محمد منير… حرّض على الثورة ومع انطلاق شرارتها لم يُسمع صوت "الملك" فيها

الخميس 10 أكتوبر 201912:32 م

هل وجب على المطرب أن يكون بالضرورة مُحرّضاً أو مناضلاً أو داعياً لتغيير أو منتقداً لحال ما؟ هذا السؤال الشمولي، الذي يحمل كل الإجابات المحتملة ما بين نعم ولا، سيكون مدخلنا لعالم محمد منير (مواليد 10 تشرين أوّل/ أكتوبر 1954)، المطرب صاحب التجربة الوحيدة المختلفة لموضوع الغناء، منذ سيد درويش.

كان يمكنني أن أتفهّم شكله المختلف، لسيره ضد نمط الصوت الواحد الذي احتل الأغنية المصرية، منذ عهد عبد الوهاب وأم كلثوم ثم عبد الحليم حافظ، كهنة معبد الغناء المصري وربما العربي. كان يمكنني أن أحترم فيه اختيارات الكلمة واللحن على غير رضا "القطيع" المعتاد، حتى شكل ملابسه فاقعة الألوان المهلهلة كنت أعتبرها محاولة لكسر البُعد البصري لشكل المطرب الذي أصابه التجمّد، لكن استمرار التجربة على مبادئها هو معياري في الانحياز لها من عدمه. لا أعني أنه ليس من حق أحد أن يغير مواقفه بعد دراسة - أو على غير دراسة حتى- فهو حر كإنسان قبل أن يكون حرّاً كمطرب: غيّر موقفك لكن لا تغير مبادئك التي تسكن تحت جلدك.

سبحان من غيّر المطربين... لن تفيد هنا علامات التعجب، لأنه يمكن أن تكون الإجابة على سؤال المدخل أن المطرب ليس بالضرورة أن يكون محرضاً سياسياً

كان منير يكرّس لفكرة أن الفنان ليس سلعة أو مروِّجاً لسلعة، لكن "الملك"، أهم ألقاب "منير"، ظهر فجأة في إحدى ليالي رمضان على الجمهور وهو يغني للفطير في إعلان لإحدى شركات الاتصالات، وأبقى الجمهور على حبه.

وبرغم أنه عاش ليردد أنه يحرّض على الثورة في أغنياته، وحين جاءت الثورة بنفسها وشحمها ودمائها وفرصتها التي لا تتكرر، لم يُسمع له صوت فيها... وأبقى أيضاً الجمهور على سماعه والغرام به، لكن رصيده قد توقف عند حد مفاجأته لعشاقه في حفل برعاية قناة "صدى البلد" المصرية، حرّض فيه الناس هذه المرة على تشجيع إعلامي النظام، أحمد موسى، عندما حيّاه من على خشبة المسرح وقال إنه "أخوه" الذي أبهجه أنه صار من ضمن مهاويسه، كما قدم "منير" في نفس الحفل تحية أخرى لرجل الأعمال محمد أبو العينين، أحد رجال مبارك ومَن بعده، هؤلاء الذين كان "منير" منذ وقت قصير يقول إنه يحرّض على الثورة ضدهم.

سبحان من غيّر المطربين... لن تفيد هنا علامات التعجب، لأنه يمكن أن تكون الإجابة على سؤال المدخل أن المطرب ليس بالضرورة أن يكون محرضاً سياسياً.

هو ليس مناضلاً بالتأكيد، ومن يقول غير ذلك يورطه بما ليس فيه، لكن لا أحد ينكر موهبته. امتلك مشروعاً فنياً مختلفاً دعمه ظهوره بين أعمدة موهوبة رفعته ليعوم، ومنهم - مع حفظ ألقاب العظمة والتفخيم- أحمد منيب ومجدي نجيب وعبد الرحيم منصور، وكان يطنطن من حين إلى آخر بكونه المطرب الذي يحرّض على الثورة. لم تكن صاحب الثورة في أغانيك يا "منير" تماماً كما لم يكن محمد صبحي صاحب الأفكار العظيمة في مسرحياته، بل كان لينين الرملي الذي سحقه "صبحي" وأخفاه عن العيون واشتغل على تلميع ذاته كمعارض.

خذل منير الثوريين على الأرض بامتناعه عن مساندة من آمنوا بكلمات أغنياته، وثاروا، فقال لهم: "دوري انتهى كمحرض... وأنا فقط مطرب"، ولا نقول إن أغنياته كانت تتضمن أوامر: "قوم اعمل ثورة"، لا، فالثورة تحريض باطني غير مباشر، تماماً كأغنيته التي يصرخ فيها في وجه بلاده: "إيه يا بلاد يا غريبة"، هذه صيحة ضجر من وطن جامد لا تعرف أن تصنفه معك أم ضدك.

المناضل إيّاه يعرف متى ينسحب حين تنقلب لعبة النضال إلى جدٍّ يُفقده فلوس الإعلانات.

"كان العشم فيك غير كدا"

هكذا غنت المطربة الجزائرية الراحلة وردة ذات يوم، ولعل في هذه الجملة التي تحمل في دمها تركيبة العتاب المصري، ما يمكن أن يوجهه كل من كان في ميدان التحرير عام 2011، أو كان مناصراً بينه وبين نفسه لمحمد منير، لم يكونوا منتظرين من مطربهم في هذه اللحظة التاريخية أغنية حيادية ملفّقة مثل "إزاي ترضيلي حبيبتي؟"، التي طرحها "منير" على عجَل في الأيام الأولى لثورة يناير، ليقول إنه موجود، وربما يكون قد اعتمد على تاريخه في الغناء ليقول للناس "أغنياتي تكفي، فاستمروا لأنني لا يمكنني أن أعلن موقفاً ثورياً عشان أكل العيش".

كان من الأولى لـ"منير" ألا يعيش دور المحرّض منذ البداية، لم يكن هناك أي داع لادّعاء الثورة والاختلاف والنضال والمواقف، كان يمكن أن يظل مطرباً والسلام كعمرو دياب، نموذج الرأسمالية التي تأكل ولا تتكلم عن القيم... أما مطرب "اليسار" منير فقد اختار أن يتاجر بقيم كبرى هو ليس مهموماً بها فعلياً، كما أثبتت التجربة العملية، وربما لا يكون هذا إثماً ارتكبه وحده، بل شاركه فيه جمهور عاجز يلقي باللوم على كل من أشار عليه بالثورة والمقاومة، فلا يستطيع أن يفرز ويمحّص ويتبيّن الخبيث من الطيب، الجمهور أيضاً مسؤول عن هذه الانتكاسة الغنائية، وحطّ المعاني الكبرى في موضع لا يمكن نقله منها إلى الواقع. هي كلمات وضعت لتبقى كلمات، هي ألحان وضعت لتبقى إطاراً للتنطيط أو نشوة الثورة دون فعل الثورة. ليس "منير" وحده المُدان بل "كلنا مذنبون".

هو ليس مناضلاً بالتأكيد، ومن يقول غير ذلك يورطه بما ليس فيه، ولا أحد ينكر موهبته. امتلك مشروعاً فنياً مختلفاً دعمه ظهوره بين أعمدة موهوبة رفعته ليعوم، وكان يطنطن من حين إلى آخر بكونه المطرب الذي يحرّض على الثورة.

كان من الأولى لـ"منير" ألا يعيش دور المحرّض منذ البداية، لم يكن هناك أي داع لادّعاء الثورة والاختلاف والنضال والمواقف، كان يمكن أن يظل مطرباً والسلام... أما مطرب "اليسار" منير فقد اختار أن يتاجر بقيم كبرى هو ليس مهموماً بها فعلياً.

يا ناس يا ناس..

على غرار قواعد التسمية التي يتبعها أهالينا في الريف والصعيد في جمع المنتمين إلى عائلة تحت اسم محدد، فيمكننا تسمية محبي المطرب محمد فؤاد مثلاً بـ"الفؤادية"، أما محبو "منير" فيمكن أن نسميهم "المنايرة"، وهؤلاء "المنايرة" لا يمكنك أبداً مناقشتهم في ملكهم، لأن هذه المنطقة "منطقة أعراض" كما يرونها، فكيف يمكن أن نقول ما يقلل من المطرب الأسطورة الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لكني رغم ذلك أقول لهم: لست في محل سب وقذف محمد منير الذي أقدّره ولا أحبه، بل أرى أننا في حالة خاصة لاكتشاف النفس ومحاسبتها، فالمكبوتون من أمثال جمهورنا لا يمكنهم أبداً أن يقدموا طرحاً موضوعياً، وأي جمهور "مكبوت" لا يعوّل عليه في النقاش والوصول إلى مناطق كشف جديدة، وأرى أن المولعين بـ"منير" أحرص عليه من نفسه، فربما لو قابلتُه وواجهتُه بما أراه في تجربته الغنائية والحياتية، اللتين لا تنفصلان بالطبع، لكان أكثر سلاسة من أتباعه في تفهّمي.

يسمّي المصريون من ينصب عليهم بـ"دا بيغني علينا"، وقد طبقها "منير" حرفياً معهم وقت الثورة، فلم ينزل ميداناً بل نزل بأغنية تبدو كأنها مشاركة، لذا كان لسان حال محبيه يقول: نعم لا يهمني اسمك... نعم لا يهمني عنوانك... يهمني الإنسان الذي لا يلبس لي أقنعة، يهمني الإنسان الذي أصدقه حين يشاركني القهر ولا يكتفي بالحديث عن القهر من باب "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard