مصر... غضب شعبي واهتزاز النظام

الأربعاء 9 أكتوبر 201901:54 م
Read in English

المصريون ثائرون والنظام مهتز، فقد نجح مقاول يعمل أحياناً ممثلاً يدعى محمد علي في تحريك المياه الراكدة للمرة الأولى في حقبة الرئيس السيسي الممتلئة بالخوف. بالنسبه إلى رجل مولع بأن يملي على المصريين أوامر على شاكلة: "اسمعوا لي أنا وحدي"، فإن فكرة وجود رجل آخر تنصت له آذان المصريين تعد أمراً مزعجاً لأناه المتضخمة، وبمثابة جرس إنذار وجودي.

لم يسلط محمد علي الضوء فقط على تيار متدفق من الادعاءت التي تتهم السيسي وكوادره العسكرية بالفساد، بل أكد أيضاً هذه المزاعم بأسماء وتواريخ وأرقام فاضحة توضح الطبيعة المنهجية للفساد المذكور. ربما يظن البعض أنه ليس لمقاطع الفيديو التي نشرها محمد علي تأثير يذكر، حتى ولو كانت سلسلة من الحلقات المصورة الذائعة الصيت، والتي يشاهدها الملايين. لكن هذا الاعتقاد مخطىء في واقع الأمر، إذ ضرب محمد علي على وتر حساس لدى المصريين، وبينما أكتب هذا المقال الآن، بعد مضي أسبوعين متتاليين على الاحتجاجات النادرة ضد النظام المستبد، يطمح محمد إلى اتخاذ "خطوات أكثر أهمية" بشأن تلك الاحتجاجات. ربما تكون انتفاضة أيلول/ سبتمبر على وشك الانتهاء، ولكن فهمها يؤذن بقدرة على التنبؤ بشكل أفضل بالمناخ الفكري المميز لهذه الحقبة من تاريخ مصر، على المديين القصير والمتوسط.

من المعروف أن المسببات قصيرة المدى للثورات يصعب التنبؤ بها. ففي عام 2011، أُشعلت فتيل الثورة جريمة قتل الشاب خالد سعيد على يد قوات الأمن التي اتهمته بتناول كيس ملآن بالمخدرات للتستر على جريمة تعذيبه وقتله السافرة على يد اثنين من رجال الشرطة بعد وقت قصير من اعتقاله. هذه المرة، ومع تعدد المظالم التي تراكمت منذ انقلاب 3 تموز/ يوليو 2013 والذي أطاح الرئيس الأسبق محمد مرسي، تحول محمد علي إلى مطلق شرارة البدء. فمن مقطع الفيديو الأول له، اهتمت شريحة كبيرة من المجتمع المصري برواياته السوقية، العفوية السرد، والأشبه بحكايات شهرزاد، عن رئيس فاسد مولع ببناء القصور التي تكلفه مئات الملايين من الجنيهات المصرية. حصد آخر مقطع فيديو نشره محمد علي نحو مليونَي مشاهدة. وفي مقاطع فيديو تظهر ممثلاً فطرياً يحظى بعلاقة تكافلية مع الكاميرا، يغضب حيناً ويتهكم بشكل لا يخلو من الكوميديا حيناً آخر، صار محمد علي حديث الجميع.

بعدها أصبح نقطة جذب سياسية مهمة.

هنا تزداد سيرتنا الملحمية غموضاً. صحيح أن المقاول انتقد الشخصيات العسكرية التي احتجزت الملايين بعد أن اكتشفت موقفه المعادي للسيسي (21:49) في مقطع فيديو طويل أو اثنين، إلا أن الأمر كان ليمر مرور الكرام. لكن محمد علي ليس رجلاً عادياً، والأمر لا يتعلق بما أقدم عليه ولكن بأسلوبه نفسه. من ثم تحول الحديث الذي بدأ بالكشف عن أسماء وتواريخ وأرقام مهمة إلى محاولة راديكالية لإحداث نقلة نوعية في منهج البلاد الفكري. ببساطة، قال محمد علي "إن النظام (لا مؤسسات الدولة) مخطىء ويجب تدمير بنيته... لنعيد تشكيل بنيتنا وسيحترمنا العالم بأسره" (25:00).

سنرى ما إذا كان محمد علي يعمل بمفرده أم أنه، كما أظن، يحظى بدعم من داخل أعلى الرتب في الوسط المصري. وإذا كان الأمر كذلك، فهل تملك تلك الرتب أوراقاً رابحة كما يظن البعض، سواء مقاطع فيديو أو تسجيلات صوتية أو ملفات تثبت خيانة السيسي وعصابته؟
كيف يمكن لمحمد علي، وهو يتمتع بتعليم محدود ولكن لديه الكثير من الخبرة في الحياة ومجال الأعمال، أن يكون قادراً على وضع نظام حكم جيد الإعداد يعترف بتوق الناس إلى تقرير المصير بعد عقود من الحكم الديكتاتوري؟

وأكد تطور الأحداث فكرة أن محمد علي مدعوم من معسكر داخل الدولة العميقة، وناقضها في الوقت نفسه، وزعم الكثيرون أن هذا المعسكر هو جهاز المخابرات العامة. يقول علي: "سألني الكثيرون ماذا سنفعل بعد رحيل السيسي؟". بتنحية هذا السيناريو المفتقر إلى الواقعية جانباً في ظل الظروف الحالية، فإن السؤال والإجابة عنه كشفا الكثير من المعتقدات الإيديولوجية الذي يتبناها محمد علي. فالرجل الذي يقول إنه تلقى تعليماً دون المستوى في المدارس الحكومية، بدأ يقترح شكلاً من أشكال الحكم على أسس المساواة يحاكي الأفكار المطروحة في الجدلية الماركسية. إذ يقول: "بدلاً من ‘تأليه’ قادتنا، ينبغي لنا معاملتهم على أنهم مجرد موظفين. كما أن الكلمة الأخيرة يجب أن تكون للشعب".

بعيداً عن الشعارات غير المقصودة، فإن ما قاله بعد ذلك يعكس واحداً من أكثر الهتافات شعبيةً في الثورة: "الشعب يريد إسقاط النظام".

يقول علي: "السيادة للشعب (الأغلبية) ولكن لا يمكن أن يحكم 100 مليون مواطن، فكيف نتصرف؟ نختار 50 شخصاً، وتختار كل محافظة 50 شخصاً. لماذا 50؟ لأننا نريد الشفافية". قل هذه الكلمات بصوت عالٍ، استوعبها جيداً، ما يقترحه محمد علي هنا هو الديمقراطية اللامركزية والشفافة. في خلال ثلاثة أسابيع، تحول من الحديث عن "سرقة أموالي" إلى الحديث عن أن السيسي يعيش كالملك، ثم إلى الحديث عن أن المشكلة ليست في السيسي فحسب، ولكن في النظام بأكمله. والآن، بعد يومين من اندلاع الاحتجاجات، توصل محمد علي إلى حل سياسي قائم على نموذج تقدمي.

أحد الأسباب الرئيسية لفشل ثورة 2011 هو عدم القدرة على إدراك الفرق بين تغيير الشخصية الحاكمة وتغيير نظام الحكم. كيف يمكن لعلي، وهو يتمتع بتعليم محدود ولكن لديه الكثير من الخبرة في الحياة ومجال الأعمال، أن يكون قادراً على وضع نظام حكم جيد الإعداد يعترف بتوق الناس إلى تقرير المصير بعد عقود من الحكم الديكتاتوري؟ افترض البعض أن محمد علي ليس مدعوماً من المخابرات العامة فقط، وأن الفيديو المذكور يبرز إمكانية أن يكون عميلاً استخباراتياً. ومع ذلك، كيف يمكن أن يقدم فرع من الدولة العميقة يتألف من ضباط الجيش السابقين نموذجاً أولياً يعتمد على الهدم المنهجي لسيطرتهم الراسخة؟ تلك صورة مشوهة على أقل تقدير، ومع ذلك أصبح كلامه أكثر إثارة للانتباه إذ تابع: "هؤلاء الـ50، سواء كانوا ليبراليين أو إخوان مسلمين أو علمانيين أو غير ذلك، هذه ليست قضيتنا... لكن رجال الدين دورهم تبشيري وليس العبث السياسي". في ضربة واحدة: الفصل بين الدين والدولة والتعددية. هل تلاحظ تطور النمط؟

لكن برغم نجاح محمد علي الكبير ككاشف للفساد، لأنه أتى من النخبة واعترف بفساده الشخصي، فإنه ليس منظماً. تعد مصر لغزاً شديد التعقيد إذ تتبدل متغيراتها من أسبوع إلى أسبوع بشكل أقرب إلى الغموض منه إلى الشفافية. تلك هي الفروق الدقيقة التي غفل عنها محمد علي. فعندما قوبل بنجاح تاريخي إذ خرج الآلاف في مختلف المدن الكبرى في 20 أيلول/ سبتمبر في احتجاج غير مسبوق ضد عبد الفتاح السيسي، زادت حماسة محمد ودعا إلى مزيد من التظاهرات يوم الجمعة التالي.

هذه المرة غاب عنصر المفاجأة، فاستعدت جيداً أجهزة دولة السيسي الخفية، وعندما عاد المستبد من الجمعية العامة للأمم المتحدة في صباح يوم السابع والعشرين كانت القاهرة مغلقة تماماً. أعلن عنوان صحيفة نيويورك تايمز الرئيسي: اندلاع الاحتجاجات المتفرقة للأسبوع الثاني على التوالي، لكن حتى غير المسيس منا أدرك ما هو واضح: انتصر الخوف بدعم من عصي رجال الأمن. لم يكلّ محمد علي برغم ذلك. مدفوعاً بالأمل والسذاجة دعا إلى مزيد من التظاهرات يوم الثلاثاء الماضي، خلال مهلة 24 ساعة، لإعادة عنصر المفاجأة في التظاهرات الأولى.

لم تلبَّ دعوته

لم تنتج عن يوم الثلاثاء أي تظاهرات. لا ينبغي لأحد أن يفاجأ. إذ قُبض على أكثر من 2000 مصري بالفعل. وظهر فيديو مروّع لهيثم وجيه طويلة، وهو محامٍ يدافع عن سكان ميناء بورسعيد الساحلي، يقف فيه في مواجهة عنيفة في الساعة الثالثة صباحاً، محمياً بباب حديدي فاصل، وأمامه 5 رجال مجهولي الهوية من مكتب التحقيقات المحلي يريدون اعتقاله. كان للفيديو الذي ذاع صيته تأثير مروع، إذ كشف مخاوف الكثيرين الحقيقية: "زوار الفجر". نجا طويلة من الاعتقال في تلك الليلة، لكن قوات الأمن اختطفته بعد 3 أيام. أولئك الذين ظنوا خطأً أن جدار الخوف قد سقط على غرار ثورة 2011، كانوا مخطئين. سيستغرق الأمر بعض الوقت هذه المرة. إذ لن يسمح رجال كثيرون في الدولة العميقة للسيسي بالغرق، خصوصاً أن كلاً منهم مهدد بخسارة امتيازات كثيرة إذا ما حدث ذلك.

ما هي الخطوة التالية الآن؟

لم يدّعِ محمد علي أنه قيادي ثوري، وحرص دوماً في محادثاته ومقاطع الفيديو الخاصة به على Twitter على قول: تحدثوا معي، أستمع لكم وأقرأ تعليقاتكم. عدا كونه الشرارة التي تحرك النقاش فضلاً عن تفتيت جدار الخوف، فإن أهم دور له هو الكشف عن عمق الاستياء الذي خلقته نخبة تشبه كثيراً الملكة ماري انطوانيت. الأكيد أن كيفية ترجمة تلك الديناميكيات إلى موجة تغيير، على قدر بساطته نظرياً، تستلزم تخطيطاً يتطلب درجة الدكتوراه في الحسابات السياسية.

منذ أحد عشر عاماً، في السادس من نيسان/ أبريل، تصدرت جملة "الاحتجاج الغاضب يذهل مصر" عناوين الصحف، واستغرق الأمر قرابة ثلاث سنوات قبل أن تصل تلك المنظمة الموجودة في دوائر العمال في منطقة المحلة، إلى الجماهير. في السنوات الفاصلة عمل النشطاء بأسلوب موحد تحت سقف توقعات واقعي إذ لم يتوقع أحد على الإطلاق عند النزول إلى الشوارع في ذلك اليوم الشتوي البارد في 25 يناير، أن نداءهم للشعب للانضمام إلى التظاهرات سوف يلبى. ولكن برغم ملازمة العشوائية للمراحل الأولية لأي ثورة، لا بد من وضع الأساسات التنظيمية منذ اللحظة الأولى. أصبح الأمر ضرورة وليس رفاهية، فالرفاهيات لم تعد متاحة في تلك اللحظة.

يبقى أن نرى إذا كان الشعب سيفاجئ المثقفين والمحللين ووكالات الاستخبارات على السواء. وسنرى ما إذا كان السيد علي يعمل بمفرده أم أنه، كما أظن، يحظى بدعم من داخل أعلى الرتب في الوسط المصري. وإذا كان الأمر كذلك، فهل تملك تلك الرتب أوراقاً رابحة كما يظن البعض، سواء مقاطع فيديو أو تسجيلات صوتية أو ملفات تثبت خيانة السيسي وعصابته؟

الحقيقة الوحيدة الثابته هي أن الفتيل أشتعل بالفعل، والزمن وحده كفيل بإخبارنا بمدى طوله.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard