الموازنة بين الاكتئاب والأمل… عن آثار الإبادة الجماعية على الأحياء

الخميس 10 أكتوبر 201910:40 ص

نادراً ما يبوح الناس بما جرى لهم أو بالأحداث التي رأوها في يوم 3 أغسطس/آب 2014، يوم سيطرت جماعة الدولة الإسلامية على العديد من البلدات والقرى في محيط جبل سنجار في العراق. وبعد مضي خمسة أعوام على ذلك اليوم، يحمل الجميع هنا حزناً عميقاً ناتجاً عما يسميه الإيزيديون "الإبادة رقم 74".

أول تقييم لمريض نفسي قمت به في "سنوني"، وهي بلدة في الجانب الشمالي من جبل سنجار، كان شاباً في الرابعة والعشرين من عمره، سأدعوه وسام، أحضره شقيقه إلينا بعد أن ظهرت عليه أعراض اكتئاب حاد. خلال لقائنا الأول حدثني حول معاناته من التوتر والصداع وألم المعدة وفقدان الشهية وصعوبة النوم والكوابيس التي تراوده، وسرد مجموعة من الأعراض الناتجة عن الاكتئاب التي تجعل من حياته اليومية معاناة رهيبة.

عادة حين أقوم بالتقييم في مثل هذه الحالات، أُجري للمريض فحصاً يسمى "الأفكار، الخطط، الوسائل، والأفعال" وذلك بطرح سلسلةٍ من الأسئلة، مثال على ذلك أن أسأل المريض: هل تراودك أفكار مؤخراً حول الموت أو حول القيام بإيذاء نفسك؟ ما الذي يمكن أن يجعلك تفكر في إنهاء حياتك؟ كيف ستقوم بذلك؟ هل لديك مسدس؟ أين تحتفظ به؟ هل حاولت أن تؤذي أو تقتل نفسك في وقت من الأوقات؟

لقد شاهد وسام أشخاصاً يُقتَلون كما أنه شاهد أشخاصاً آخرون يقْتِلون. كانت تراوده أفكار عن قتل نفسه، وأحياناً عن قتل غيره أيضاً. عادة ما تتلاشى هذه الأفكار سريعاً ولكنها أصبحت تخطر له بشكل متكرر، وأصبحت مقترنة بنوبات غضب. وقد قام مؤخراً بسحب سكين أثناء جدال عائلي. هذا مؤشر يدعو للقلق إذا بدر من أي مريض في أي مكان في العالم، ولكن الجزء الذي أثار قلقي من قصة وسام وأرّقني لعدة أيام، هو أنه جندي وبإمكانه الحصول على سلاح في كل يوم في العمل، السلاح الذي كان يتخيل أنه يقتل نفسه به، ويقتل الآخرين.

يتساءلون فيما إذا كانت الأمور في سنجار ستعود يوماً إلى ما كانت عليه من قبل وإذا ما كان الناس سيرجعون في يوم من الأيام.

يمكن تقسيم المرضى النفسيين إلى ثلاث فئات: فئة من الأشخاص يبدو بوضوح أن بإمكانهم العودة إلى المنزل ومعالجة مرضهم النفسي كمرضى خارجيين ضمن المجتمع، وفئة أخرى من الأشخاص تبدو بوضوح الحاجة إلى إبقائهم في المستشفى لكيلا يؤذوا أنفسهم أو يؤذوا غيرهم، وفئة من الأشخاص في المنطقة الرمادية بين الفئتين السابقتين. كان وسام في المنطقة الرمادية. كان بحاجة إلى البدء بتناول مضادات الاكتئاب، ولكن هذه العلاجات يمكن أحياناً أن تجعل أعراض الاكتئاب أكثر سوءاً، وأن تزيد من خطورة إقدام المريض على الانتحار في الأيام والأسابيع الأولى، قبل أن تبدأ بمساعدته على التحسن، ولهذا يتعيّن إبقاء المريض تحت المراقبة الحذرة.

في المستشفيات التي عملت فيها، كان المرضى في المنطقة الرمادية، كما هو حال وسام، يخضعون عادة للعلاج من قبل فريق من الخبراء النفسيين، وإذا وصلت الحالة إلى حد معين من الخطورة يمكن الاحتفاظ بالمريض في المستشفى إجبارياً وذلك حفاظاً على سلامته. إلا أنه في العراق لا يوجد هناك سند قانوني يُمَكِّن الفريق الطبي من إجبار المرضى، من ذوي الحالات الخطرة، على الإقامة في المستشفى رغماً عنهم، في محاولة لحمايتهم من الأذى. ومع عدم وجود أطباء نفسيين في المنطقة، أصبحت مسؤولية اتخاذ القرار الصعب بما يجب عمله تقع على عاتقي.

سألت وسام إذا كان موافقاً على إدخاله إلى قسم الطوارئ في المستشفى لبضعة أيام بينما يبدأ باستخدام الأدوية، لكنه رفض ذلك. كان أفضل ما يمكنني عمله هو جعله يبدأ بتناول الأدوية التي يُؤمَل أن تجعله يشعر بالتحسن، وفي نفس الوقت أن أطلب من مديره في العمل أن يمنحه إجازة لمدة أسبوع. كانت الرسالة التي أرسلتها إلى مديره أشبه برسالة أمِّ إلى معلِّم ابنها في المدرسة، متوسلة إليه أن يبقي وسام وأفكاره الغاضبة والمتهورة بمنأى عن كافة الأسلحة في منطقة سنجار.

لسوء الحظ فإن قصة وسام لم تكن الوحيدة، هناك الكثير من الرسائل التي صغتُها بطريقة مهذبة وكأنها موجهة إلى معلم ابني في المدرسة، وقد أرسلت العديد منها في مناطق متعددة من سنجار، وكانت في العديد من الحالات تهدف إلى إبقاء الأشخاص من ذوي الميول الانتحارية بعيداً عن الأسلحة.

حين نتحدث عن ما يسبب للأشخاص حالة من التوتر، قليلون جداً من يأتون على ذكر مجازر الإبادة الجماعية. إلا أن هناك عاملاً مشتركاً بين جميع الذين كانوا يحتاجون إلى العلاج النفسي وهو فقدان المريض لأصدقائه أو لأفراد عائلته.

عالمياً، يُعَدّ فقدان أو اختفاء أحد الأشخاص المقربين بشكل مفاجئ سبباً أكيداً للمعاناة النفسية، ويمكن أن يترافق ذلك أو لا يترافق مع صدمة الصراع.

فقدان الأصدقاء أو العائلة

حين نتحدث عن الأشياء التي تسبب للأشخاص حالة من التوتر، قليلون جداً من يأتون على ذكر مجازر الإبادة الجماعية، بل إنه من الصعب جداً أن تستدرج أحداً ما لذكر أي شيء حولها. إلا أن هناك عاملاً مشتركاً بين جميع المرضى الذين كانوا يحتاجون إلى العلاج النفسي وهو فقدان المريض لأصدقائه أو لأفراد عائلته.

عالمياً، يُعَدّ فقدان أو اختفاء أحد الأشخاص المقربين بشكل مفاجئ سبباً أكيداً للمعاناة النفسية، ويمكن أن يترافق ذلك أو لا يترافق مع صدمة الصراع. ما صدمني في "سنوني" هو أنه مع كل تلك البشاعة التي عايشها الناس هناك فإن المشاكل التي يعانون منها لا تختلف بشكلٍ أو بآخر عن معاناة أي منا. أن تشعر بالحزن لفقدان شريك حياتك أمر يصيب البشر في أي مكان في العالم، وكذلك الأمر، إذا مرض طفلك أو حين تنفصل عن حبيبك أو تبتعد عن عائلتك. كثيراً ما تكون هذه هي الأحداث التي تفاقم الأمراض النفسية وتدفع بالمرضى للقدوم إلينا.

القليل الذي سمعته حول عمليات الإبادة الجماعية سمعته من الفريق العامل معي. قصص عن الرعب حين أتى أفراد من الدولة الإسلامية إلى منازلهم ليلاً واستولوا على أموالهم وهواتفهم وممتلكاتهم الأخرى، والراحة التي شعروا بها حين نجحوا في الهرب مع أمهاتهم وأخواتهم، ومغادرة المدينة في سيارات انحشر فيها عدد كبير من الأشخاص حتى أنه لم يكن بالإمكان إغلاق الأبواب، وكيف كان شعورهم في الأيام التالية حين اختبأوا في الأودية حول جبل سنجار وهم يخططون للهرب إلى كردستان.

هذا المجتمع، وخاصة الأطباء والممرضون والآخرون من العاملين مع أطباء بلا حدود الذين أعمل معهم هنا في سنوني، كانوا ألطف وأدفأ مجموعة من البشر أسعدتني معرفتها. كانت السعادة والأمل يشرقان في وجوههم في معظم الأوقات، ولكن بين الحين والآخر كانت غيوم من الحزن تظهر على وجوههم كتجليات للعواصف التي تسكن في أذهانهم، كلما تمثلت لهم حقيقة ظروفهم الماضية والحالية.

يعود زملائي إلى عائلاتهم في كردستان كلما فرغوا من العمل أو كانوا في إجازة. ومعظم تلك العائلات تعيش في مخيمات، ولا يبدو أن الحال سيتغير في المستقبل المنظور، كما أنهم لا يخططون للعودة إلى سنجار. ولأنهم المعيلون الوحيدون لعائلاتهم الكبيرة فإن زملائي يرزحون تحت ضغوط مالية كبرى.

يتحدثون كثيراً عن الحزن الذي يسبّبه ابتعادهم عن أفراد عائلاتهم الذين هربوا إلى ألمانيا، وعن أصدقائهم وأقاربهم الذين يعتقدون أنه لن تتاح لهم فرصة لقائهم مرة أخرى. يتحدثون عن الموازنة بين رغبة عائلاتهم بأن يبقوا في العراق ورغبتهم هم وأحلامهم في الفرار من حالة عدم الاستقرار التي يتوقعون أن تسود هنا مستقبلاً. يتحدثون عن التعقيدات المتعلقة بدينهم وثقافتهم وعن مسؤوليتهم المهنية في تقديم الرعاية لمجتمعهم، ولأولئك الذين شكلوا في الماضي خطراً عليهم. يتساءلون فيما إذا كانت الأمور في سنجار ستعود يوماً إلى ما كانت عليه من قبل وإذا ما كان الناس سيرجعون في يوم من الأيام.

تعمل الطبيبة الأسترالية كيت غولدينغ، كمديرة لغرفة الطوارئ وقسم الأطفال في مستشفى "سنوني" العام، في قضاء سنجار الواقع في شمال غرب العراق، والتي تديره منظمة أطباء بلا حدود بالشراكة مع وزارة الصحة العراقية، منذ مايو/أيار من هذا العام. وحين لم يمكن تعيين طبيب نفسي للعمل في "سنوني" على مدى ثلاثة أشهر، أخذت كيت على عاتقها مهمة دعم العاملين المحليين للإشراف على المرضى النفسيين الذين يحتاجون إلى الأدوية، وذلك بالتعاون مع طبيب نفسي في جنيف.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard