​لا يمكن أن تؤجَّل قضايا حقوق النساء... فالموت لا ينتظر

الأحد 6 أكتوبر 201907:01 م
Read in English

اعتدنا أن نكون دائماً مؤجلات.

"أريد حرية جسدي"، وهل ترين أن ذلك الموضوع الأكثر أهمية اليوم؟

"أريد أن أقرّر متى أمارس الجنس"، وهل تعتقدين أن ليس هناك شيء أهم من متعتك في ظل كل ما نعيشه من مآسٍ؟

"أريد قانوناً منصفاً للأحوال الشخصية"، ألا ترين الحرب القادمة والعدو الخارجي؟

"أريد حقي بإعطاء جنسيتي لأولادي"، ألا ترين تأثير ذلك على المجتمع؟

"أريد أن أعيش بأمان دون خوف"، ألا ترين أننا جميعاً نريد الأمن لهذه البلاد؟ "أريد أن أترك زوجاً معنِّفاً"، أنت تساهمين في تفكيك الأسرة والمجتمع وتستحقين حرمانك من أطفالك.

لم تجد قضايا النساء مكاناً لها في هذه البلاد، ودائماً "مش وقتها". دائماً هناك قضايا أهمّ: وطنية وقومية واقتصادية واجتماعية، ودائماً تحرّر النساء يأتي آخراً في لائحة القضايا المصيرية.

لا أعرف كم سنة عمر ابنها، ولكنهما عاشا سنوات عديدة بانتظار المؤجل، بانتظار الحق في الحضانة الذي ليس وقته الآن، ورحلت نادين قبل أن يأتي ذلك الوقت، قبل أن تتحرّر البلاد، وتنتهي المؤامرات، ويرحل العدو
قضية نادين ليست قضية شخصية، وموتها اليوم ليس مجرّد حادث، موت جاء ليؤكّد ظلماً مضاعفاً: سعادتنا مؤجلة دائماً، حقوقنا مؤجلة، علينا أن نحارب لنحصل عليها، نجرب كل أساليب الضغط، نعتصم لسنوات، نكتب، لنحظى بحضن صغير...

لم أعرف نادين شخصياً، لم نكن حتى أصدقاء على فيسبوك. كنت أراها في اعتصامات ومظاهرات مختلفة. أعرفها من صراخها في الاعتصامات أمام المحكمة الجعفرية، مطالبةً بحقِّها وحقِّ نساء كثيرات يشبهنها. رأيتها في آخر اعتصام، "طالعات"، جلست قربي على الحافة تدخن سيجارة، سألتني صديقة مشتركة: "بتعرفي نادين؟" قلت: لا، ليس بشكل شخصي. قالت: نادين أيضاً من الأمهات اللواتي يناضلن من أجل ابنها. قلت: ومن لا يعرف، "كلنا منعرف قصتها". كلنا، من نزلنا إلى هذه الساحات وصرخنا طوال سنوات، نعرف قصتها وقصص نساء أخريات كثيرات، دائماً بانتظار المؤجل. لا أعرف كم سنة عمر ابنها، ولكنهما عاشا سنوات عديدة بانتظار المؤجل، بانتظار الحق في الحضانة الذي ليس وقته الآن، ورحلت نادين قبل أن يأتي ذلك الوقت، قبل أن تتحرّر البلاد، وتنتهي المؤامرات، ويرحل العدو. رحلت قبل أن ينهض الاقتصاد، ونعالج كل أزماتنا، ونتفرّغ لها ولابنها، ولنساء كثيرات غيرها، ينتظرن فقط أن يكنَّ قادرات على احتضان أولادهن متى أردن ذلك.

كلنا، لا نعرف بعضنا بالضرورة بشكل شخصي ولكننا نعرف قصص الوجع، نتشارك هموماً متشابهة. حوادث السير وأسباب الموت وأشياء أخرى كثيرة ربما ليس بمقدورنا أن نغيرها، ولكن قوانين المحاكم الظالمة وسنوات الحرمان الطويلة، تلك أمور كان يمكن أن تكون مختلفة، وكان يمكن لذكرياتنا عنها أن تكون أسعد قليلاً. يحقّ للأمهات منا، ولأطفالنا، ذكريات أسعد وألماً أقل. لا يمكن للموت أن يكون مقبولاً في مطلق الأحوال، ولكن ألم يكن الأجدى لو كانت نادين أمّاً عادية، تحضن ابنها كل صباح قبل ذهابه إلى المدرسة، وتروي له حكاية قبل أن ينام؟ ألم يكن هذه البلد ليكون أجمل قليلاً وأفضل قليلاً، لو كانت قوانينه منصفة بحقنا؟

قضية نادين ليست قضية شخصية، وموتها اليوم ليس مجرّد حادث، موت جاء ليؤكّد ظلماً مضاعفاً: سعادتنا مؤجلة دائماً، راحة بالنا مؤجلة، حقوقنا مؤجلة، علينا أن نحارب لنحصل عليها، نجرب كل أساليب الضغط، نعتصم لسنوات، نكتب، نرفع الصوت عالياً، نجرب طريق القانون، الفضيحة، المواجهة، مخالفة القانون، لنحظى بحضن صغير، وتبقى أحلامنا الصغيرة مؤجلة وحقوقنا في آخر اللائحة. لا تكفي صعوبة المسار، في الطريق قد يسبقنا الموت وتبقى كل الأحضان مؤجلة.

"من زمان، ما نزلنا باعتصام نسوي": سمعتها تقول في اعتصام "طالعات". والاعتصام، للمفارقة، المنظّم من مجموعة "وطن حر نساء حرة "، والذي بدأ في فلسطين المحتلة وامتدَّ إلى فلسطين الشتات، كان هنا ليقول إن قضايا النساء أولوية، وأن أمننا أولوية، وأن جوهر الخطاب التحرري يحتاج إلى إعادة تعريف ليشمل حرية نسائنا مع أي تحرر آخر. لن تصبح الدولة دولة ما دامت تحرم أماً من أولادها. لن نصبح مجتمعاً، ما دامت امرأة تمشي في الشارع خائفة من التحرّش. لن يستتب الأمن ونحن نتعرّض للاغتصاب، لن تتحقق عدالة اجتماعية ما دامت عاملة منزلية تعمل دون عقد عمل منصف. فماذا تؤجلون فعلًا؟ تؤجلون تحرر هذا المجتمع فقط لأنكم خائفون من فقدان سلطتكم. حريّة أجسادنا قضية أولوية بقدر قضية تحررنا من الاحتلال، فكفّوا عن ترتيب الأولويات والقضايا. خوفكم دليل قوتنا التي تكبر، كل يوم تُظلم امرأة فيه أكثر من هذا النظام، يكبر غضبنا أكثر. غضبنا يتراكم لأننا "كلنا" نعرف قصص الظلم ولو لم نعرف بعضنا بشكل شخصي. كلنا بدون استثناء، مررنا بتجارب تحرّش وإن اختلفت الظروف وردات الفعل. كل أم فينا تعرف معنى غياب أطفالها عنها وتدرك عمق ذلك الألم. كلنا نعرف معنى أن علينا أن نعمل دائماً أكثر، نقوم بمجهود أكثر في مكان ما، سواء في العمل أو المجتمع أو البيت كي نحظى بحقوق، ودائماً أقل. لذا كلما روت إحدانا قصتها، ندرك كم نحن متشابهات في الألم والقهر. ألمنا وقهرنا الذي تزرعون ينبت غضباً. غضبنا الذي سيفتت هذا النظام الذكوري في يومٍ ليس ببعيدٍ، وسننتزع حقوقنا بأيدينا وأجسادنا وعقولنا.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard