"نريد موريتانيا علمانية"... تشويه لسمعة الناشطين ومس بأعراض الناشطات

الخميس 10 أكتوبر 201901:22 م
Read in English

تنتشر على الإنترنت وفي الواقع نقاشات حول علمنة الدولة في موريتانيا، بين مرحب بها ورافض لها وغير مكترث وآخر يعتبر أن مثل هذه النقاشات سابقة لأوانها وغير ملحة بل فيها حرق للمراحل.

في 17 فبراير 2017، أطلق ناشطون حملة "نريد موريتانيا علمانية"، دون أن يظهر لها قادة، وبدون تخطيط كبير، وتفاعل كثيرون بالعربية والفرنسية مع وسم #نريد_موريتانيا_علمانية على فيسبوك وتويتر.

ويقول مولاي الحسن، وهو أحد ناشطي هذا الحراك، لرصيف22: "فاجأ حجم التفاعل الجميع بمَن فيهم مَن أطلق الوسم، والتفاعل الإيجابي هو ما شكل صدمة كبيرة يومها، إذ ظهر آلاف المواطنين المطالبين بعلمنة الدولة دون سابق معرفة بينهم ودون تخطيط، واكتشف العلمانيون أن هناك مَن يحملون نفس قناعاتهم ولكنهم غير ظاهرين لهم".

وإذا كان كثيرون أيضاً قد هاجموا الحملة، إلا أنها كشفت عن وجود أعداد كبيرة من المواطنين الذين يريدون علمنة الدولة، وراحت وسائل الإعلام الدولية والعربية والمحلية تتحدث عنها وتستقبل بعض وجوهها.

يروي الحسن أنه "تخلل الأمر الكثير من الصعوبات مثل تسجيل حلقات في تلفزيونات محلية دون بثها، وخوف المجتمع المحافظ الذي يخلط بين العلمانية والإلحاد من الحملة".

لم يبقَ النشاط حبيس الفضاء الافتراضي. ففي الثاني من تموز/ يوليو 2018، نُظّمت وقفة في العاصمة نواكشوط، رفع المشاركون فيها لافتات "نريد موريتانيا علمانية"، وسط تخوّف كبير بسبب نظرة غالبية المجتمع السلبية تجاه العلمانية.

وكانت "حركة موريتانيا علمانية" التي تأسست على خلفية حملة "نريد موريتانيا علمانية" قد أنشأت قناة على يوتيوب تنشر عليها فيديوهات تشرح العلمانية وأخرى تتضمن مطالبات أفراد موريتانيين بتبني النظام العلماني، وهي فيديوهات تعبوية تنشر على فيسبوك أيضاً.

أي علمانية؟

حين انطلق الحراك، تصاعد النقاش حول إمكانية تطبيق العلمانية في موريتانيا وأي نمط يناسبها. وعن ذلك قال مولاي الحسن: "العلمانية أنماط متنوعة، فهناك العلمانية على الطريقة الفرنسية والعلمانية على الطريقة التركية والعلمانية السنغالية إلخ، والنمط الذي نريده لموريتانيا هو نمط متكيف مع خصوصياتنا الثقافية وخلفيات المواطنين، ما يعني أننا لا نريد استجلاب خصوصيات الآخرين وفرضها أو تطبيقها على مجتمعنا".

ويضيف: "نحن نعرف مجتمعنا فقد أتينا منه ودرسناه، ونعرف ما يناسبه، خصوصاً أننا متنوعون ونمثل كل فئات الشعب الموريتاني، وأهم أولوياتنا هي العلمانية الإدارية، أي أن يُفصل بين مؤسسات الدولة والمؤسسات الدينية، يحيث تمتنع أي سلطة عن توظيف الدين بأي شكل من الأشكال".

ويتابع: "يجب أن تكون السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية مدنية، وهدفها الوحيد هو تحقيق العدل بين المواطنين وهو عدل مستمد من أمور لا علاقة لها بالدين، لا من قريب ولا من بعيد".

ويؤكد: "أما المؤسسات الدينة فليس من أهدافنا القضاء عليها ولا أن تختفي، بل نطمح إلى تعزيزها على أن تكون معنية بما له علاقة بتديّن المواطنين فقط، بدون أي دور في السياسية"، ضارباً المثال برابطة أئمة موريتانيا التي يرى أنه "يجب ألا يكون لها أي رأي سياسي ولا أي تدخل في دعم مرشح أو الوقوف ضده، ولا في نقاشات البرلمان ولا القضاء، ولا وصاية لها على المواطنين".

لا يعتبر العلمانيون الموريتانيون أن دولتهم يحكمها نمط حكم ديني، ولكنهم ينتقدون توظيف النظام للدين لتحقيق مآرب سياسية، ويرون أن العلمانية هي أحد الإطارات اللازمة لاكتمال منظومة حقوق الإنسان.

وبرأي الحسن، "الدولة الموريتانية لا تكفل حرية المعتقد، وهذا مأخذ على ما يجري في موريتانيا". ويشير إلى المادة 306 من القانون الجنائي الموريتاني، والتي يصفها بأنها "الأخطر ولا تصلح إلا لداعش"، كما يسجّل مآخذه على بعض مواد الدستور التي تحصر بعض الوظائف بالمسلمين، كرئاسة الجمهورية، ويعلّق: "مشكلتنا ليست بالطبع مع الدين بل مع هذه المواد".

وتنص النسخة الجديدة من المادة 306 المذكورة على أن "كل مسلم ذكراً كان أو أنثى استهزأ أو سب الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم أو ملائكته أو كتبه أو أحد أنبيائه يُقتل ولا يستتاب وإنْ تاب لا يسقط عنه حد القتل" وأن "كل مسلم امتنع من أداء الصلاة مع اعترافه بوجوبها يؤمر بها وينتظر به آخر ركعة من الضروري فإن تمادى في الامتناع قتل حداً".

ويذكّر بما حدث عام 2017 من تحديد للمذهب المالكي كمذهب للدولة، ويقول: "الدولة لا يجب أن يكون لها مذهب أو دين، فنحن مع الحق في أن يعتنق الشخص أي دين أو أي مذهب".

اتهمات بالسطحية وعدم الفهم

يوجّه موريتانيون كثيرون النقد لدعوة "نريد موريتانيا علمانية"، ويعتبر البعض أن فيها بعض السطحية والسذاجة.

وقال الباحث الموريتاني أحمد سالم ولد عابدين لرصيف22: "هناك مطالبات بالعلمنة فعلاً، لكن، لننظر إلى أصحابها: أولاً، هؤلاء قلة قليلة جداً لكنها تتمتع بحضور إعلامي متميز على المنابر الإعلامية بكافة أنواعها، فيخال إلى غير العارف أنهم كثيرون؛ وثانياً، غالبيتهم الساحقة هم شباب لم يتجاوزوا بداية الثلاثينات من أعمارهم، وتكوينهم الأكاديمي غير جيد، ولم يقرأوا كثيراً عن فلسفة العلمانية والشروط التاريخية التي كانت وراء انتشارها في الغرب".

في نقده للحركة، يركّز ولد عابدين على نقد خلفيات مؤيديها، ويقول إن بعضهم "لم يعرف عن العلمانية إلا أشياء سطحية يبثها الإعلام أو كتابات تبسيطية"، وبعضهم الآخر "يرى فيها إمكانية تحقيق رغباته، وهؤلاء في العادة يعانون من تنشئة اجتماعية محبطة". ويضيف أن هناك نوعاً ثالثاً يبحث فقط عن الشهرة على وسائل التواصل الاجتماعي ونوعاً رابعاً "لم يتلقَّ في صغره تكويناً دينياً صحيحاً، ومشكلته أنه لا يفهم حقيقة العلمانية ولا حقيقة الدين".

وبرأيه، "المشكلة الحقيقية هي في النوع الأخير الذي لا يفرّق بين مفاهيم متباعدة جداً مثل العلمانية والعلموية والحكامة السياسية الرشيدة ومفاهيم أخرى توحي لأول نظرة بأن لها علاقة بالعلمانية في حين أنها مفاهيم كونية لدى البشر ويمكن الانطلاق منها نحو التقدم دون المرور بالعلمانية".

ويتحدث الباحث الموريتاني عن ربط بعض الشباب عن طريق الخطأ بين العلمانية وأمور لا علاقة لها بها مثل الظنّ بأنها تنقذهم من براثن الفقر والإقصاء والتهميش والبطالة، خالصاً إلى أن غالبية العلمانيين "ليسوا على دراية تامة بخصوصيات المجتمع الموريتاني".

نقاش العلمنة ليس جديداً

نقاش العلمانية في موريتانيا ليس جديداً. يشير الباحث عباس أبرهام إلى أن "هذه المطالبات بدأت مع بداية الألفيّة الثالثة حين ظهر جيل من المناضلين الجدد انتبه إلى الأدوار السياسية التي يلعبها التوظيف الديني إما في تبرير الاستبداد أو في خلق وعي زائف. وظهرت اللغة المعادية للرهبنة anti-clerical في عدة خطابات تبدأ من حركة ‘ضمير ومُقاومة’ ولا تنتهي عند حركة ‘إيرا’، ناهيك عن لفيف من كتاب الرأي والحقوقيين والمدونين".

و"ضمير ومقاومة" هو تنظيم يساري تحوّل من العمل السري إلى حركة علنية عام 2007، أما حركة "إيرا" (مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية)، فقد تأسست في تشرين الثاني/ نوفمبر 2008، لمناهضة العبودية في موريتانيا.

لكن أبرهام يقول لرصيف22 إن "الجديد في حركة ‘نريد موريتانيا علمانية’ هو أن المطالب العلمانية صارت عند هؤلاء مستقلة عن المطالب النضالية الأخرى، ما حوّل النقاش إلى نقاش هوياتي. وعلاوة على هذا، لم يخلُ الموضوع في تقديماته هذه من سطحية حالمة، إذ يعتقد الطرح هنا أن العلمنة هي مسألة برنامجية تأتي بها الدولة، وليست جملة من التمايزات التاريخية والمؤسساتية".

وبرأيه، "لا يأتي العلماني ولا العلمنة من الدولة، بل من جملة انفصامات وأنماط حياة تاريخية ومعظمها يأتي من الإصلاح الديني والجماعات الدينية نفسها. وباختصار، ليس الموضوع برنامجياً بل هو سيرورة تاريخية أعمق".

هل يستسيغ الموريتانيون العلمانية؟

نقاشات العلمانية شملت احتمال قبول الشعب الموريتاني بها من عدمه، بين مَن يرى أنه من المستحيلات وأن الشعب مكوّن على قيم ترفضها مطلقاً، ومَن يعتقد أن المجتمع الموريتاني، والمكون البيظاني خاصة، علماني بالفطرة.

"يتعرض مَن يطالب بالعلمانية في موريتانيا للكثير من المضايقات، كما تتعرض المرأة المتبنية للفكر العلماني لتشويه السمعة، وهو ما تسبب في فقدان كثيرات منهن للحماس"... عن حراك "نريد موريتانيا علمانية" والصعوبات التي تواجهه

يستغرب بعض العلمانيين الموريتانيين مواقف النخب من مطلب العلمانية وتصدي مَن يُحسبون على التيار العلماني للمطالبة بها. وقال ناشط: "نحن مجتمع فيه نفاق غريب وعجيب، إلى درجة تجد شخصاً يحمل خلفية إيديولوجية معينة، لكنه يدافع عن طرح مناقض لقناعاته"

والبيظان هم أصحاب الهوية العربية في موريتانيا، وبعضهم من أصل عربي وبعض آخر يتحدر من أصل أمازيغي لكنّه تعرّب، ويتحدثون باللهجة الحسانية وهي لهجة قريبة من العربية، وينقسمون طبقياً إلى عدة فئات.

وقال عباس أبرهام: "بعكس معظم البلدان الإسلامية قبل الاستعمار، لم يكن للشريعة الإسلامية، بالمعنى المعياري، وبالأخص خارج الأحوال الشخصية، دور كبير في المجال الصحراوي وبشكل أقل السوداني".

وأضاف: "في الحقيقة فإن الاستعمار الفرنسي الذي هزم القبائل المحاربة ومكّن القبائل المتدينة أطلق المؤسسات الإسلامية التي كانت مقموعة قبل الاستعمار، كمؤسسات القضاء، ومأسس القانون ‘الأهلي’ الذي استمد من الشريعة كما من العرف".

وأشار إلى أن "التاريخ الطويل في قمع القانون الديني أثناء السيطرة الحسانية (وإنْ كان بعض الأمراء الحسانيين قد طور أحياناً نظاماً شرعياً) جعل النمط المحلّي من التديّن يقبل شكله المنزوي عن الدولة".

وأضاف: "تقريباً لم يكن يوجد حنين للدين الدولتي قبل حدثيْن: الأول تظاهرات الثمانينيات المحدودة جداً والتي مهّد بها نظام الرئيس محمد خونه ولد هيدالة (1980-1984) لتطبيق نظام جنائي متسرّع سمي بالشريعة، والثاني هو حركة ‘النصرة’" التي تأسست عام 2014 وطالبت بتطبيق محدود للشريعة الإسلامية، وركزت على تطبيقها في حادثة محمد الشيخ ولد امخيطير.

وتابع: "باستثناء دعوات حركات السلفيين القتاليين وحركة ‘لا للإباحيّة’ (تأسست عام 2012 وطالبت بحجب المواقع الإباحية والتصدي لما أسمته "مظاهر إباحية" في موريتانيا) لتطبيق الشريعة جنائياً، ودعوة مثلها للزعيم الإسلامي التاريخي، عثمان ولد أبو المعالي، فإن دعوات التطبيق الجنائي للشريعة تبدو خجولة حتى في أوساط الإخوان المسلمين". فبرأيه، "هنالك تحولات متسارعة، ولكن نمط التدين الفرداني واللادولتي ما زال قوياً، رغم التغيرات المفاهيمية والاعتناقية الجارية".

ولكن ولد عابدين يعتقد أن "موريتانيا لا تحتاج إلى العلمانية، وحتى لو افترضنا جدلاً أنه جاء نظام سياسي وأرغم المجتمع والدولة على الأخذ بالنظام العلماني، فإنه لن يفلح بسبب طبيعة المجتمع وقوة حضور الدين المتجذّرة في لاوعيه وفي الحياة العامة والخاصة للأفراد".

مضايقات بشتى أنواعها

يشتكي ناشطون في حركة نريد موريتانيا علمانية من تعرضهم لمضايقات بشتى أنواعها. يقول مولاي الحسن: "يتعرض مَن يطالب بالعلمانية في موريتانيا للكثير من المضايقات، مثل مضايقة أقاربه له والحرمان من المساعدة في العمل، أو الحصول عليه، حتى يترك هذا النهج، وكذلك العزلة العائلية، والتمييز في العمل، وكذلك التعرض للسب والشتم والتهديد والقذف، كما تتعرض المرأة المتبنية للفكر العلماني لتشويه السمعة، فدائماً نلاحظ المس بأعراض الناشطات وهو ما تسبب في فقدان كثيرات منهن للحماس".

ويؤكد على أنه عند انطلاق الحراك العلماني عام 2017، شارك فيه الآلاف على فيسبوك، ولكن بعد فترة لم يبقَ منهم نشطاً سوى عشرات فقط، هم مَن استطاع المواصلة، لأن هناك المئات مورست عليهم ضغوطات.

وتعرض العلمانيون للكثير من التهديدات، خاصة من طرف الإسلاميين الذين "يطلقون كل فترة قائمة تحتوي على أسماء علمانيين ويقولون إن هؤلاء ملحدون"، بحسب الحسن.

ويستغرب بعض العلمانيين مواقف النخب الموريتانية من مطلب العلمنة وتصدي مَن يُحسبون على التيار العلماني للمطالبة بها. وقال مولاي الحسن عن ذلك: "نحن مجتمع يحمل الكثير من النفاق. فيه نفاق غريب وعجيب، إلى درجة تجد شخصاً يحمل خلفية إيديولوجية معينة، لكنه يدافع عن طرح مناقض لقناعاته".

ويضيف: "وجدنا أشخاصاً نعرفهم عن قرب وهم علمانيون جداً، لكنهم يهاجمون العلمانية بشراسة، ولا أعرف لماذا؟ ربما لمآرب سياسية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard