الشاعر العراقي كاظم خنجر... يتنزّه بحزام ناسف ويقف في قفص داعشي

الجمعة 11 أكتوبر 201902:52 م

يحوّل الشاعر العراقي كاظم خنجر يومياته الدموية والكارثية، كما يصفها هو، في العراق، إلى مشاهد شعرية فنية. عبارة عن تعبير وثائقي، حسب تعبيره. يتنزّه مرة بحزام ناسف، ويقرأ الشعر في بيت دمرته القذائف، ويقف في قفص داعشي ليتحسس أين مات رفاقه.

يعتمد خنجر المولود في محافظة بابل بالعراق في العام 1990، السخرية من الموت مدخلاً لنصوصه، لذلك سعى مع مجموعة من الفنانين العراقيين لتأسيس "ميليشيا الثقافة"، "العراق مليء بالمليشيا وكان علينا أن نؤسس مليشيا تعبر عن توجهاتنا وآرائنا فخُلقت ميليشيا الثقافة": كما قال لـرصيف22.

بيئة العنف

تمتلئ لغة خنجر في قصائده بالدم والانفجارات والقنابل، وكذلك بالجثث والانتقام والطائفية، فلماذا كل هذا العنف والقسوة في قصائد خنجر، يوضّح: "من سيرة تكويني الأولى، لشخص ولد في العام 1990 في العراق، فأنا ولدت إثر حرب انتهت للتوّ مع إيران، وحرب بدأت للتو في الكويت، وحتى الاجتياح الأمريكي للعراق في 2003، إلى الحرب الطائفية بين السُنة والشيعة، وليس انتهاءً بدخول داعش العراق، كلها لحظات تاريخية في قمة التشويش والعنف، فالصورة الكلية من حولي مليئة بالعنف، الجوع، القهر، فمن الطبيعي أن يكون نتاج ذلك لغة عنيفة".

ويواصل خنجر: "حتى في أحاديثنا نخجل أن نتحدث عن الورود والطبيعة، فليس للأحاديث الجميلة مبرر نفسي، التجربة الحسية التي كونتني هي تجربة عنيفة وقاسية، وأنا، كالتزام أخلاقي مني أمام تكويني، مضطر لاستخدامها".

ويشير إلى أن "مفردات كالسكين والطلقة هي المفردات الطبيعية، وليس الحب والعاطفة، فما أكتبه هو أقرب ما يكون للتعبير الوثائقي، من خلال خلق نصوص تحوي التزامات شعرية".

عن وجود الجانب المضيء والإيجابي في حياته قال: "موجود ولكنه قليل بالمقارنة".


النظريات الشعرية

يشرح خنجر كيفية عدم التزامه بالنظريات الشعرية التي لخّصت الشعر والقصائد في الطبيعة والحب، والتي تعبر عن حالة السكينة والشجن، ولكنه ينحو إلى النظريات التي تقدم الشعر على إنه حالة القوة، وهو إعادة اكتشاف الكائن لمحيطه، "وهكذا عمل الإغريق، فقد صوروا حروبهم، مدنهم، أساطيرهم، علاقاتهم في أشعارهم لتنقل لنا عن واقع حياتهم، ولم يحصر شعراء الإغريق شعرهم في الحب والطبيعة، فبالنسبة لي في الموت شاعرية كارثية يجب أن نجسدها في نصوصنا".

يقول: "يتهموني بالعنف في قصائدي، ولكنني وُجدت في محيط ليس فيه وردة ولا شجرة، ونخاف فيه من حزام ناسف وسيارة مفخخة، نتعرض للتهديد والقتل، لذلك كان عليّ تفسير خوفي وموتي".

كذلك يرى خنجر أنه ليس بالضرورة أن يرتبط الشعر بالرقة، فهو أحياناً يرتبط بالبذاءة، ويفضل أن يطلق على شعره صفة "السطحية" على أن يكون شعره "مباشراً"، "فالسطحية ليست صورة، وعلينا أن ننظر لها من منظور آخر، فليس كل ما هو عميق يخدم البشرية" كما قال.

"قد يصف البعض أعمالي بالسطحية، وهو كذلك، فأنا أعتمد الأسلوب المباشر، أكتب كما أريد وأشعر، فالمباشرة هي الحل في اللحظة التي أكتب فيها، فالقتل مباشر، والحب مباشر والموت مباشر، لذلك أنا لست مضطراً لاستخدام لغة الألغاز والتعقيد وإقناع النقاد بمدى معرفتي باللغة"، هكذا وصف خنجر أسلوبه لـرصيف22.

يتنزّه مرة بحزام ناسف، ويقرأ الشعر في بيت دمرته القذائف، ويقف في قفص داعشي ليتحسس أين مات رفاقه... كيف يحوّل الشاعر العراقي كاظم خنجر يومياته الدموية والكارثية إلى مشاهد شعرية فنية

 "ميليشا الثقافة" مشروع اشترك فيه الشاعر العراقي كاظم خنجر وفنانون عراقيون آخرون، ليقدموا وجهة نظرهم عبر استخدام تقنيات الميليشيات المسلحة إلى الثقافة، ولكنهم استبدلوا الرصاصة بالكلمة

ميليشا الثقافة

من وحي الثقافة المليئة بالعنف والقتل، خُلقت أيضاً "ميليشا الثقافة"، وهو مشروع اشترك فيه خنجر وفنانون عراقيون آخرون، لينقلوا حياتهم اليومية وأخبارهم وقصصهم إلى فضاء الثقافة ويقدموا وجهة نظرهم عبر استخدام تقنيات الميليشيات المسلحة إلى الثقافة، ولكنهم استبدلوا الرصاصة بالكلمة، حسب تعبير خنجر.

"كنا نلتقي بشكل شبه يومي في مقهى الجندول في بابل أنا ومازن المعموري، وعلي ذرب، ومحمد كريم، في العام 2013، ونتحدث عن الموت، وعن قيمتنا كبشر، ونتبادل أخبار الموت والانفجارات والضحايا، ومع دخول داعش إلى منطقة جرف الصخر، شمال بابل، أصبح التهديد بالموت أقرب، خفنا من سلب حرياتنا أكثر من الخوف من الموت، وهو ما دفعنا لتأسيس "ميليشيا الثقافة"، يشرح خنجر.

يقول: "في العراق موت يومي، ومهمة القاتل تنتهي بالقتل، بينما مهمتنا تبدأ بعد القتل، فنحن نزور المقابر، حقول الألغام، السيارات المفخخة، المباني المقصوفة، وأقفاص داعش، ليس لرثاء الجريمة ولكن للسخرية منها، ففكرة وبنود الميليشيا مبنية على الكتابة بالجسد عن العنف".

المشروع مفتوح لجميع الفنانين للمشاركة، فالعملية ليست مرتبطة بشخص معين، حسب تعبير خنجر، كما أن التفكير داخل الميليشيا يخضع للمحو والإضافة باستمرار.

يقول ضيفنا: "يعمل الأصدقاء في هذا المشروع على تحويل الشعر إلى لغة متداولة في الحياة اليومية، فيذهبون معاً إلى أماكن القصف وحقول الألغام والمقابر الجماعية والسيارات المفخخة والمفاعل النووي وأقفاص مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام –داعش، لمعاينة الجرائم اليومية التي يقترفها القاتل بعد أن يجد ضحية أبطأها المسير، تلك المعاينات التي أنتجت اليوم 'نزهة بحزام ناسف' وستنتج قريباً مجاميع تغلق الدائرة المفتوحة لميليشيا الثقافة".

ويصف خنجر: "مثلاً أعدت تمثيل موت أصدقائي بالصورة والأداء والنص، فليس لدي طريقة أخرى للتعبير عن العنف الذي ولّدته الحرب الطائفية غير هذه الطريقة".


جمهور جديد

يصل خنجر إلى جمهوره الأوروبي على وقع أصوات جنازير الدبابات وأنقاض البيوت المقصوفة، ليقدم ديوانين، ديوان "بائع الدم" وديوان "نزهة بحزام ناسف"، يقول عن ذلك: "في الديوانين ما يمثل بعض مشاريع ميليشيا الثقافة، ونصوص أخرى فيها استذكارات قائمة على العنف، ليس بشكل وصفي وإنما استجابة لهذا العنف وقدرتي على تغيير مساره، فالديوانان فيهما التزام نصي ويحملان نوعاً من المراوغة".

تُرجم ديوانا خنجر إلى الفرنسية والألمانية وقريباً ستتم ترجمتهما للإنجليزية والإيطالية، عن ذلك يقول: "الترجمة هي نص آخر للكاتب نفسه، وما تحمله الترجمة في أغلب الأحيان هو النص غير المزدوج، فهي تجربة حسية لمتلق جديد بلغة أخرى، أجزم إنها مختلفة عن التجربة الحسية للمتلقي باللغة الأصلية".

ويضيف: "30% من تجربة المتلقي الأجنبي تتركز على التعاطف السياسي، و30% أخرى تلقٍ للنص، والبقية هي تلقٍ فني، ومحاولات لاكتشاف أدب جديد، ووجهة نظر أدبية جديدة، فالترجمة تضيف جمهوراً جديداً، وقد خُلقت الترجمة لإعلام الآخرين بقيمة النص، ولكنها لا تضيف قيمة معرفية للنص".

يعيش جحيماً ويهاجر ويعود

كشاعر يعيش تحت رحى المجازر والقتل، فهو يعيش جحيماً، كما أسماه، "فالكاتب والشاعر عَمِل على شحذ مشاعره لسنوات، لتكون رقيقة وحساسة، وتأتي كل هذه القسوة لتكسرك، كما أننا دائماً مهددون، ففي العراق إذا لم أكن مهدداً فليس لدي قيمة، البلد مليء باللصوص والميليشيات والعصابات والفساد والسرقة، عندما تعبر عن رأيك بما يحدث قد يقتلك شخص، لا يعلم من أنت وما قيمتك، فهو أيضاً ضحية صورة اجتماعية إسلامية معينة دفعته لذلك".

وعنما يُفكر خنجر بالهجرة، قال: "حاولت الإقامة في فرنسا في وقت سابق، ولكنني دائماً أعود إلى العراق، فالحياة بعيد عن العراق بلا قيمة، يجب أن أعود من أجل أن أكتب وأحترم الكتابة أكثر، فأنا أتواجد في أوروبا بسبب الكتابة، ولا أريد أن أستغلها لمنافع شخصية".

يواصل: "السفر والبقاء في الغربة لبعض الوقت علمني الخوف من ترك المكان، من الشعور حين العودة إليه، من باب المسئولية يجب أن أعود إلى بلدي لأحترم النص، ولأكتب عن أشيائنا وحياتنا، وأفكارنا وتطلعاتنا، قد يكون ما أكتبه رديئاً ولكنه جزء مني".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard