكن سهلاً أبداً".

الوصفات العراقية في العالم الغربي

حاز الكتاب على تقدير العديد من المجلات المتخصصة، نذكر منها مجلة كيتشن جورنال التي كتبت في مراجعتها، أن ما قدمته نوال للمطبخ العراقي هو شديد الشبه بما فعلته جوليا تشايلد للمطبخ الفرنسي، وهي طاهية أمريكية قدمت الوصفات الفرنسية للشارع الأمريكي من خلال كتابها "تعلم فن الطهي الفرنسي" الذي نشر عام 1963. فهل ترى الكاتبة مستقبل المطبخ العراقي بشهرة توازي المطبخ الفرنسي؟

تجيب: "قد لا يصل المطبخ العراقي إلى شهرة المطبخ الفرنسي، فمن المعروف أنه يشترك في كثير من وصفاته مع باقي دول الشرق الأوسط، لكنني أكتفي بتمييزه عن باقي المطابخ بتقنياته ووصفاته الخاصة في الطبخ".

الحمية الغذائية في بلاد النهرين

في الوصفة التي استهلتها الكاتبة بالقصيدة السومرية، نجد في مدونتها شرحاً لطريقة تحضير العجّة، أو ما يعرف في العالم الغربي بالـ(أومليت). وهو طبق له تاريخ طويل، تذكر كتب الطبخ في العصور الوسطى عدداً من وصفات مختلفة له، باللحم أو بدونه. تدعى عجّة مدورة إذا حضرت على شكل أقراص، ومبحثرة أو مخلوطة إذا تم خفقها، وعندما يترك البيض فوق المكونات دون خفق تسمى نرجسية، لأنها تشبه زهرة النرجس بلونيها الأبيض والأصفر والأوراق الخضراء التي تستخدم في طهيها.

وهذا الطبق لا يزال يطهى اليوم في العراق بنفس الطريقة التراثية، نباتياً أو باللحم، فهو يشكل طبقاً ملائماً كمقبلات أو شطائر لفطور متأخر أو عشاء خفيف وحتى وجبة للنزهات، كما تذكر الكاتبة. ولدى سؤالها عن الخواص الغذائية للمطبخ العراقي أو الوصفات القديمة في بلاد بين النهرين، وفيما إذا كانت هذه الوصفات تتوافق مع ما يصفه أطباء التغذية من حميات صحية اليوم، تجيب:

"لقد تنوعت الحميات الغذائية تبعاً للطبقات الاجتماعية والتكلفة المادية. فبينما ارتكزت حمية العوام على الخضار والبقوليات والمعجنات البسيطة والعصائد والأعشاب التي استُهلكت نيئة أو مطبوخة، قدمت اللحوم في المناسبات الاحتفالية، فهناك مثل شعبي سومري يعبر عن الفاقة والفقر بقوله: "حتى الخضار في معدته شحيحة". أما بالنسبة للنخبة فقد استهلكوا كمية أكبر من اللحوم واستخدموا دهن الخروف (اللية) لطهو أطباقهم. وللمفارقة، مع أن حمية الفقراء كانت أقل تنوعاً وغنى إلا أنها تمتعت بخواص غذائية وصحية أكثر من تلك التي اعتمدها الأثرياء في ذلك الوقت".

أصالة المطبخ العراقي

هل حافظ المطبخ العراقي على أصالة وصفاته القديمة واستمراريتها برأي نوال نصر الله؟

بعد تتبعها للمطبخ العراقي من حضارة بلاد النهرين القديمة مروراً بالعصور الوسطى وحتى الوقت الراهن تجيبنا الكاتبة:

"المطبخ العراقي استطاع أن يحافظ على استمرارية وصفاته التي نراها اليوم مشابهة للوصفات القديمة، مثل ما يعرف بطبق الحساء الرئيسي المطهو بشرائح لحم الغنم ودهن الخروف والمنكه بالبهارات والبصل والثوم. كما بقيت المنكهات القديمة أيضاً مستمرة حتى الوقت الحاضر، كخلطات البهارات والأعشاب.

وكما هو متوقع، فلا يوجد مطبخ محصّن من التأثيرات الخارجية وعوامل الزمن، وبخاصة التعديل الذي طرأ في القرن التاسع عشر، حين بدأت تستبدل المنكهات والملونات التقليدية، كالزعفران والمواد القديمة التي كانت تستخدم في العصور الوسطى لزيادة الكثافة في أطباق اليخنة، مثل المكسرات ونشاء القمح والأرز المطحون، لتحل محلها الطماطم بلونها وكثافتها ومذاق الأومامي الحلو الحامض الذي تضفيه.

إضافة إلى أن الخبز كان مكوناً رئيسياً في الأطباق القديمة، وبخاصة اليخنة، حيث استعمل للغرف في غياب أدوات الطعام التي اقتصرت على أصابع اليدين. فاستخدم الخبز المرقد للغمس في المرق والثريد، وترد ضمن إرشادات الوصفات البابلية إضافة فتات الخبز للطبق قبل التقديم".

وعن التشابه بين الوصفات العراقية ووصفات الطبخ في دول الجوار تصرح الكاتبة نوال لرصيف22: "بالتأكيد يتقاطع المطبخ العراقي مع دول الجوار، وحتى الآن لا يبدو أمراً محسوماً من اقتبس من الآخر، فمن الأمور التي تسترعي الانتباه مثلاً أن واحدة من الوصفات البابلية لتحضير اليخنة تدعى "المرق العيلامي"، نسبة إلى المدينة الفارسية القديمة عيلام، وترد الوصفة باسمها الفارسي "زوكاندا"، وتختلف عن الوصفة البابلية فقط باحتوائها على نبات الشبت".

وصفة تقليدية من مدونة الكاتبة

فيما يلي نقدم وصفة من مدونة الكاتبة عن كتاب الطبيخ (القرن العاشر) لابن سيار الوراق:

"قطع اللحم إلى شرائح وافرمه قطعاً متوسطة واترك معه بعضاً من الشحم. اطبخ اللحم مع أوراق البصل الخضراء وبعضاً من الكرّاث أو الثوم (اتركها حبة كاملة). انثر أوراق البصل فوق اللحم ثم أضف الملح وزيت الزيتون مع قطعة من الكاسيا أو القرفة الصينية، وقطعة صغيرة من الخولنجان مع الكزبرة والكمون بحسب الرغبة.

اكسر البيض فوق اللحم بما يكفي ليغطي كامل المقلاة (التي يجب أن تكون حجرية). اجعل البيض على شكل عيون.

ضع المقلاة كما هي على صينية من القش، وأدخل غصاً من نبات السذاب في منتصف صفار كل بيضة. غطِّ المقلاة برغيف خبز رقيق وكبير (الخبز المرقوق) صانعاً فتحة في الوسط بقدر محيط المقلاة، وهذا لتغطية السواد الموجود على المحيط الخارجي للمقلاة لدى تقديمها على المائدة".

ملاحظة الكاتبة بخصوص نبات السذاب: برغم رائحتها وطعمها الكريهين إلا أن هذه العشبة كانت أساسية في أطباق العصور الوسطى، وخاصة للزينة، لأنهم كانوا يعتقدون بقدرتها على مكافحة نفخة البطن، إضافة إلى أن مضغها بعد تناول البصل والثوم يساعد على التخلص من الرائحة الكريهة للنفس. لكنهم تناولوها باعتدال شديد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard