قصائده غنّاها عبد الوهاب وأم كلثوم وفريد الأطرش وآخرون... "مادح الملوك" صالح جودت

السبت 12 أكتوبر 201904:12 م

بين عامي 1912 و1976، عاش الشاعر المصري صالح جودت، يؤلف الأشعار في مدح الملك والأمير والرئيس. اقترب من أم كلثوم التي تغنت بالملك فاروق، ومحمد عبد الوهاب الذي فعل الشيء نفسه، ثم راح يتغزل بالرئيس جمال عبد الناصر الذي أطاح بحكم عائلة محمد علي في مصر، بالإضافة إلى امتداحه الملك الأردني فيصل والملك عبد العزيز آل سعود، وغيرهم.

ولدته أمه - التركية الأصل - في مدينة الزقازيق، شمالي القاهرة، وقررت أن تسميه عبد الرحمن، لكن مشادة حصلت بينها وبين الأب كمال جودت، أدت إلى تغيير الاسم إلى صالح تيمناً باسم شقيق الأخير المستشار صالح بك جودت. لاحقاً، انتقلت العائلة ومعها الطفل إلى المنصورة ليحصل على شهادة الثانوية، وينتسب إلى كلية التجارة، وأخيراً ينال الماجستير في مجال العلوم السياسية.

خلال تلك الفترة، أحب صالح الشعر من خلال زملائه الشعراء محمود طه، وإبراهيم ناجي، والهمشري، بالإضافة إلى ولعه ببراءة المازني والمنفلوطي والعقاد، حتى أصدر ديوانه الأول في سن الحادية والعشرين بعنوان "ديوان صالح جودت".

في كتابه عن "الشعر المصري بعد شوقي"، يصف محمد مندور صالح جودت بأنه "شاعر غنائي حسي لعوب"، ويضعه في عداد الشعراء العابثين منذ امرىء القيس وعمر بن أبي ربيعة، كما شبّهه بالشاعر علي محمود طه باعتباره "الأقرب إليه من حيث المزاج النفسي والشعري، والولع بالعبث".

ويسترسل مندور في كلامه عن صالح بالقول إن "الشاعر الغنائي الطروب، لا يلبث أن ينقلب إلى شاعر إنساني، عميق مُشجٍ عندما تُضيّق الخناق عليه تجارب الحياة فيصحو وجدانه إلى ما فيه من آلام وما في تلك الآلام من عمق، على نحو ما نحُسّه من قصيدة فريدة له هي (نحو الآخرة) التي نظمها على إثر مرض عضال ألقى به في مصحة العباسية حيث أحس باليأس عندما أوشك الداء أن يقهره، ومن حوله مرضى من أمثاله يزيدون شعوره ببلواه حدة".

حصل جودت على بكالوريس التجارة عام 1937، ومنذ تخرجه التحق بالعمل في "بنك مصر"، لكن حبه لتأليف الشعر والكتابة الصحافية جعله يترك الوظيفة، ويعمل محرراً فنياً نهاراً وسياسياً مساء في جريدة "الأهرام"، عدا أنه كان يجيد الترجمة ويتقن اللغتين الفرنسية والإنكليزية.

وخلال كتابته للشعر، خاض الكثير من المعارك الأدبية، وخاصة ضد من أطلقوا على أنفسهم اسم "المجددين في الشعر العربي"، وهاجمهم ودخل معهم في سجال أدى إلى اتهامه بالرجعية وسوء الفهم من قبل أنصار الشعر الحُر، فقالوا إنه افتقد حس التطور والإيمان بالتجديد بعدما رآهم بدوره "هدّامين ومتنكرين للشعر والثقافة العربية".

مادح الملوك

تعرف الشاعر على الموسيقار محمد عبد الوهاب عندما كان طالباً في كلية التجارة، وكان يقابله في جلسات الشاعر أحمد شوقي، المتيم به والعاشق لشعره، وكانوا يجتمعون في قصره الذي أطلق عليه اسم "كرمة ابن هانئ".

منذ ذلك الوقت، توطدت علاقة الموسيقار بالشاعر واتفقا على كتابة أغنية تشيد بالملك فاروق الأول، وأطلقا عليها أنشودة "الشباب" ولحنها وغناها عبد الوهاب مرتين عام 1945، في الاحتفال بيوم ميلاد الملك فاروق وفي عيد جلوس الملك على العرش، ومطلعها:

"يا اللي آمال الشباب ترويها إيدك، الليلة عيد الشباب الليلة عيدك، دعيت عيد شبابك قمت لبيته، ميلادك ساحر جمالك قمت حبيتك، من كتر غيرتي عليك في القلب خبيتك، وقلتلك يا فاروق القلب ده بيتك".

ولم تكن تلك الأغنية الوحيدة التي تغزل فيها جودت بالملك فاروق بل مدحه في قصيدة أخرى عام 1945 بعنوان "الفن"، ولحنها وغناها كذلك عبد الوهاب، ومما جاء فيها: "الدنيا ليل والنجوم طالعة تنورها، نجوم تغير النجوم من حسن منظرها، ياللي بدعتوا الفنون وفي إيدكو أسرارها".

ويكمل الشاعر قصيدته حتى يصل إلى عبارة "الفن مين يوصفه إلا هام في سماه، والفن مين أنصفه غير كلمة من مولاه، والفن مين شرفه غير الفاروق ورعاه".

"هلّ السلام فى مواعيدك زاهر وجميل، وبشّر الدنيا بعيدك يا حبيب النيل، وهي أعيادك بميعاد دي كل أيامك أعياد"، كتبها صالح جودت وغنّاها عبد الوهاب في عيد الملك فاروق... هي واحدة من أغنيات كثيرة كتبها "مادح الملوك" لفنانين كبار   
لم يكتفِ الشاعر صالح جودت بمدح الملك فاروق، بل كتب قصيدة تغنى فيها بالملك عبد العزيز آل سعود عند زيارته لمصر عام 1946... فكانت أول أغنية تبثها الإذاعة السعودية بعدما كانت تكتفي بإذاعة القرآن

في فبراير عام 1945، صودف إعلان انتهاء الحرب العالمية الثانية مع عيد ميلاد الملك فاروق، وقد غنى عبد الوهاب "هلّ السلام" من كلمات جودت، وفيها "هلّ السلام في مواعيـدك زاهر وجميل، وبشــّر الدنيا بعيدك يا حبيب النيل، وهي أعيادك بميعاد دي كل أيامك أعياد، انكوت في الحرب أرواح الشعوب، والأماني الحلوة مالت للغروب، وأنت يا جالس علي عرش القلوب، صنت جنة مصر من نار الحروب".

لم يكتفِ جودت بتأليف الشعر في مدح الملك فاروق، بل كتب قصيدة تغنى فيها بالملك عبد العزيز آل سعود عام 1946، وعنوانها "يا رفيع التاج"، غناها ولحنها عبد الوهاب أثناء زيارة الملك لمصر، وهي أول أغنية بثتها الإذاعة السعودية بعدما كانت برامجها تقتصر على إذاعة سور من القرآن، ومن كلماتها "يا رفيع التاج من آل سعود، يومنا أجمل أيام الوجود، موكب الخير من البيت العتيد، جاء يختال على النيل السعيد، فصحت مصر مع الفجر الجميل".


أم كلثوم والشاعر وبينهما عبد الناصر

عرفت أم كلثوم بجودت عندما كانت تستمع إلى برنامج إذاعي يوضح موقف الإسلام من العنصرية، بعدها تكلمت مع الشاعر وطالبته بتأليف قصيدة حملت اسم "الواحد الرحمن"، لتبدأ الرحلة بينهما وتتوالى الأعمال الفنية.

على إثر نكسة عام 1967، قرر عبد الناصر التنحي عن الحكم، لتخرج أم كلثوم بأغنيتها "قم واسمعها من أعماقي، فأن الشعب، ابق، فأنت السد الواقي، لمُنى الشعب... ابق فأنت الأمل الباقي لغد الشعب... أنت الخير وأنت النور... أنت الصبر على المقدور... أنت الناصر والمنصور... ابق فأنت حبيب الشعب"، من كلمات جودت، وتلحين رياض السنباطي.

مع فريد الأطرش والملك الحسين

منذ وصول فريد الأطرش إلى مصر، اقترب جودت منه وبدأ يكتب له الشعر، حتى طلب منه فريد كتابة قصيدة لغنائها في حفل زواج الملك حسين على الأميرة دينا بنت عبد الحميد في نيسان/ أبريل عام 1955.

وشهد قصر "بسمان" في العاصمة الأردنية حضور شاه إيران والعائلة الملكية في الدولة،  وقد استمعوا للأطرش ينشد أغنية جودت، ومطلعها: "يا أغلى من أمانينا / وأحلى من أغانينا / يا زينة الدنيا يا دينا / يا وردة في بلد حرة / وتاج عالي وشعب أصيل / دعانا هاتف البشرى، وجينا من ضفاف النيل/ باسم الشعب والثورة، نقدم ليك تهانينا/ يا أحلى من أغانينا/ يا زينة الدنيا يا دينا".

وفي شهر تشرين الأول/ أكتوبر عام 1956، اتخذ الملك حسين قراراً بإنهاء خدمات كل الضباط والمدنيين البريطانيين الموجودين في الأردن، في قرار وُصف بالجريء، فكتب جودت قصيدة خاصة مدح فيها الملك وغنّاها فريد الأطرش، جاء فيها "يا غالي وهمتك غالية غلاوة القدس والحرمين، يا عالي وأمتك عالية علو الشمس والهرمين، فرحنا لما أبو عالية رفعت جبينا وجبينك، يا ما أحلى التاج على جبينك يصونه المولى ويصونك، كتبت لجيشك النصرة وصنته من غريب وخيل، وجانا هاتف البشري سعينا من ضفاف النيل".

"امنعوا نزار قباني"

خاض جودت الكثير من المعارك الأدبية ومن أشهرها هجومه العنيف على الشاعر نزار قباني عندما نشر الأخير قصيدته" متى يعلنون وفاة العرب"، وكتب مقالاً بعنوان "امنعوا أغاني نزار قباني" جاء فيه "لقد انتهى نزار كشاعر وانتهي كعربي وانتهي كإنسان"، مطالباً بوضع الأخير على القائمة السوداء لأنه "يحطم معنويات قومه بمثل هذه القصيدة".

وكتب جودت 64 أغنية لكبار المطربين منهم شادية، وسعاد محمد، وكارم محمود، ومحمد فوزي، وصباح، وعبد الحليم حافظ، وليلى مراد، ونور الهدى، وفايزة أحمد، ووردة الجزائرية، ونجاة الصغيرة، وكارم محمود، كما غنت له ماجدة الرومي قصيدة "حسناء قرطاج".

وكان جودت يردد دائماً عبارة أنه يعمل في الصحافة حتى ينفق على الشعر، وقد وصل إلى منصب نائب رئيس مجلس إدارة "دار الهلال" ورئيس تحرير "مجلة الهلال"، ولم يترك مناسبة إلا وشارك فيها، تاركاً وراءه ستة دواوين.

تم تكريم جودت بمجموعة من الجوائز والأوسمة، هي "وسام النهضة الأردني" عام 1951، و"وسام العرش المغربي" عام 1958، و"وسام العلوم والفنون" من الطبقة الأولى عام 1959، و"جائزة أحسن قصيدة غنائية في السد العالي" عام 1965، و"جائزة الدولة التشجيعية في الآداب" من المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية عام 1958.

آخر دواوينه كان "الله والنيل والحب" عام 1975، بالإضافة إلى ست دراسات أدبية وروايتين وسبع مجموعات قصصية، وكتابين عن أدب الرحلات، تركها وراءه حين رحل في 22 حزيران/ يونيو عام 1976 عن عمر ناهز الـ63 عاماً، بعد صراع طويل مع المرض.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard