كيف حولت "الكوميكس" عبد الناصر من زعيم قومي إلى أيقونة فشل؟

الاثنين 14 أكتوبر 201902:36 م

شاعت في الفترة الأخيرة سلسلة من الكوميكس تكسر التابوهات، وتجعل شخصية الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر محط سخرية. وقدمت على مواقع التواصل الاجتماعي رؤية مغايرة لتاريخ "الزعيم".

هكذا غيّرت الميديا الحديثة التي تحظى بمتابعة الملايين الواقع السياسي المصري في الأعوام الستين الأخيرة، وجعلت من الزعيم القومي أيقونة للفشل.

صفحات الكوميكس كمنصة لفهم الواقع

ربما لا يكون توجه الصفحات الساخرة سياسياً في مجمله، بحسب حسام السني، أحد صانعي الكوميكس في صفحة "True Sarcasm"، لكن صانعيها يضعون في الغالب رأيهم في المسائل التاريخية والسياسية بكل حرية، بعكس الصحافة التقليدية التي تنظر إلى الأوضاع بشكل معيّن، ولا تتيح للأفراد استخدام السخرية في قالب سياسي، على الرغم من أن الدستور المصري ينص على حرية النشر والتعبير.

يوضح السني لرصيف22 أن الوعي بالتاريخ والمواقف المتراكمة ظهر في صورة حديثة، فالموجة الساخرة من جمال عبد الناصر هي استخلاص لنتائج من حقبة ما بعد ثورة يوليو 1952، تتضمن فهماً عميقاً للحالة، وتفاعل مع وقائع خسائر الرئيس في حروبه.

لا تختص صفحة السني بالكوميكس السياسية، لكنها للضحك فقط. وكالعادة يبدأ الموضوع بمجموعة من صانعي الكوميكس، ثم تنمو عملية التفاعل وتكبر وتنتشر، خصوصاً إذا كانت متعلقة بالسياسة أو الفن، لأنها تعتمد على المثقفين على حد قوله.

يقول الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة الأمريكية في القاهرة، إن ما تشهده منصات التواصل الاجتماعي الآن من سخرية هو تحوّل في الثقافة السياسية، موضحاً أن هناك نوعاً سائداً من تغيّر النظرة إلى الدكتاتور.

تعتبر السخرية هنا من أدوات تحطيم أصنام التاريخ السياسية والنظم الدكتاتورية. ويقول صادق لرصيف22 إن "عبد الناصر، ومعه صدام حسين ومعمر القذافي، كانوا رؤساء دكتاتوريين، لكن فكرة تفخيم الزعيم وتعظيمه صارت غير مرغوب فيها في العالم العربي، خصوصاً لدى الشباب، وبالأخص مع أي دكتاتور تعتبره الدولة زعيماً قومياً".

الكوميكس ليست محاكمة للماضي

أحمد عيد، صانع الكوميكس في صفحة "Trending Memes"، يؤكد أن معاصري الرئيس الراحل لم يكن لديهم هذا الوعي الذي يحظى به الشباب في مصر في الفترة الحالية لعدة أسباب، أبرزها تصديق ما يُقال من السلطة والانجراف وراءه لعدم وجود مصادر أخرى للمعرفة، خاصة بالنسبة إلى الفئات العاملة والفلاحين.

"كان نظام عبد الناصر يروج الشائعات، وهذه طبيعة الأنظمة العسكرية، وما يُكتب في التاريخ ويُدرس في المدارس كان أيضاً جزءاً من عملية نشر الشائعات والأكاذيب التي تبنّاها هذا النظام"، يقول عيد، موضحاً أن الصفحة بدأت بصناعة كوميكس تربط هزائم عبد الناصر في الحروب بمواقف حياتية يومية في صورة ساخرة، ومشيراً إلى أن الكوميكس بشكلها الحديث توثق التاريخ الناصري الذي كان يعج بالفشل، خاصة بعد انفصال السودان وخسارة سيناء في الحرب، فضلاً عن خسارة كثير من الجنود المصريين في المعارك، فكل هذا كان كافياً لتعبار عبد الناصر رمزاً لفشل المصريين.

يوضح الشاب أن السوشال ميديا تؤثر في الثقافة السائدة، وأن لها دوراً كبيراً في تغيير آراء الناس وإقناعهم بعكس ما يؤمنون به، فهي "ملجأ للمكبوتين في المجتمع".

لكن أحمد عيد لا يؤمن بأن الكوميكس السياسية الساخرة محاكمة للماضي. يقول: "ما يحدث في مجتمع التواصل الاجتماعي هو زيادة في الوعي بأمور تاريخية وسياسية، والدليل أن الحديث عن تريند عبد الناصر يلفت الانتباه إلى قراءة التاريخ الناصري من جديد، فهناك مَن يرى أنه نبي معصوم من الخطأ، وهناك مَن يزايد على شخصه، لكنه بالفعل خسر الكثير في عهده فأصبح رمزاً للفشل".

يؤكد سعيد صادق أن هناك صورة مغايرة للنقد يملكها الشباب الآن ولم تكن موجودة من قبل، وكذلك تحولات في قراءة التاريخ لم تكن موجودة قبل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي التي أتاحت للناس معرفة هذه الصورة الحديثة للنقد والنظر للتاريخ.

"جمال عبد الناصر كان نموذجاً للاستبداد تبناه كثيرون من الرؤساء العرب، وما يحدث من سخرية تجاهه يأتي في إطار هدم الأصنام السابقة والحالية، فالماضي يؤثر في الحاضر، والعكس"... كيف ولماذا ظهرت الكوميكس الساخرة من عبد الناصر؟
"عبد الناصر وصدام حسين ومعمر القذافي كانوا رؤساء دكتاتوريين، لكن فكرة تعظيم الزعيم صارت غير مرغوب فيها في العالم العربي، خصوصاً لدى الشباب"... سلسلة من الكوميكس التي تكسر تابوه "الزعيم المعظَّم"

ويرى أن الأمر لا يتوقف عند السخرية السياسية، فهناك انتقادات أخرى توجه لرجال الدين والصحافة، ويضيف: "نعيش فترة تحول مجتمعي تتمثل في ضرب فكرة الزعيم المخلِّص، فهو مثله مثل غيره، وهذا يرتبط بالتغيرات التي أحدثتها ثورات الربيع العربي التي قلصت بدورها من وجود الحكم طويل المدى".

ويوضح صادق أن عبد الناصر كان نموذجاً للاستبداد تبناه كثير من الرؤساء العرب، وما يحدث من سخرية تجاهه يأتي في إطار هدم الأصنام السابقة والحالية، فالماضي يؤثر في الحاضر، والعكس.

الحاكم في الثقافة العربية محمي من السخرية كنوع من أنواع الهيبة الاجتماعية والسياسية، لكن ما يحدث على وسائل التواصل الاجتماعي يُضعف هذه الهيبة وفقاً للدكتور سعيد صادق، ويضرب مثالاً بالإعلامي باسم يوسف الذي أسهم بسخريته من مرسي في إضعاف حكمه.

أجيال جديدة لن تتهاون مع الهزيمة

تتميز صفحة "جريدة الهبدنت الدولية" بهذا النوع من الكوميكس، فالصفحة لم تستغرق وقتاً طويلاً كي تلفت أنظار عدد كبير من المتابعين.

يعتبر أحمد (اسم مستعار)، مؤسس الصفحة، أن السخرية عن طريق الكوميكس باب لنفاذ الآراء المخالفة للسائد، فمع زيادة القبضة الأمنية وفرض التضييق على الحريات، يلجأ الناس إلى صناعة عالمهم الخاص الذي يبرز آراءهم وضحكاتهم.

يشرح الشاب أن البداية كانت بمجموعة من المنشورات الهزلية على صفحته الشخصية على فيسبوك، تتناول التعليقات السياسية والمقولات القديمة وإبرازها في شكل "ميمز" مضحكة، ثم "اقترح بعض أصدقائي تأسيس صفحة، وهو ما فعلته. ورغم انتشار الصفحة وتميزها، فإنني لا أنظر للمحتوى الذي أقدمه بعين النجاح أو الفشل، فهي مجرد صفحة تعبّر عن وجهة نظري من خلال الكوميكس، وكذلك وجهة نظر كثيرين من متابعيها. ولو كانت مخالفة لآراء بعض الناس فهذه طبيعة الأمور السياسية، وليست وجهة نظري ملزمة لأحد".

يرى مؤسس الصفحة أنه لا سبيل لمواجهة السياسات التسلطية في مصر إلا بالضحك، مستشهداً بجزء من قصيدة للشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم: "مساكين بنضحك من البلوى".

ورغم قلة مساهمة الصفحة في تريند عبد الناصر، فإنها تركز على كثير من اللقطات السياسية والتاريخية والدينية: "كان للرئيس الراحل أنور السادات نصيب ضخم من تلك السخرية، لكن على مستوى الكوميديا والضحك، أعتقد أن تريند عبد الناصر هو الأقوى".

لكن أحمد يؤمن بأن التريند لم يكن منصفاً تاريخياً بعض الشيء، لأن ناصر "لا يتحمل وزر الخسارة وحده، لكنه كتريند تميز وأصبح الأكثر رواجاً لأنه مرتبط بفكرة الهزيمة، فمَن منّا لم يُهزم أو يواجه الفشل؟".

ربما تكون أجيال هزيمة 1967 قد تجاوزت آثارها، لكن "الأجيال الحالية والقادمة لن تتهاون أو تتخطى الحديث عنها، رغم أن عبد الناصر أيضاً حقق نجاحات في أمور أخرى، فهو ليس مهزوماً طوال الوقت"، يقول.

الكوميكس تحل محل الكاريكاتير

يتذكر رامي عفيفي، أحد صناع الكوميكس في صفحتي "Sarcasm Station" و"True Sarcasm"، بداية ظهور شخصية عبد الناصر في ذهنه عندما شارك في تظاهرات شارع محمد محمود، الموجة الثانية لثورة 25 يناير.

يقول لرصيف22 إن أحد المتظاهرين رفع علم مصر في عهد الملكية، ومن هنا بدأ في التساؤل: لماذا علم ما قبل ثورة يوليو بالذات؟

تأكد الشاب أن انتقادات شديدة ستطال جمال عبد الناصر ورجاله. يقول: "بدأ جيلنا الحديث عن الحكم العسكري في الشوارع، وحتى أثناء السخرية من الرئيس السابق محمد مرسي كان الإخوان المسلمون يعتبرون أن السخرية من عبد الناصر هي نتاج الحكم العسكري، ويؤيدون بشدة السخرية من تاريخه الذي أخفق في كثير من المعارك وتسبب في هزائم معنوية ومادية لجيش مصر".

يؤكد عفيفي أن للكوميكس تأثير كبير يفوق رسوم الكاريكاتير في الصحف الورقية، والدليل أن الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي اهتم بقراءة بعضها، وسمح بعرضها في مؤتمر الشباب. ويرى أنها حلت محل الكاريكاتير، وأصبحت تلعب دوراً مهماً.

ويشرح أن الكوميكس مبنية على معلومة وإسقاط، ويضيف: "هناك مواقف كثيرة ترتبط بهذه المعلومة وهذا الإسقاط، وكثيرون لا يصدقون حادث المنشية ومحاولة اغتيال عبد الناصر، ويؤكدون أنها خدعة استخدمها النظام لتبرير القمع، وبالتالي قد تظهر كوميكس متعلقة بخداع عبد الناصر كما تلك المتعلقة بهزائمه".

من النكتة الشفهية إلى المصورة

تلعب صناعة الكوميكس دوراً مهماً في المشهد المصري منذ 2011، بحسب ما يوضحه لرصيف22 الدكتور خالد أبو الليل، أستاذ الأدب الشعبي في جامعة القاهرة.

تأخذ الكوميكس طابعاً جاداً مثلما تأخذ طابعاً ساخراً، لكنها في النهاية "ترصد الحالة الواقعية للمجتمع، ومثال ذلك: التحول الذي يشهده الوسط الثقافي والاجتماعي المصري من النكتة الشفهية إلى المصورة، والتي تلعب دوراً كبيراً في توثيق أحداث المشهد المصري منذ ثورة يناير 2011 لمَن لم يعاصر تلك السنوات".

يوضح أبو الليل أن أحداً لم يتحسس من النكات الشعبية المصرية القديمة عن الصعايدة أو المنايفة، وغيرها من النكات المجتمعية قبل ظهور السوشال ميديا، بل تفاعل معها المجتمع بمختلف أطيافه، وحتى النكات التي حملت طابع السخرية من المتدينين لم تلقَ اعتراضاً من رجال الدين، وهذا هو الفارق بين النكتة الشفهية والمصورة، إذ يحمل الكوميكس الطابع الموجه أكثر، وقد يأخذ معنى آخر غير المكتوب فيه، رغم تداوله كمجرد نكتة عابرة.

ويؤكد أن متلقي الكوميكس يختلف حسب آرائه وأفكاره وانتماءاته، فهي سخرية غير مرغوب فيها إذا كانت عن تيار سياسي أو اجتماعي أو ديني ينتمي إليه المتلقي، الذي يستقبل الكوميكس الساخرة بعقله لا بعفويته مثلما كان يفعل مع النكتة الشفهية، وهو اختلاف حاد ربما تترتب عليه نتائج مجتمعية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard