لأن الجمال يؤذي المشاعر... عن الفن الرديء

الأربعاء 6 نوفمبر 201903:35 م

عنوان المقال مقتطف من فيلم وثائقي يحمل عنوان "الجمال مخجل" Beauty is Embarrassing، وهو رحلة في حياة وأعمال الفنان وين وايت، الذي طور في أعماله مساحات جديدة، غير مألوفة لـ"الذائقة" الفنية.

تذكر مجلة كايرودار أن لوحة استخرجها التاجر الأمريكي سكوت ويلسون من القمامة على رصيف في مدينة بوستن، أطلق عليها اسم "لوسي في الحقل مع الزهور"، كانت وراء تدشين متحف الفن الرديء في ماساتشوستس بأمريكا.

"لسنا معنيين بكل ما هو مضجر" تقول لويس ساكو، "نحن المتحف الوحيد الذي يجمع ويعرض ويحتفي بالفن الرديء، فهو في النهاية فن". لويس، مقدمة إذاعية سابقاً وتشغل حالياً منصب المديرة التنفيذية في المتحف.

والرسم ليس الفن الوحيد الذي يحتفي بالرداءة ويحطم القواعد الكلاسيكية، فينسحب هذا على السينما والموسيقا والأدب وحتى البرامج التلفزيونية. فما هو معيار الرداءة؟ ولماذا نستمتع كمشاهدين بأشكال غريبة للفن قد تعتبر رديئة أحياناً؟ هل تغيرت القواعد الفنية ومقاييس الجمال في عالم الفنون؟ أم أن الذائقة، كمقياس غير ثابت، هي ما يحكم تصنيف الفن كسيء أو جيد؟

كيف نفهم الرداءة؟

في كتابها "لوحات رديئة: فن ممتع"، تقول المؤرخة الفنية الإيطالية إيفا تريسكا عن معرض فني أقيم في فيينا عام 2008 ويحمل نفس العنوان، إن ما يميز هذا الفن هو "رفضه الخضوع للقواعد الفنية"، وبهذا تعارض ميل النقاد إلى إعطاء صفة الرداءة لكل الأعمال التي لا تخضع لقالب معروف أو نموذج محدد، يتطابق مع المعايير الأخلاقية والفكرية السائدة في حقبة ما أو مجتمع معين.

تعتبر الباحثتان سييرا فلويد ودليندا كولير في دراسة بعنوان "الأخلاق: محور الفن الرديء"، أن تعريف هذا الفن تطور من كونه "إنتاجاً لأفكار تتنافر مع الطبيعة أو لا تتماهى معها"، ليصبح "افتقار العمل الفني للتقنيات الإبداعية" أو قصور الموهبة عن إيصال فكرة أو رسالة ما. وانطلاقاً من هذه الفكرة تستندان إلى نظريات كل من جورجيو فاساري وإيمانويل كانت في الحكم الجمالي على الأفكار الفنية ضمن معيار أخلاقي، فكانت مثلاً لا يصر فقط على ربط ما هو جميل بما هو مقبول أخلاقياً، بل يعتقد أنه المصدر الوحيد للمتعة، وأن العقل يتفوق على تذوق الحواس ليترفع عن كل ما هو دنيء وغير نبيل.

وضمن السياق ذاته، في مقاله "ما هي البورنوغرافيا؟"، يعتبر مايكل ريا أن البورنوغرافيا كجنس أدبي أو فني مجرد من أي شخصية أو معنى، لأنه يعمد إلى تهييج الرغبات الجنسية بالحد الأدنى أو المعدوم من القيمة الفنية، وهذا المعيار الأخلاقي في جمالية الفنون يختلف مع ما تقوله كارين هانسون عن أن "بعض التصنيفات لما هو جيد أو سيء في الفن من منطلق أخلاقي تجعل أي تجاوز للقوانين الاجتماعية من قبل الفنان موضع جدل، لأنها تنضوي على ما يغاير العرف الاجتماعي وبالتالي المعيار الأخلاقي"، وعلى هذا فقد يعتبر رديئاً كل فن تجرأ على إقصاء الأخلاقيات التي لم يتجرأ معظم الناس على تخطيها. لكن إذا جردنا الفن من الوظائف الاجتماعية والثقافية والفكرية، ألا يمكن الحكم عليه بمعزل عن مضامينه ومن خلال قيمة فنية مجردة أو ذائقة جماهيرية؟ إذا قبلنا المعيار الأخلاقي للفن، تقول هانسون، فيجب فصله عن القيمة الجمالية، وخاصة عند الوضع في عين الاعتبار تغير هذا المعيار من مجتمع لآخر ومن فرد لآخر.

في مقاله "في مديح الفن اللاأخلاقي"، يعتقد دانيال جاكوبسون أن تطبيق المعيار الأخلاقي لعصر على عصر آخر هو سوء حسابات لشخصية وخصوصية كل عصر بمفرده، وبالنسبة له لا يمكن الحكم على الأعمال الفنية إلا من خلال الجنس الأدبي أو الفني الذي تتخذه لنفسها، فما هو كوميدي يجب أن يكون مضحكاً ليصنف جيداً، وكذلك التراجيديا والفن الإيروتيكي وغيره.

اليوم يتم الاحتفاء بأعمال الفنان الأمريكي الأكثر إثارة للجدل والأغلى سعراً جيف كونز الذي يعرض منحوتاته الزجاجية لأوضاع جنسية من الكاماسوترا، وسط دهشة المشاهدين ومتعتهم واستغرابهم.

المعيار الجمالي للفنون عامل متغير

"الجيد" و"الرديء" مفهومان ثقافيان متغيران بمقتضى عوامل فردية بيولوجية أو مجتمعية مكتسبة أو زمنية مرحلية. ولعل ارتباط الفنون المعاصرة بمعيار جمالي مستوحى من الحياة اليومية يتعلق بالتجارب الشخصية وتعبير الآخرين عنها، وتمثلنا بها في تجاربنا الخاصة، هو ما يجعلها جيدة بنظرنا، "فأشكال الفن الحديثة تتمتع بمواصفات وقيم لم تكن لتؤخذ بعين الاعتبار سابقاً"، كما يقترح الناقد والفيلسوف آرثر دانتو في كتاب "الإساءة للجمال".

وعلى هذا فقد تكتسب الفلسفة الجمالية قيمة مضافة وبعداً حياتياً باتخاذها موضوعات معاصرة وتأثرها بها، فتتيح أن تتحول المكونات الاعتيادية إلى عناصر فنية، كأن تصبح مستحضرات التجميل في حقيبة امرأة عدة للرسم، كما نرى في إحدى اللوحات في معرض الفن الرديء.

بحسب الفيلسوف توماس ليدي، "يمكن للموضوعات المملة أو العادية أن تكتسب هالة في الفن ترتقي بقيمها الجمالية". ويتخلل هذا المفهوم طروحات حياتية "سلبية" للرداءة والقباحة والغرابة والتنافر، كعناصر جمالية بحد ذاتها، يتم تقديرها كجزئية حاضرة في الحياة وكوسيلة للتعبير، وليس لإبراز قيم جمالية "إيجابية" أو كانتقاد لاعتلال المجتمعات عملاً بمبدأ "الضد يظهر حسنه الضد"، وبهذا المبدأ يتخطى الفن الرديء المعيار الجمالي الإيجابي ليُعلي قيماً "سلبية" تعبر في جوهرها عن رؤى الإنسان المعاصر وقلقه وسخطه.

لماذا نحب ما نحب من موسيقا وفن وشعر؟ ما الذي يدفع بعض الناس لطلب أطعمة بمكونات ونكهات غريبة، واقتناء أعمال فنية أو أدبية غير مفهومة؟

إذا تحررنا من سلطة المعايير المفروضة علينا، يمكن أن نستمتع بما يصنف على أنّه غرابة أو شذوذ أو اختلاف أو تنافر أو حتى رداءة أو قباحة... 

العنصر الكاريكاتوري الساخر في الفنون الرديئة

لماذا تزور متحف اللوفر بفرنسا لمشاهدة لوحة الموناليزا إذا كان بإمكانك رؤية محاكاة هزلية لها في متحف الفن الرديء؟

لماذا تلقى المواضيع الحيوية والهامة متابعة أكبر ضمن إطار كوميدي قد يكون غير هادف؟

يقول الفنان الأمريكي وين وايت: "مهمتي هي إضفاء الطرافة على الفنون الجميلة". وايت الرسام وصانع دمى مسرح العرائس قد يحول موضوعاً إلى عالم من الدمى، أو يخلق من فكرة من الرسوم المتحركة موقعاً للتصوير السينمائي بطرق مبتكرة وغير مألوفة، معتبراً أن "الفن يمكن أن يكون مسلياً".

ترى الباحثة النفسية نيكول فورس أن إضفاء روح المرح في الفن هو جوهر العلاج النفسي الحديث. وأن السخرية من أيقونات جمالية أو تاريخية أو اجتماعية تجاوزت كونها نقداً أو تعبيراً عن السخط لتصبح "ملاذاً من التجارب المجهدة أو الصادمة"، وهذا النمط، تقول فورس، يرتبط تاريخياً بشعوب عاشت تحت وطأة الحروب والفقر والديكتاتوريات، تلجأ له " كآلية للتخفيف أو التعايش" مع أوضاعها الصعبة، أو "كفرصة لمتعة قصيرة".

وتعتقد فورس أن العلاجات النفسية للحالات الاكتئابية تعمل بشكل حيوي لتنشيط الكيمياء الدماغية وتفعيل مراكز المتعة المثبطة بفعل الاكتئاب والقلق. وفي سياق متصل، قد يوفر تردّي الفنون أو تفلتها من تقنيات القواعد الجمالية مساحة للضحك والسعادة أو مضاداً للاكتئاب لا يوفره الفن الجاد، فيصبح الفن الرديء ممتعاً أو جيداً بهذا المعنى.

الغرابة جذابة

ما الذي يدفع الناس لتقدير أعمال فنية أو أدبية غير مفهومة واقتنائها رغم غرابتها؟

يعتقد جيمس غرانت أن "التقدير هو موقف إيجابي من الخصائص الممتعة أو الجيدة لشيء أو شخص أو موقف بوجود مسوّغات تبرره"، فالتقدير بالنسبة له يحتاج إلى تبرير، وهذا لا ينطبق على ما يعتبر فناً رديئاً فليس هناك مبرر لتقديرنا له. وهو ما شرحه كيندل التون حين رأى أن الإخفاق في الارتقاء إلى معايير الجودة الفنية في الأعمال الرديئة قد ينتج تأثيراً إيجابياً لدى المشاهد، تحفزه الغرابة أو الشذوذ والاختلاف، وبخاصة عندما تتسع الهوة بين نوايا الفنان والنتائج التي حصل عليها، "تصيبنا الدهشة من شناعة النتيجة التي انتهت إليها الأشياء رغم جهود صانعيها"، فالغرابة بالنسبة له مذهلة بحد ذاتها، وبالأخص كونها غير متعمّدة في الفن الرديء، مثل الغرابة التي نراها في المسرح العبثي أو الفن السريالي، فهذا ما يخلق فرادتها.

في دراسة بعنوان "تقدير الفن الرديء"، يعتقد كل من جون ديك ومات جونسون أن تقديرنا للأعمال الفنية لا يرتكز على المقياس الفني وحده، بل على تأثير الغرابة التي ولدها الدمج غير المألوف لعناصر العمل والدور الذي تلعبه ضمن بيئتها. فبالنسبة لهما، إن إخفاق الأعمال الرديئة وإن لم يمتلك قيمة فنية فهو يمتلك قيمة جمالية تجعله فناً.

الذائقة لا تحكمها قواعد

لماذا نحب ما نحب من طعوم وفنون؟ وكيف يتولد إعجابنا بالأشياء والنكهات والأعمال الفنية؟

يجيب عن هذه الأسئلة الكاتب الأمريكي توم فاندربلت في كتابه "وقد تحب أيضاً"، حين يقول إن الأشياء التي نحبها وسبب حبنا لها "هي لغز يخضع لنزعات غير واعية تتأرجح بسهولة حسب مؤثرات اجتماعية وقرينية"، بمعنى أننا سريعو الانقياد نحو الموجة السائدة ونتأثر بالدعاية لها. وبهذا يضع فاندربلت قاعدة هشة لما قد يحكم مفضلات المشاهد ويحدد ذائقته ومشاعره تجاهها، فهي غامضة الأسباب وسريعة التغير بشكل لا يمكن القبض عليه. وبالتالي يصعب الحكم بما هو "رديء" أو "جيد" بحسب الذائقة الفردية أو وفق زمن مطلق، "فالأذواق تتغير من حقبة تاريخية إلى أخرى"، وبينما تبقى الأعمال الفنية الرفيعة خالدة الذكر والقيمة مهما تغيرت صيحات الفن، "يمكن للفن الرديء أن يمنحنا المتعة بنفس الوقت"، فهو على حد تعبير فاندربلت: "أسوأ من أن يتم تجاهله".

وفي مقابلة صحفية له مع جولي بيك في الاتلانتيك، يصرح الكاتب أن ميل الناس لاقتناء أعمال فنية رديئة أو غير مفهومة أو استمتاعهم بأفلام سيئة، يعود لأسباب لا يستطيعون تحديدها، لأن "هناك طرقاً عديدة للإعجاب بشيء. قد تصيب بعض الأشياء نقاط المتعة لدينا أو نقاط ضعفنا فتجبرنا على التخلي عن تفكيرنا التحليلي، فالجودة ليست معياراً مستقلاً تماماً".

سواء كان الفن رديئاً أو غريباً ومتحدياً للقواعد الكلاسيكية والجمالية، وسواء كان الترويج له والاحتفال بمنتجاته ظاهرة مؤقتة أو أمراً واقعاً، إلا أنه حاضر بشكل لا يمكن تجاهله. وبرغم كل العوامل النفسية والاجتماعية والفكرية التي أدت لنشوئه وانتشاره، غير أن طرق التسويق له لعبت دوراً هاماً في تقبل متابعيه له وسعيهم لاقتنائه. تذكر الكاتبة الأمريكية مورين كالاهان في مقال بعنوان "الأسعار المكلفة في عالم الفن الرديء" في نيويورك بوست، أننا أصبحنا في عالم لا يكتفي فيه الأثرياء من الاستهلاك، بينما ينتج فنانوه، بوحي من التهكم والاستهزاء، ما يباع بمبالغ خرافية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard