في مطار "شارل ديغول"... لقاء عابر لسيدتين أتعبهما الاغتراب الإجباري عن بلادهما

السبت 12 أكتوبر 201902:45 م

في مطار شارل ديغول، وكعادتي في المطارات، يصاحبني هذا التشنّج الذي ورثته كطقس نعيشه، نحن حملة جوازات السفر من الدرجة المتدنية. ينتقل هذا التشنّج والتعثّر على أرضيات المطار المتحرّكة، لطفلتي التي تحاول مجاراتي في الهرولة، وتقطّب حاجبيها الصغيرين بجدية مضحكة لطفلة في الرابعة من عمرها. وفي غمرة ضياعي يأتيني صوت لطيف بعربية عراقية، متسائلاً عن الطريق لبوابة رحلة اسطنبول، فأخبرها أنني في طريقي لهناك.

نترافق الوجهة إلى البوابة أنا وتلك السيدة. نجلس في انتظار طائرتنا، ونحاول أن نخفي توترنا بثرثرة مفتعلة كي يمر الوقت. نحتسي قهوتنا على عجل ونضحك على ضجيج إعلانات الرحلات التي لا يدرك مغزاها أحد. يتململ الركاب من حولنا. يبدلون أماكنهم ويخففون من سأمهم بمحاصرة موظفي المطار بأسئلة لا تنتهي. يتسلق الأطفال الحقائب المتراكمة في الممرات، ويبكي بعضهم مسببين الرعب للعازب الجميل الذي يخشى من انسكاب القهوة على بنطلونه فاتح اللون.

أدرك أنها مثلي متجهة لاسطنبول، لتقابل عائلتها القادمة من العراق بعد انتظار دام أربع سنوات. وفي هذه الأثناء، ونحن نتأمل لوحات الرحلات في المطار، يقترب أهلي من الوصول من عمّان لمطار أتاتورك، في محاولة للقاء عائلي طال تخطيطنا لتنفيذه. أرى التعب في عيونها التي لم تعرف النوم منذ ليلة الأمس، في رحلة متواصلة حملتها من مونتريال إلى هنا. نعبّر عن لهفتنا للقاء تبدو شرعيته هزلية أمام جدار السنوات الذي فصلنا عن تحقيقه.

كيف يمكن لمنطقتنا أن تنتج اللجوء كموروث نتناقله من جيل لآخر؟ 

تتجه طفلتي للقاء جديها الذين عاشت معهما سنتها الأولى، بعد ثلاث سنوات من البعد، كبرت فيها دون أن تدري بتوقهما لها، ولا بشوق جدة تعيش في دمشق ولم ترها يوماً. في باريس، اعتادت هذه الطفلة الحلوة زيارتنا العائلية لسيدتين فرنسيتين تعيشان معاً في علاقة حب وادعة. كبرت ابنتي وهي تظن أنهما جدتاها، لما يحملانه لها من هدايا وشوكولا في الأعياد. ترى لهفتي الآن وتشعر بأهمية هذه الرحلة لوالدة اعتادت شرودها وسأمها من تطويع لسانها الثقيل على نطق أحرف اللغة الفرنسية. أتأمل نفسي كوريثة للجوءين، لجوء سوري وآخر فلسطيني أحمله من طرفي عائلتي. كيف يمكن لمنطقتنا أن تنتج اللجوء كموروث نتناقله من جيل لآخر؟ كيف تتحدد تفاصيل حياتي اليومية بارتفاع سعر الدولار والنفط أو انخفاضه، فنجني لعنته السوداء دون أن نحظى بخيراته؟

أنا وكحلا، السيدة العراقية، يجمعنا مطار باريس، في بحثنا عن سكينة نرجوها في لقاء من نحب، بعد زمن من محاولات لصقل ذاتنا، كي تلائم بلاداً ترى فينا عبئاً يرهق اقتصادها.

بهدوء، تقصّ عليّ كحلا حكاية رحلتها في كندا للدراسة. كيف تركت العراق لتنجو بنفسها بعيداً عن دمار يصعب تخطيه. نتحدث عن اللجوء واختلاف القوانين بين البلدين. هي تكره البرد ولكنها تعشق دماثة الكنديين وتعاملهم اللطيف مع المهاجرين. بذلت عائلتها جهداً كبيراً لترتيب هذا اللقاء. ينتظرهم أخوها الأكبر في شقته في اسطنبول، كما تفعل أختي التي استقبلت الوفد الأول من العائلة القادم من الأردن. في شقق اسطنبول الواسعة يلتئم شمل العائلات المنهكة من البعد والفراق، وفي أسواقها معتدلة الأسعار، تستطيع هذه العائلات التمتع بلحظات وديعة دون خوف من ضياع القليل الذي ادخروه. اسطنبول هذه المدينة التي ستظل في ذاكرة طفلتي، كمكان تظن أن فيه يقطن جدّاها، وأنها مدينتها الأم. في اسطنبول لمسنا فتنة هذه المدينة اللعوب على ضفاف بحر مشاكس. مدينة تضجّ بتناقضات الشرق والغرب، وتقدمها بخلطة يصعب وصف اللذة التي تفجر بها حواس متذوقها. هذه المدينة التي كتب لها أنطونيو غالا رواية الوله التركي. الوله الذي يسلب الإسبانية ديسيديرا عقلها أمام سطوة جمال وهيبة الدليل السياحي التركي يمام.

اليوم، وبعد انقضاء بضعة أشهر، يعود لي هذا اللقاء العابر مع عراقية جميلة يخسر العراق برحيلها إنسانة عذبة. يعود لي هذا اللقاء مع أخبار اسطنبول التي انقلبت على سوريين أحبوها وتنكرت لهم، رغم كون بعضهم يشعر بانتماء عفوي صادق لها، وللغتها وثقافتها، تماماً كما كان مصير ديسيديرا التي كادت تفقد عقلها مع تردي حياتها في خضوعها لحب استغلالي حطم كيانها. تتخلى عن زوجها وتترك بلدها وتفتن بالتركي يمام الذي يقودها لطرق متدنية، تخسر فيها ذاتها وهويتها. ديسيديرا تمثّل عشق بعضنا لهذه المدينة المجنونة التي تسلبنا ذواتنا، ثم تتنكر لولهنا ببرودة مهلكة لمحبيها.

أنا وكحلا، السيدة العراقية، يجمعنا مطار باريس، في بحثنا عن سكينة نرجوها في لقاء من نحب، بعد زمن من محاولات لصقل ذاتنا، كي تلائم بلاداً ترى فينا عبئاً يرهق اقتصادها.

لقاء عابر لوجع مشترك، لسكان منطقة ليس لهم سوى افتراش مطارات هذا العالم الذي يستمر بلفظهم كعبء ثقيل. لقاء يؤكد أننا سنظل نهيم في هذا العالم إلى أن تحملنا هذه المطارات القاسية يوماً إلى بلادنا.

يعود لي هذا اللقاء وأنا أرى انفعال كحلا على صفحتها على فيسبوك وتعاطفها مع انتفاضة شعبها. هذه الانتفاضة التي تصدمنا لامبالاة الناس بشرعية مطالبها. شعوب ترث الخيبات واللجوء والفقر، ويتشتت أبناؤها في فضاءات هذا العالم الهازئ بهم وبانتفاضاتهم. أتصفح صفحة هذه العراقية التي ترجو السلامة لأهلها، وتستمر بدعم إرادتهم بالمطالبة بخلق معنى لحياتهم. كيف يعجز هذا العالم عن رؤية قهرنا ورفضنا لسطوة هذه الأنظمة الفاسدة؟ أستحضر في ذاكرتي لجوء العراقيين السابق في التسعينيات، ثم لجوءهم الثاني بعد الاعتداء الأمريكي، ولجوءهم الحالي مع حكومة تستمر بطغيانها وبتجاهل شعوبها.

كان لقاءً عابراً لسيدتين متعبتين من اغتراب إجباري. لقاء عابر لوجع مشترك وفهم متبادل، لسكان منطقة ليس لهم سوى افتراش مطارات هذا العالم الذي يستمر بلفظهم كعبء ثقيل. لقاء يؤكد أننا سنظل نهيم في هذا العالم إلى أن تحملنا هذه المطارات القاسية يوماً إلى بلادنا. هناك سنعود لنقتلع الشوك الذي عشعش في غيابنا، وسننظف واجهات منازلنا المكسرة، وسنعلّم أطفالنا أن اللجوء ليس قدراً لا يمكن الفرار منه. أبناؤنا، بهوياتهم المتعددة الملونة، سيدركون أن هذا العالم يتسع باتساع آفاق حريتهم، وبأنهم مواطنو هذا الكوكب رغماً عن حدوده.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard