غازلني أو اغرب عن وجهي... ماذا تقول المرأة من خلال شَعْرها؟

الثلاثاء 8 أكتوبر 201906:44 م

قال نزار قباني في بلقيس:

تذبحُني التفاصيلُ الصغيرةُ في علاقتِنَا

وتجلُدني الدقائقُ والثواني

لكُلِّ عِقْدٍ من عُقُودِكِ قِصَّتانِ

حتى ملاقطُ شَعْرِكِ الذَّهَبِيِّ

تغمُرُني، كعادتِها بأمطار الحنانِ.

لطالما ارتبط الشَعْر بعالم الجمال والإغراء والإثارة، حيث ساد الاعتقاد بأنه كلما زاد طول شَعْر المرأة كلما زادت أنوثتها وجمالها، وزاد انجذاب الرجل وإعجابه بها، إذ اعتبر البعض أن المرأة قادرة على إغواء الرجل بمجرد أن تسدل شعرها الطويل وتحركه بأصابعها.

هذه الصورة النمطية عززتها بشكلٍ خاص القصص الخيالية والرومانسية، بحيث نلاحظ أن الأميرة أو البطلة الرئيسية تكون دوماً الشابة الجميلة التي تتمتع بالشعر الطويل واللامع، وعلى أرض الواقع، تصر الكثير من الشابات، بخاصة في مرحلة المراهقة، على تطويل شعرهن لاعتقادهن بأن الشعر الطويل يزيدهن أنوثة وجاذبية في عيون الجنس الآخر.

وعلى الرغم من أن موضة الشعر تتغيّر من موسم لآخر، إلا أن العلاقة بين النساء والشعر الطويل هي علاقة قديمة تعود إلى الإغريق والرومان، فقد اعتنت النساء الرومانيات بشعرهن الطويل على اعتبار أنه يجسد أنوثتهن وجمالهن، كما ربطت الكثير من الثقافات بين الشعر الطويل ومعدل الخصوبة لدى المرأة وصحتها، في المقابل فضّلت بعض الآراء الأخرى الشعر القصير، معتبرة أنه يبرز شخصية المرأة العصرية ويحررها من القيود الاجتماعية التي تكبّلها.

من القوة الروحانية التي يحملها الشعر الطويل، وصولاً إلى كسر الصور النمطية والتمرّد أحياناً على العقلية الذكورية وغيرها من الموروثات عن طريق قص الشعر، كيف تعبّر تسريحة الشعر عن مواقف النساء والمعارك التي يخضنها سواء كان ذلك مع أنفسهن أو مع المجتمع واملاءاته؟

القوة الروحانية للشعر الطويل

"قد تكون موضة الشعر لدينا مجرد اتجاه، ولكن إذا بحثنا في الأمر فقد نجد أننا حرمنا أنفسنا من أحد أكثر مصادر الطاقة قيمةً من أجل حيوية الإنسان"، (يوغي بهاجان).

اعتبرت بعض الثقافات القديمة أن الشعر الطويل هو علامة على الحرية والنضج الروحي والقوة، لكون الشعر يحدد صلة المرء بالروح وبالأرض.

في هذا الصدد، اعتبر العالم الروحاني يوغي بهاجان أن الشعر هدية رائعة من الطبيعة، يمكن أن تساعد في رفع طاقة الكونداليني "قوة الحياة الإبداعية"، ما يزيد من النشاط والحدس والهدوء.

لطالما ارتبط الشَعْر بعالم الجمال والإغراء والإثارة، حيث ساد الاعتقاد بأنه كلما زاد طول شَعْر المرأة كلما زادت أنوثتها وجمالها، وزاد انجذاب الرجل وإعجابه بها

وكان علم الشَعْر من أوائل التقنيات التي روّج لها يوغي بهاجان عندما قدم إلى أميركا، مشدداً على أنه عندما يُسمح لشعر الرأس بالوصول إلى طوله الكامل، فإنه يتم إنتاج كل من الفوسفور والكالسيوم والفيتامين "د" والتي تدخل جميعها السائل اللمفاوي والسائل الشوكي، الأمر الذي يقوّي الذاكرة ويؤدي إلى طاقة جسدية أكبر وإلى قدرة أفضل على التحمل والصبر.

من هنا شرح يوغي أن عملية قص الشعر لن تساهم في فقدان هذه الطاقة فحسب، إنما سيحتاج الجسم إلى توفير قدر كبير من الطاقة الحيوية والمواد المغذية من أجل إعادة نمو الشعر المفقود باستمرار، هذا وأشار إلى أن الشعر هو بمثابة "أنتينا هوائي" يقوم بتجميع وتوجيه طاقة الشمس إلى الفصوص الأمامية، وهي الأجزاء من الدماغ التي تستخدم للتأمل والتخيّل.

والواقع أنه في الكثير من الثقافات القديمة، لم يكن الأفراد يقصّون شعرهم على اعتبار أنه جزء أساسي مما كانوا عليه، وبالتالي لم تكن صالونات الحلاقة منتشرة في تلك الفترة، أما في حال الغزو والاستعباد، فكان يتم قص الشعر كدليل على الاعتراف بالعبودية، وبالتالي كان القص في هذه الحالات بمثابة عقاب ويهدف إلى تخفيف "الحاسة السادسة" لدى الأعداء.

وفي السياق نفسه، كان يعتقد بأن قص الشعر يقلل من قوة المستعبَدين، على اعتبار أن عظام الجبهة تعمل على نقل الضوء إلى الغدة الصنوبرية التي تؤثر على نشاط الدماغ، وكذلك على الهرمونات الجنسية والغدة الدرقية، وبالتالي فإن قص الشعر الذي يغطي الجبهة قد يعوق هذه العملية.

واللافت أنه عندما غزا جنكيز خان الصين، لاحظ أن الشعب الصيني حكيم للغاية ولا يسمح بأن يتم إخضاعه بسهولة، لذا طلب من جميع النساء في البلاد قص شعرهن، لأنه كان يعلم أن هذا من شأنه أن يصيبهن بالخجل ويسهّل عملية التحكم والسيطرة عليهن.

وبعدما انتشرت عمليات غزو القبائل والمجتمعات، أصبح قص الشعر سائداً لدرجة ضياع أهمية الحفاظ على الشعر الطويل مع مرور الأجيال، وباتت قصات الشعر ركيزة أساسية في عالم الموضة والجمال.

رمز المكانة الاجتماعية

سواء كان طويلاً أم قصيراً، أشقر أم أحمر أم أسود... يسمح الشعر للأفراد بإرسال رسائل عن الصحة والجنس والدين والقوة، كما وأنه يمكن أن يكون تعبيراً عن هوية الفرد والجماعة، هذا ويعتبر البعض أنه كلما زاد اهتمام الشخص بشعره كلما نجحت خصلات الشعر في إيصال فكرة واضحة عن صاحبها.

تكشف كريستي (28 عاماً) أنها تخصص حوالي ساعة في اليوم للاعتناء بشعرها الطويل: "أضع الكريمات والماسكات والزيوت باستمرار حتى يحافظ شعري على حيويته ولمعانه"، وتضيف لرصيف22: "ما بتخايل حالي أبداً بشعر قصير... من أنا وزغيرة كنت أعمل مجزرة وقتا تاخدني إمي لعند الحلاق، وبعدني لهلق بعصب حتى إذا قصيت منّو شوي لأنو ما بعود حس حالي أنا"، وتقول ممازحةً: "شعري الطويل صار trademark" (علامة تجارية).

هذا وتعبر كريستي، التي تعمل في مجال الديكور، عن انزعاجها من معظم الحلاقين: "ما فينا نغمض عيوننا ونسلم راسنا للحلاق لأنو عندن خصلة إنو وقتا يمسكوا المقص بإيدن بصيروا يقصوا بشكل over" (زيادة)، مشيرةً إلى أنها فور ذهابها إلى الحلاق تشترط معه على أن يقص بضع سنتيمرات فقط من شعرها الطويل: "بقعد على إيدو... تما تطلع براسي"، على حدّ قولها.

من جهته يجد دوري (30 عاماً) والذي يعمل في مجال التجارة أن شعر المرأة يكشف الكثير عن شخصيتها، فيقول لرصيف22: "أشعر أن المرأة التي تملك شعراً قصيراً هي امرأة عملية، قوية ولا تكترث كثيراً لشكلها في حين أن صاحبة الشعر الطويل هي امرأة ناعمة تعرف جيداً كيف تعتني بنفسها وبجمالها، وبصراحة أحب هذا النوع من السيدات"، معتبراً أن الشعر الطويل دليل على أنوثة المرأة وسرّ جاذبيتها: "عندما أنظر إلى فتاة معيّنة، أول ما يلفتني هو شعرها وكلما كان طويلاً كلما بدت بالنسبة لي أجمل وأكثر جاذبية".

وفي هذا الصدد، أوضحت الدكتورة ديبورا بيرغمينت، أن الآثار الثقافية والتاريخية للشعر يمكن أن تكون مهمة من الناحية القانونية، إذ شرحت بأن الاستنتاجات والأحكام المتعلقة بأخلاق الشخص، ميوله الجنسية، قناعاته السياسية، وجهة نظره الدينية، وفي بعض الثقافات حالته الاجتماعية والاقتصادية، كلها أمور "يمكن التكهن بها في بعض الأحيان من خلال رؤية تسريحة شعر معيّنة"، على حدّ قولها.

وبدوره رجح كورت ستين، البروفيسور السابق في علم الأمراض والأمراض الجلدية في جامعة ييل، والذي كان يشغل أيضاً منصب مدير البيولوجية الجلدية في جونسون أند جونسون، أن تكون الصحة السبب الجذري لأهمية الشعر: "من أجل الحصول على شعر طويل يجب أن تكونوا بصحة جيدة"، وأضاف لصحيفة التايم: "عليكم أن تأكلوا جيداً وألا يكون لديكم أي أمراض وأن تتمتعوا بالراحة والتمرين".

وأشار ستين إلى الصعوبات العملية التي تواجه الشعر الطويل: "من أجل الحصول على شعر طويل، يجب أن تعتنوا باحتياجاتكم في الحياة"، وعليه اعتبر أن الشعر الطويل هو رمز للمكانة الاجتماعية، بخاصة عندما يتعلق الأمر بتصفيفات الشعر المعقدة التي تتطلب من شخص آخر مساعدتكم على القيام بها، "ما يعني أنه لديكم الوفرة للقيام بذلك"، على حدّ قوله.

وعليه قد لا يكون من المستغرب أن تسريحات الشعر القصيرة قد ظهرت في الموضة بقوة خلال القرن العشرين، في المناطق التي بدأت فيها النساء بالرد على فكرة أن الأنثى تحتاج دوماً إلى من يعتني بها.

لماذا قد يخشى النظام الذكوري من صاحبة الشعر القصير؟

كتبت لوري بيني في New Statesman America أنه في الكثير من الأحيان يتم التحذير من النساء اللواتي يتمتعن بشعر قصير، كالقول مثلاً: "ابتعدوا عن الفتيات اللواتي يقمن بقصر شعرهن، إنهن مجنونات ويقمن بتدمير أنوثتهن عن عمد من أجل معاقبة الرجال"، مستندةً إلى مقال للكاتب توثموزيز سونوفرا، يشرح فيه سبب "الأذى التي تسببه الفتيات اللواتي يتمتعن بشعر قصير".

فقد كتب سونوفرا مقالاً ينتقد فيه صاحبة الشعر القصير، متهماً إياها بالوقاحة والخروج عن القالب الأنثوي، إذ قال: "الشعر الطويل يجذب عالمياً الرجال... تعرف النساء هذا الأمر بشكل غريزي، وهذا هو السبب الذي يجعل كل فتاة أميركية تقص شعرها لأسباب خفية"، ويضيف الكاتب: "الشعر القصير هو موقف سياسي وهو شبه ضمان أن تكون الفتاة أكثر وقاحة وأكثر ميلاً للذكور وأكثر اضطراباً"، هذا واعتبر أن الشعر الطويل سمة سريعة الزوال لسنوات الخصوبة، ولهذا لا تستطيع النساء المسنات التمتع بشعر طويل.

في سياق ردها على ما ورد في مقال توثموزيز سونوفرا، اعتبرت لوري بيني أن نقطة الجدال الأساسية التي ركز عليها سونوفرا هي التالي: الرجال يحبون الشعر الطويل، فمن هي المرأة العاقلة التي تقوم بأي شيء يقلل من قدرتها على إرضاء الرجل؟ وبأسلوب تهكمي أكدت لوري أن هناك الكثير من الأسباب التي قد تجعل المرأة "العاقلة" تختار عدم إثارة "إشارات الخصوبة" في كل فرصة تحصل عليها.

وانطلاقاً من تجربتها الشخصية، تروي لوري أنها حاولت تطويل شعرها مرتين وذلك بناء على رغبة الرجال الذين عاشرتهم، فلم تعد تشبه نفسها على الإطلاق: "بدا الأمر وكأنه شيء يجب القيام به لجعل نفسي مرضية في نظر رفاقي ورؤسائي وغيرهم من الأشخاص الذين يتمتعون بالقوة، وكلّ ذلك على حساب سعادتي الشخصية...".

أوضحت بيني أنه عندما طوّلت شعرها ازداد اهتمام الذكور بها: "ليس لأنني بدوت أفضل، بل لأنني حاولت أن أكون كأي فتاة أخرى"، في حين أنه عندما كانت تقص شعرها كانت كمية المضايقات التي تتعرض لها في الشارع تنخفض بشكل ملحوظ.

هذا وأكدت لوري بيني أنه من حق المرأة أن تختار لنفسها ما تريد بمعزل عمّا إذا كان ذلك يرضي أذواق الرجال ويثير إعجابهم أم لا.

الشعر القصير... وسيلة تمرّد وتصالح مع الذات

بعيداً عن الذكورية السامة والأحكام المسبقة التي يطلقها البعض على الآخرين لمجرد أن شكلهم قد يختلف عن المألوف، فإن الشعر القصير بالنسبة لبعض النساء هو بمثابة وسيلة تمرّد و"سلاح" لإظهار موقف سياسي واجتماعي معيّن، أو ببساطة للتعبير عن ذاتهن والتصالح مع أفكارهن.

هذا حال رنيم (اسم مستعار) والتي قررت، وهي على عتبة الأربعين، أن تقص شعرها لكي تبدو أقرب من نفسها ومن أفكارها.

في حديثها مع رصيف22، تؤكد رنيم أنها متمردة على الصور النمطية التي يحاول المجتمع التقليدي ترسيخها في أذهان الناس ولكنها في الوقت نفسه ترفض ربط الشعر القصير بالذكورية، شارحةً ذلك بالقول: "متل الشب يلي شعرو قصير وبس يطولوا بيقولوا عنّو صار متل البنات، القصة مش ذكورية بس انغلاق على الآخر المختلف عنّا"، وتضيف:" الواحد يكون شعرو طويل، قصير، يحلق، يشيل حواجبو هيدي الأمور الخارجة عن كيف بيكون الجندر تطال الرجال والنساء على حدّ سواء".

الشعر القصير بالنسبة لبعض النساء هو بمثابة وسيلة تمرّد و"سلاح" لإظهار موقف سياسي واجتماعي معيّن، أو ببساطة للتعبير عن ذاتهنّ والتصالح مع أفكارهنّ

وعن تجربتها الخاصة مع الشعر القصير، تكشف رنيم أن بعض المقربين منها أثنوا على "لوكها" الجديد، والبعض الآخر وجد أن ما فعلته هو "ضرب جنون وخارج عن المألوف"، في حين أن بعض الآراء الأخرى اعتبرت أنها خسرت جزءاً من نعومتها.

تؤكد رنيم أنه عندما قصت شعرها شعرت أنها باتت مختلفة كما أن نظرة الآخرين قد تغيّرت أيضاً: "وقتا قصيت شعري حسيت حالي مختلفة وإني عم بعبر عن حالي وهيدا الشي حلو حتى ولو كان البعض عم ينتقدني ويقول إني عم بمرّ بجهلة الأربعين"، وتضيف: "بالمجمل التجربة جميلة وأعتبر إقدامي على قص الشعر يكسر الصورة النمطية المتعلقة بالشعر بس مش ضرورة نرميها دايماً على تفكير بعض الرجال وعلى الذكورية... مشكلتنا نحنا كيف منتواصل مع بعضنا وكيف منفكر عن بعضنا وكيف حتى منحب بعضنا".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard