هل حرّم الإسلامُ الخمرَ حقّاً؟... رحلة كاتب يمني لتحرير المنغلقين ذهنياً

الخميس 10 أكتوبر 201905:19 م

يأتي هذا المقال ضمن الملفّ المُعدّ لشهر أكتوبر 2019, في قسم "رود تريب" بـ"رصيف22" والمعنوَن "بصحتك يا ساقي... بارات عربية لا بدّ من زيارتها".


"ألم تجد موضوعًا غير الخمر والنبيذ تبحث عنه؟ هل أردت أن تُحلّل الخمر؟ ما الذي تُريد أن تصل إليه من خلال الكتابة عن الخمر والنبيذ؟" ثلاثة أسئلة جوهرية في مضمونها، لكنها تختلف بحسب نوايا سائليها؛ منهم من أراد بها خيرًا مُعتبرًا الموضوع ليس بجديد، وكثير منهم يضمر بداخلها شرًّا مستطيرًا وتكفيرًا علنيًا، أما قليلهم فطرحها من باب إيثار السلامة، عملًا بمبدأ: لا تسألوا عن أشياء إن تُبدَ لكم تسؤْكم!

تلك الأسئلة عمرها أكثر من عشرين عامًا، حين أُلقيت في حجر الكاتب اليمني "علي المُقري"، عقب نشره أربع حلقات أسبوعية في المُلحق الثقافي لجريدة "الجمهورية" بتعِز، تناول خلالها موضوعًا شائكًا، هو "الخمر والنبيذ في الإسلام".

وقتها، قامت الدنيا على الكاتب، ومنشئ الصحيفة سمير اليوسفي، وطالتهما اتهامات بالكُّفر، لم يخفُت صداها، بل زاد دويّه بعد عشرة أعوام كاملة، عندما قرّر المقري طرح الموضوع ذاته في كتاب أصدرته دار "رياض الريس للكتب والنشر"، وعندئذ انتقل اتّهامه بالزندقة من أوراق الصحف، إلى منابر المساجد، على لسان وزير الأوقاف اليمني الأسبق ناصر الشيباني.

لا أريد تحليل الخمر، لكن تحرير العقول!

حدّد الكاتب اليمني إجابته عن السؤال الخاص بسعيِهِ لتحليل الخمر، ضمن مقدمة كتابه الواقعة في تسع صفحات، قائلًا: "لم أهدِف إلى الخروج باستنتاج يُبرهن على تحليل الخمر والنبيذ أو تحريمها من جانب المرجعية النصية الإسلامية في مستوياتها المتعددة، بل أردتُ من خلال إيراد بعض المُغيّب عنوة من النصوص المرجعية الإسلامية، أن أُبرهِن على وجود تعدّدٍ في وجهات هذه النصوص، وتعدّد آخر في تفسيرها وتأويلها وشرحها يصل أحيانًا إلى حد التناقض الذي يُتيح إمكانية القول إن الشيء ذاته حلال بمعيار من وجهة ما، وحرام بمعيار من وجهة أخرى".

اتخذ "المقري" من اختلاف الفقهاء في أشهر المسائل الجدَلية مدخلًا له في أحقيته في طرح موضوع الخمر والنبيذ بصورة أكثر حداثة؛ فاستهلّ حديثه بمسألة الخلاف على الناسخ والمنسوخ من القرآن، مستعرضًا أدلّة من يؤكدون وجوبه، ومن يجزمون برفضه حدوثه، ثمّ أتبعه بخلاف المفسرين في تناولهم للآيات القرآنية، فبعضهم يأخذ بالمعنى الظاهري، وآخرون يعملون بالتأويل وأسباب النزول، وعلى نفس المنوال، ذكر أشهر الاختلافات بين علماء السلف.

عندما قرّر المقري طرح موضوع الخمر في الإسلام في كتاب ، انتقل اتّهامه بالزندقة من أوراق الصحف، إلى منابر المساجد، على لسان وزير الأوقاف اليمني الأسبق ناصر الشيباني

وبعد أن سرد المُقري حُجته عاملًا بالقياس على اختلافات الأولين، عاد إلى حيث ما بدأ به، فقال: "هذا ما هدفت إليه... أن أحفز الكثيرين إلى العودة لقراءة التراث الإسلامي بتعدّده، ومن ثمّ الخروج من الذهنية المنغلقة على قشور ثقافة الماضي الأحادية، إلى ذهنية ابتكارية تعددية لا تقبل أي حدود فكرية".

قبل الإسلام... الكلّ سواسية أمام الخمر

بين ما يزيد على عشر صفحات، خصّص المقري الفصلَ الأوّل من كتابه في تعريف الخمر والنبيذ على المستويين اللغوي والاصطلاحي، مستشهدًا بأغلب القواميس الشهيرة، والتعريفات الخاصة التي وضعها عدد من العلماء، أبرزهم أبي حنيفة الذي يعتبره الكاتب اليمني واحدًا من المناهضين لمن أسماهم "المنغلقين ذهنيًا".

ثمّ قسّم الفصل الثاني، "الخمر قبل الإسلام", إلى أربعة عناوين فرعية هامة: الخمر في العهد القديم، والخمر عند الأنباط وفي بلاد ما بين النهرين ومصر، والخمر عن المسيحيين، والخمر في شبه الجزيرة العربية.

وتحت مظلة تلك العناوين الأربعة، أسهب الكاتب اليمني في ذكر أهمية الخمر في هذه الأزمنة، فـ"الخمر في العهد القديم": "ارتبطت بشجرة الكرمة، الذي روي أن آدم أول من غرسها"، واستشهد بالقصة المروية في سِفر التكوين، مفادّها أن لوطًا أسكرتاه ابنتاه ليضاجعهما، فولدت البكر ابنًا أسمته "مُؤاب"، وهو أبو المؤابين، وأنجبت الصغرى "عَميّ"، الذي من نسله بني عمون، وبحسبِ المقري: "شجرة الحياة والموت في التوراة كانت كرمة، لأن الخمر هو التبير النباتي للخلود، ولأن الخمر في الديانات القديمة هو رمز الشباب والحياة الدائمة. أما الأهمّ فهو أن الخمر بقي لمدة طويلة يرمز إلى الحكمة".

لم يُحدد النبي محمد في بداية الإسلام موقفه من شرب الخمر. ففي الطور المكي الذي دام ثلاث عشر سنة كان المسلمون يشربون كالمشركين، واستمرّوا في ذلك بعد الهجرة سنوات تمتدّ بين الثلاث والثماني، تبعًا لاختلاف الروايات

أما عند المسيحيين، فاستدلّ المؤلف بأن أولى معجزات المسيح هي تحويل الماء خمرًا؛ "فقد كان في عرس في قانا الجليل، ففرغت الخمر، فأخبرته أمّه بذلك، فطلب منهم المسيح أن يملأوا الأجران ماءً، فملأوها وقدّموها وإذ هي خمر".

وفي شبه الجزيرة العربية قبل انتشار الإسلام، كانت الحانات في كلّ مكان، وهو ما قد ذكره الباحث العراقي جواد علي، ويؤيّده علي المقري، ولعل أبرز دليل على ذلك، ما نظمه حسان بن ثابت ــ لُقّب لاحقًا بشاعر الرسول ــ من شِعرٍ في حانة "هند بنت النعمان بن المنذر"، قائلًا: "يا دير هند لقد أصبحت لي أُنسا/ ولم تكن قطّ لي يا دير مئناسا/ سقيًا لظلّك ظّلًا كنتُ آلفه/ فيه أعاشر قسّيسا وشماسا".

القرآن لم يحرّم الخمر صراحة والرسول لم يسن عقوبة

"لم يُحدّد النبي محمد في بداية الإسلام موقفه من شرب الخمر. ففي الطور المكي الذي دام ثلاث عشر سنة كان المسلمون يشربون كالمشركين، واستمرّوا في ذلك بعد الهجرة سنوات تمتدّ بين الثلاث والثماني، تبعًا لاختلاف الروايات"؛ بتلك المعلومة استهلّ المؤلف ثالث فصول كتابه، الذي حمل عنوان الكتاب، كتأسيسٍ لطرحِه بأن التحريم الفعلي للخمر لم يأتِ بشكل صريح في القرآن.

ويؤكدالمقري أطروحاته بصورة ذكية انتهجها، وهي الاستدلال المباشر بأسباب نزول الآيات، مثل ذكره سبب نزول آية "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ"، ومفاده أن "جماعة من الصحابة شربوا عن عبد الرحمن بن عوف حتى أدركتهم الصلاة، فأَمّهم أحد الصحابة، فقرأ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) إلى آخر السورة بحذف (لا)، فنهاهم القرآن عن الصّلاة في حال السُكر".

وكرّر المؤلف الفعل ذاته مع آية "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"، حين اعتبر أن قوله تعالى: "لعلكم تُفلحون"، تُفيد التحبيذ على الامتناع عن شرب الخمر، وروعيت فيه الاعتبارات الشخصية للفرد، مُشيرًا إلى أن "المحرمات في القرآن تكون جازمة إذا اقترنت بإحدى الحالتين: أن ينطبق بلفظ التحريم صراحة، كما في تحريم الدم والخنزير والميتة وزواج المحارم، أو أن يتضمن الفعل المُحرم عقوبة على مرتكبه، كما في عقوبة الزاني والسارق والقاتل".

أما من ناحية السنّة، فيؤكد المؤلف أنه: "وإذا كان القرآن لم يتضمن عقوبة على شرب الخمر، فإن مصادر الحديث والسنة لم تورد وقائع موثقة يُستفاد منها تشريع عقوبةٍ لِشارب الخمر في زمان النبي".

النبيذ... شربه النبي وأعدته عائشة بالزبيب والتمر

يشير علي المقري إلى أن النبيذ "لم يشهد جدلًا واسعًا كمسألة الخمر، ويرجع ذلك إلى وجود نصوص تشير إلى شُرب النبي محمد للنبيذ، وكذا شربه في أوساط الفقهاء أنفسهم، وأصحاب النبي والخلفاء العامة"، مٌستدلًا على ذلك بما رُوي في السنن بأن النبي "كان يُنبذ له في سقاء، فإذا لم يجدوا سقاءً، نُبذ له في تور من حجارة، وهو إناء صغير يشرب فيه ويتوضأ منه".

وتروي عائشة: "كنت آخذ قبضة من تمر وقبضة من زبيب، فألقيه في إناء فأمرسه ثمّ أسقيه للنبي"، وهي الرواية التي يعتبرها المؤلف مخالفة لمن يقول بأن النبي نهى أن يُنتبذ الزبيب والتمر مجتمعين.

ولعلّ الواقعة التي رواها ابنُ مسعود أكثر دلالة على شرب النبي للنبيذ، كونها وقعت في وقت متأخر من الدعوة، حيث يقول: "شرب النبي في آخر حجّة له إلى مكة، فقطب بين عينيه، ودعا بدلو من ماء زمزم، فصبّ عليه، وقال: "إذا كان هكذا، فاكسروه بالماء".

عن الكاتب علي المقري

علي المقري، أديب وشاعر يمني، من مواليد 30 أغسطس عام 1966، بقرية حُمرة في محافظة تعز .

كتب الأدب وهو في الثامنة عشرة من عمره، حتى عمل محررًا ثقافيًا لعدد من الطبوعات اليمنية، عقب إعادة اتحاد اليمن السعيد عام 1990، بدأها بمجلة "الحكمة" الأدبية، الصادرة عن جمعية الكتاب اليمنيين عام 1997، ثمّ ترأّس مجلة "غيمان".

صدر له من الشعر عدة دواوين، أبرزها: "نافذة الجسد، وترميمات، ويحدث في النسيان"، بين عامي 1987 و2003، وفي الأدب، روايات: "طعم أسود"، و"اليهودي الحالي"، و"حُرمة"، و"بخور عدنيّ" في الفترة من 2008 حتى 2014.

رُشحت روايته "طعم أسود" ضمن جائزة البوكر للرواية العربية عام 2008، كما منحته لجنة تحكيم جائزة الرواية العربية الصادرة عن معهد العالم العربي ـ باريس، ومؤسسة جان لوك لاغاردير جائزة التنويه الخاص عن رواية "حرمة" بعد ترجمتها إلى الفرنسية.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الكتاب: الخمر والنبيذ في الإسلام.

المؤلف: علي المقري.

الناشر: دار رياض الريس للكتب والنشر.

الصفحات: 142 صفحة.

القطع: متوسط.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard