4 قصص TED جديرة بأن تُحكى عن الصحة النفسية

الخميس 10 أكتوبر 201904:42 م

أفكار مجنونة بالمعنى الإيجابي يقولها "مؤثرون" حقاً على مسارح TED في شتّى بقاع الأرض، أفكار تدفعك لتحطيم الموروثات، أي الأفكار التي تجاوزها الزمن كتلك التي لا تزال "توصم" المريض النفسي، حتى بات كثيرون يتألمون بصمت، يكتئبون بصمت، وقد يصل الأمر إلى أن ينتحروا بصمت.

اختارت منظمة الصحة العالمية في اليوم العالمي للصحة النفسية، العاشر من تشرين الأول/أكتوبر هذا العام، أن تُركّز على "منع الانتحار" بعدما كشفت عن أن شخصاً يتخذ القرار المأسوي بإنهاء حياته كل 40 ثانية، أي أن 800 ألف شخص يضعون حدّاً لحياتهم كل عام، وهو ما يجعل الانتحار السبب الثاني للوفاة لدى الشباب الذين تراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً.

لماذا؟ سؤال وجيه، لو تعمّق كلّ منا فيه، لعرفنا جميعنا السبب. الأمر لا يقتصر فقط على "مصاعب الحياة" التي يمرّ بها كثيرون، بل يتعلق بالخوف من البوح، بالخوف من الاعتراف بعبء ما يُثقل القلب، بالخوف من زيارة طبيب نفسي، بالخوف من "تهمة" مريض نفسي، التي أوجدتها المجتمعات، برغم كمّ الحملات التوعوية التي أشارت ولا تزال تُشير إلى أن "العيب" ليس في المرض النفسي، بل في المجتمع الذي يتجاهله.

من على مسارح TED حول العالم، اخترنا 4 حكايات ملهمة رواها أشخاص عن تجربة شخصية، البعض تأثّر كثيراً، والبعض ضحك طويلاً. المؤكد أن تفكيرك في الصحة النفسية سيتغّير حتماً بعد قراءة هذا التقرير، مهما كانت الفكرة السابقة.

من على مسارح TED حول العالم، اخترنا 4 حكايات ملهمة رواها أشخاص عن تجربة شخصية، البعض تأثّر كثيراً، والبعض ضحك طويلاً. المؤكد أن تفكيرك في الصحة النفسية سيتغّير حتماً بعد قراءة هذا التقرير، مهما كانت الفكرة السابقة.

عن الجدّة جاك

بين التصفيق والضحك والتأثّر بالروايات، تحدّث الطبيب النفسي ديكسون شيباندا عن "أكثر الطرق فعالية في محاربة الاكتئاب"، من خلال قصة.

ذات يوم، اتجهت سيدة تبدو مكتئبة تدعى فاراي (24 عاماً) وهي أم لطفلين، نحو مقعد في حديقة، بينما كانت السيدة جاك (82 عاماً)، المعروفة باسم "الجدة جاك" تجلس على المقعد.

قدّمت فاراي ظرفاً إلى الجدة التي قرأت التشخيص الطبي خلال ثلاث دقائق، ثم قالت لفاراي: "أنا هنا من أجلك. هل ترغبين في مشاركة قصتك معي؟"، أجابتها وهي تبكي: "أنا مصابة بفيروس نقص المناعة المكتسب منذ أربع سنوات، تركني زوجي قبل عام، ولدي طفلان دون سن الخامسة. وأنا عاطلة عن العمل. وبصعوبة أعتني بطفليّ".

جاء رد الجدة: "لا بأس في البكاء. لقد عانيت كثيراً. هل ترغبين في مشاركة المزيد معي؟"، تابعت فاراي: "فكرت بالانتحار في الأسابيع الثلاثة الأخيرة، وأخذ طفليّ معي... أرسلتني ممرضة العيادة لرؤيتك"، وهنا أتى دور الجدة لتُخرج الطبيبة التي بداخلها: "فاراي، يبدو لي أن لديك جميع أعراض الاكتئاب".



أشار الطبيب إلى أن في أفريقيا 12 طبيباً نفسياً، هو واحد منهم، لسكان ما يقرب من 14 مليوناً. في إحدى الليالي تلقى الطبيب مكالمة من غرفة طوارئ من مدينة تبعد نحو 200 كيلومتر من مكان إقامته ليتم إخباره بأن إحدى مريضاته تناولت جرعة زائدة. فبعدما قدّم حلاً مبدئياً، طلب بإخبار والدة المريضة بأن تزوره لتحديد ما يمكن أن يعمله.
مرّت ثلاثة أسابيع من دون أي خبر، وحينما اتصل الطبيب بوالدتها، أخبرته بأنها انتحرت بتعليق نفسها في شجرة، وحينما سأل الأم: "لماذا لم تأتِ إلى هراري، حيث أعيش مثلما اتفقنا؟"، كان الرد: "لم يكن لدينا أجرة الحافلة 15 دولاراً للقدوم إلى هراري".
ردّها الذي صدمه دفعه للتفكير بطريقة بديلة لمعالجة من يعانون، فلن يصل إليه الجميع. يقول على مسرح TED: "بعد مشاورات كثيرة وبحث عن الذات، أدركت أن أحد أهم العناصر الجديرة بالثقة لدينا في أفريقيا هو الجدات. نعم، الجدات. في كل المجتمعات هناك المئات منهن". 
على ما يبدو أن كل واحد من الحاضرين تذكّر جدته هنا. عمّ الضحك في أرجاء المكان، فمن يسمعنا مثل جدّاتنا؟ ومن يصرّ على معرفة "ما يزعجنا" مثلهنّ؟ 
يتابع الطبيب: "لذا فكرت: ماذا عن تدريب الجدات على العلاج 'الكلامي'؟ لديهن مهارة الاستماع، ومهارة إظهار التعاطف". وكشف عن أنه بدأ عام 2006 تدريب مجموعته الأولى من الجدات، وأن اليوم هناك المئات من الجدات اللواتي يعملن في أكثر من 70 مجتمعاً.
وأضاف: "خلال عام 2016 وحده، تلقى أكثر من 30 ألف شخص العلاج على 'مقعد الصداقة' من 'جدة' في زيمبابوي". وأكد أن أعراض الاكتئاب، بحسب النتائج، تختفي بعد ستة أشهر من تلقي العلاج من جدة، وتنخفض الأفكار الانتحارية.
أما عن فاراي والجدة جاك، فقال إن فاراي تعمل حالياً، ويذهب طفلاها إلى المدرسة. أما الجدة جاك، فكان من المفترض أن تستقبل الزبون الرقم 257 في الحديقة في فبراير 2017، لكنها لم تأتِ، لأنها كانت في حديقة أُخرى تدعى الجنة.
فكيف يبدو شكل عالمنا إذا تمّ تطبيق علاج الجدات في كل الحدائق؟

أنا المسيح

"لا أرى إصابتي باضطراب ثنائي القطب (Bipolar) سوى شيء إيجابي لأنني كلما زدت جنوني على المسرح، أمتعتكم أكثر". 
هذا ما قاله الفنان الكوميدي جوشوا والترز على مسرح TED وهو مصاب باضطراب ثنائي القطب. في الـ16 من عمره ظن أنه السيد المسيح، مخبراً الجمهور بأنه "مهما بلغت كمية المخدرات التي يمكن للمرء أن يتناولها، فلا شيء سيوصله للحالة المزاجية 'العالية' التي قد تجعله يظن بأنه السيد المسيح".
يقول إنه كان لديه خياران، إما إنكار مرضه العقلي أو مواجهة "مهارته العقلية"، مشبهاً حالته بمحرك سيارة الفيراري التي لا وجود للفرامل فيها.


يتحدث والترز هنا عن خط رفيع يفصل بين الجنون الذي يوّلد الإبداع وبين الأمراض العقلية، لافتاً إلى أن مبدعي العالم ليس شرطاً أن يكونوا مصابين بهذا المرض، ولكنه يشملهم، لأن هناك ما يُسمى بـ"طيف اضطراب ثنائي القطب".
وأضاف: "أن يتم تشخيصك باضطراب ثنائي القطب لا يعني أنك مجنون، بل أنك حسّاس تجاه ما لا تراه ولا تشعر به الغالبية العظمى من البشر"، منهياً بالقول: "الأمر يعتمد على مكانك في هذا الطيف. يعتمد على كم أنت محظوظ".

"مهما بلغت كمية المخدرات التي يمكنك تناولها، فلا شيء سيوصلك للحالة المزاجية 'العالية' التي قد تجعلك تظن بأنك السيد المسيح مثلي"...  4 قصص شخصية من TED Talks عن الصحة النفسية، يرويها أبطالها، البعض تأثّر كثيراً، والبعض ضحك كثيراً
بين التصفيق والضحك والتأثّر بالروايات، تحدّث الطبيب النفسي ديكسون شيباندا عن "أكثر الطرق فعالية في محاربة الاكتئاب"، من خلال قصة… ما هي؟ وما رأيكم فيها؟

لا تعاني بصمت

"ما الذي أفعله أمام كل هؤلاء. أجرِ! أجرِ الآن…".
هكذا افتتحت المنتجة نيكي وِبر آلِن التي تُعرّف نفسها بـ"محطمة وصمة العار" حديثها في إحدى محاضرات TED قائلةً إن "الصوت الذي يتحدث هو صوت قلقها". صوتٌ يرافقها دوماً وإن كان كلّ شيء على ما يرام، موضحةً أنه "الخوف" من حدوث أمر سيىء، كما لو كان جرس إنذار يرنّ دائماً.
روت آلِن تشخيصها باضطراب القلق والاكتئاب منذ بضع سنوات، واصفةً إياهما بـ"المرضين النفسيين اللذين يترافقان عادة"، ولكنها لم تُخبر أحداً بهما لتمثيلهما "ضعفاً في الشخصية كما يعتقد معظم الناس في مجتمعها"، قائلةً: "لم أكن ضعيفة، حققت إنجازات كبيرة، من بينها حصولي على درجة الماجستير في الإعلام وفوزي بجائزتي إيمي (Emmy Awards) بسبب جهدي. فقدتُ اهتمامي بأشياء كثيرة، بصعوبة كنت أتناول طعامي، عانيتُ كثيراً الأرق، وشعرتُ بالعزلة. ولكن، مكتئبة؟ حتماً لا، لست مكتئبة!". 
شعرت آلِن شعوراً غريباً هو أنه "لا يحق لها" أن تكتئب، كونها تعيش "حياة مرفهة مع أسرة محبة ولديها مسيرة مهنية ناجحة"، وما يزيد من "شعورها بالعار" حسب تعبيرها تجاه التشخيص كان: "كيف أشعر بالاكتئاب بعد كل ما مرّ به أسلافي في هذا البلد، لكي أتمكن من العيش بأحسن حال؟ كيف لي أن أخذلهم؟". 
بقيت آلِن في حالة إنكار حتى هاتفتها والدتها وأخبرتها بانتحار ابن شقيقها بول (22 عاماً) المقرّب منها والذي لم يخبرها يوماً بمروره بصعوبات، أو بحالة نفسية تؤثر عليه. تقول: "لم يكن لدي فكرة أنّه يمر بمثل هذه المعاناة. ولم يتحدث أحدنا إلى الآخر عن معاناته إطلاقاً. وصمة العار والخجل أبقتنا صامتين". 
ونقلت آلِن عن صديقة لها قولها "قوّتنا تقتلنا"، مشيرة إلى التظاهر بالقوة. وبعدما قررت مواجهة مرضها، تؤكد آلِن أن "امتلاك المشاعر ليس علامة ضعف بل يدلّ على أننا بشر، وعندما ننكر انسانيّتنا، نشعر بفراغ داخليّ، باحثين عن طرق للمداواة الذاتيّة لملء الفراغ. دوائي كان إنجازاً عظيماً".
وأنهت حديثها بالقول إنها "ستبقى دائماً نادمةً على أنها لم تستطع مساعدة ابن شقيقها. لكنها تأمل أن يتعلّم أحد من قصّتها… أن يطلب المرء المساعدة حينما يصبح حمله ثقيلاً عليه". 

صُنِعت من الحساسية

"شعرت بأنني الخاسرة في عالم يريد أبطالاً بقوة خارقة. أنا لست على ما يرام، بعكس ما أقوله". 
طَلَبت غلينون ميلتن (مؤلفة كتاب استمر أيها المحارب) المساعدة في مدرستها بعدما شعرت بالنفاق النفسي، فتمّ إرسالها إلى مستشفى للأمراض العقلية، حيث شعرت بأنها "تنتمي إلى هذا المكان أكثر من أي مكان آخر". 
تقول: "تُعلمنا المدرسة عن تاريخ روما القديمة، بينما كان الأجدر بها أن تعلمنا كيف نصنع رفيقاً ونبقيه إلى جانبنا. كان علينا في المدرسة، الجزء المصغر من العالم، أن نمثّل بأننا أقوياء في الوقت الذي نكون فيه ضعفاء، وأن نكون واثقين بأنفسنا في حين أن الحيرة تسيطر علينا". 
أما في مستشفى الأمراض العقلية، فتؤكد ميلتن أن لا مكان "للتمثيل"، بل هناك دروس للبوح بالمشاعر كما هي. كانت هناك دروس لتعلّم الاستماع للآخر، وكيفية اكتساب القوة الكافية لإخبار القصص كما هي.
وتضيف: "كان بعضنا يمسك أيدي بعضنا الآخر أحياناً لأننا كنا نشعر بحاجتنا لذلك. كان ممنوعاً أن يجلس أحد وحده، أو أن 'يُترك'. كان لكل شخص قيمة لا لإنجاز معيّن، بل لأنه موجود وعلى قيد الحياة". 


حالة ميلتن لم تُعالج برغم هذا. أدمنت الكحول، وكرهت الشمس التي تدعوها لنهار جديد كل يوم. لا تزال تشعر بالخوف والقلق بشكل متواصل. تُصاب بإحباط قاسٍ في أيام، وتفاؤل شديد في أيام أخرى، ولكن ما تغيّر هو أنها قبلت حقيقة أنها "شخصية حساسة"، أو كما قالت: "صُنعت من الحساسية"، وليس مطلوباً منها إخفاء هذه الحساسية، أو "تصليحها". 
تشير ميلتن إلى أن ما تفعله الآن هو مساعدة أشخاص في خلق عالم لهم، حيث لا يحتاجون فيه لإخفاء مشاكلهم تحت عباءة البطل الخارق إذ يجب أن يتسامح البشر لأنهم "بشر"، ويجب على الجميع الاتفاق على أن الحياة صعبة، ولكن في الوقت نفسه نصرّ معاً على أنه يمكننا فعل أشياء صعبة أيضاً لنتخطاها.
"ليس ضرورياً أن نقول إننا بخير دائماً. يمكننا تذكر بين الحين والآخر أننا بشر. مرّت 11 سنة منذ أن قررت أن أواجه الشمس، وأتوقف عن تخدير مشاعري بل مشاركتها. هذا هو الفرق في حياتي منذ أن كنت في الثامنة من عمري حتى الآن".
وختمت: "لا نريد أبطالاً خارقين. نريد أشخاصاً صريحين... وغرباء". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard