ماذا يحدث للجزائريات عند الدورة الشهرية؟... من الأسطورة إلى المشروع السياسي

الجمعة 18 أكتوبر 201904:07 م

تعالت أصوات في البرلمان المصري مؤخراً تطالب بدراسة منح النساء عطلة خاصة بالدورة الشهرية، وتعدّ سابقة في عالم عربي تعاني فيه النساء أضعافَ ما يعانيه الرجال، نتاجاً لموروث ثقافي يرسم حدود الواقع الاجتماعي، تدعمه الأنظمة الحاكمة وتستفيد منه، فارضة على الشعوب شيزوفرينيا ببعدين زمنيين.

وإن كان الحيض مسألة أنثوية بامتياز، وهو يعبّر عن تحوّل جذريّ في حياة الأنثى، من الطفولة حتى البلوغ، يكسبها القدرة على منح الحياة، فهو يضبط إيقاع الحياة الاجتماعية، ويحدّد أفق التواجد الأنثوي في الفضاء العام. ومع تعليم دينيّ متصاعد في البلدان العربية عموماً -والجزائر لا تشكل استثناءً- تحجَبت نسبة كبيرة من البنات مع بلوغهنّ.

لكن البلوغ، يرتبط أساساً بتدفّق الدم خارج الجسد، فيما يشبه الموت (موت بويضة). الدم أحد أهمّ معالم الثقافة العربية الإسلامية، يصبح أرخص وأسهل حين يتعلق الأمر بالنساء. ألسن هنّ من يقذفن نفس السائل كلّ أسبوع من أربعة دون أن يلحق بهنّ أذى؟

مس، نجس... ولعنة حواء تلاحق بناتها

اشتكيت ﻟـ"الاستيتيسيان" من آلام أسفل البطن التي أعاني منها بسبب الدورة، فأجابتني بأنه "يُفضّل عدم التجمل أيام الحيض"، سألتها لماذا؟ فأخبرتني أنها (الدورة)، ويشار لها أيضا ﺑـ"هي"، "هديك"، "الأخرى"، دون تسميتها، على سبيل الخوف أو الخجل –الذي لا محلّ لهما بجميع الأحوال– تغار من النساء اللاتي يتجمّلن في فترة نزولها، باعتبار أن الدورة كيان لا مرئي مؤثر، أشبه بالجنّ. كانت هذه النقطة الأساسية التي أثارت لدي فضولاً لأعرف أكثر عن الأساطير لتي تتناول موضوع الطمث.

لا تزال الأساطير حاضرة بقوّة في المخيال الاجتماعي الجزائري، في جميع الممارسات والطقوس الاجتماعية، إلى جانب التفسيرات الدينية وسطوتها المتزايدة داخل السرديات والحياة اليومية في الجزائر، والطمث لا يشذّ عن القاعدة. على الرّغم من التعارض بين الاثنين ظاهرياً، إلا أنهما حاضران و بقوة جنباً إلى جنب.

أتذكّر جيداً أن عماتي كنّ يمنعننا من ارتداء ألبسة حمراء في فترة الطمث، دون أن يفسّرن لنا يوماً لماذا. أما النساء اللاتي استجوبتُهن فقد أجمعن أن أوّل الأساطير التي امتثلن إليها هي القائلة بعدم الاستحمام في فترة الطمث

تُعدّ مسألة الجنّ من المسائل العربية بامتياز، والتي سكنت مخيال شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، استمرت بظهور الإسلام، وانتقلت إلى جميع المناطق التي عرفت فتوحات. استوطن الجنّ ككائن خرافي لا مرئي في المخيلات الاجتماعية، وتمّ تحويره وتبنّيه وفق كلّ بيئة ثقافية. وبحسب د. محمد عبد المعيد خان في كتابه "الأساطير والخرافات عند العرب" فإن عرب شبه الجزيرة عرفوا الجنّ إلى جانب الطوطم، والذي كان في الأغلب حيوانات اتُّخذت للحماية ودرء شرّها، بالمقابل فالجنّ اعتبرت أعداءً مؤذية.

أتذكّر جيداً أن عماتي كنّ يمنعننا من ارتداء ألبسة حمراء في فترة الطمث، دون أن يفسّرن لنا يوماً لماذا. أما النساء اللاتي استجوبتُهن فقد أجمعن أن أوّل الأساطير التي امتثلن إليها هي القائلة بعدم الاستحمام في فترة الطمث. لماذا؟ بحسب المعتقدات المتوارثة فالنساء هن عرضة لمسٍّ من الجنّ في فترة الدورة الشهرية، كونهنّ غير طاهرات، ونجسات، والحمام مكان يكثر فيه الجن –بحسب أقوال المتحدّثات– مما يسبّب مشاكل كثيرة، حتى العقم!

من الأساطير التي تنتشر في "تمنراست" جنوب الجزائر، يمنع على النساء قصّ شعورهن في فترة الطّمث، لأن ذلك سيؤثر على نموّه إذا ما قُصّ في هذه الفترة: ينجس فيبطؤ نموّه، وقد يتوقّف.

في المدية وسط الجزائر، تقوم نساء العائلة بمسح وجه الصبية البالغة حديثاً بقماش أحمر في أول حيض لها، لاعتقادهنّ أنه يبعد مشكل حَبّ الشباب الذي ينغص حياة المراهقات

نساء المناطق الشمالية الساحلية عموماً يُمنع عليهنّ الذهاب إلى البحر في فترة الحيض، لأنه سيتسبب في تعرضهنّ لانقطاع الحيض في فترة مبكرة (في انتقام من البحر، لأنهنّ أنجسنَه بدمهنّ الملوث –البحر هنا أيضا كائن مستقلّ ولا مرئي–) بحسب ما أخبرتنا سارة من غرب العاصمة الجزائرية.

في المدية وسط الجزائر، تقوم نساء العائلة بمسح وجه الصبية البالغة حديثاً بقماش أحمر في أول حيض لها، لاعتقادهنّ أنه يبعد مشكل حَبّ الشباب الذي ينغص حياة المراهقات، بحسب ريما.

مدينة ميلة شرق البلاد تعامل الحائض معاملة فيها الحامل في أشهرها الأولى، لا تقوم من مكانها، لا يتمّ إزعاجها، وتُحضَّر لها أكلات خاصة وساخنة، "الحائض مثل المتوحمة تماماً"، بحسب هدى.

أما سارة و أمّها فقد أخبرتاني أن أهمّ ما توارثنه في في عائلتهما العاصمية، هو أن الطّمث تكفير شهريّ عن ذنوب النساء (الكثيرة)، كما أنه ثمن الخطيئة الأولى. فالأنثى تعرف الحيض كعقابٍ سُلّط على حواء نتيجة إغوائها آدمَ و ورثتْه بناتُها عنها، فهو بمثابة اللعنة التي تواجه الإناث بسبب خطأ المرأة الأولى. انتقام دموي، لم يطل الرجال لأنهم كانوا فريسة الغواية و ليسوا علّتها. و في التراث التوراتي يتمّ ختان المواليد الذكور في اليوم الثامن من ولادتهم، ليطهّروهم من نجاسة الأنثى، الأمّ و الحاضنة.

أن تستمعي لمن تتحدّث بسلبية عن الطّمث

كثيراً ما سمعتُ هذه النصيحة من صديقات الثانوية ثمّ الجامعة، و من أمّي و كلّ نساء العائلة: "تفادي الحوارات التي تتحدّث النساء فيها عمّا يعانينه من أثر الدورة الشهرية". و تُعدّ من الأساطير التي تعرف حضورا قوياً بين الصبايا، و التي تعبُر كافة المحافظات، و تجعل جلّ الفتيات يمتثلن لها.

فالعدوى تتربّص بكلّ من استمعت لمن تشتكي سلبيات الطّمث. أسرّت سناء من تمنراست بأنها شاركت في مرّة من المرّات بمقرّ عملها تحدّث فيه زميلاتها عن مشكلة تأخر الطمث، و الذي تأخذ فيه الدورة وقتاً أكبر من وقتها المتعارف عليه (28-30 يوما) لتتعرض لنفس الأمر في الشهر اللاحق تماماً، ما أدّى بها إلى الامتثال أخيراً إلى تجنب الاستماع إلى الشكاوى المثارة حول الموضوع. فلا يكفي أن الطمث لعنة، بل يجب تقبّله دون تذمر.

تفسيرات أكثر إقناعاً

بالمقابل أجمعت المستجوبات أن حضور الأساطير محدود في حياتهنّ كراشدات، وقد امتثلن لها في سنوات بلوغهنّ الأولى، بتأثير من أمهاتهن وجدّاتهن، و أنهن لا ينصعن لها الآن، على الرغم من استمرار تحذير من هنّ أكبر سنّاً.

تعوض هذه الأساطير اليوم بتفسيرات أكثر علمية و دقة، ويطرح الطّمث كقضية صحية بعيداً عن التفسيرات الميثولوجية والفنتازية. تحدّثت كلُّ المستجوبات عن الإشكاليات الصحّية التي تصاحب موضوع الطّمث، كضعف المناعة، والتغيرات الهورمونية للنساء، والتقلبات المزاجية، التي تشكل عوائق أمام ممارسة جيدة للعمل والدراسة. ولكن يبدو أن الفنتازيا التي تولدها الدورة الشهرية لم يتمكن العلمُ حتى الآن من حلّ جميع ألغازها. فظاهرة المرقد مثلاً أو ملازمة "ماك كلينتوك" (تحيض النساء القاطنات تحت سقف واحد في فترة زمنية واحدة) لم يتكمن العلم من البرهنة عليها لحدّ الآن.

المثليات: عالم وسط العالم

مجتمع "الميم" يتجاوز كلمة "مثلي" في الجزائر إلى كلمة "مغلق"، و"محظور". كان الحصول على إجابات من نساء مثليات جزائريات معاناة حقيقية. الكثير من التوجس، القلق والخوف يتقاسم يوميات هؤلاء النسوة، حتى ليسأل الشخص نفسه: ما الذي يجعل إنساناً راشداً يخاف كلّ هذا الخوف؟

بعض الناشطات المثليات الجزائريات على الفايسبوك، رفضن تماماً فكرة التعامل معي، بحجّة أن المجتمع الجزائري غير مؤهل للتعامل مع هكذا أفكار، ولا هكذا قضايا. يُرفض تماماً الاعتراف بالمثليين عموماً، وبالتالي لا حاجة لرأيهن في موضوع الطمث.

كانت "تيما"، 34 سنة ، أستاذة اللغة الإنكليزية من الجزائر العاصمة، الوحيدةَ التي قبلت الإجابة على أسئلتي، كما شاركت بطرح الأسئلة على صديقات أخريات (توجّسٌ شديد يلاحظ عليهن من كشف هويتهن، وحاجة للتعبير عن مجموعتهن).

"نينا"، صديقة "تيما" أكدت أن المثليات تعانين نفس المعاناة الاجتماعية لباقي النساء الجزائريات، في جميع المسائل، و الطّمث تحصيل حاصل. ولكن ما يمكن أن يشكّل خصوصية لمجتمع الميم المؤنث هو التنكّر للهوية الأنثوية للكثيرات، ما يجعل تقبل الطّمث أكثر صعوبة. لكن التعايش مع الطمث في "زوج" مثلي ربما أفضل من التعامل مع الموضوع بالنسبة لزوج مغاير-بحسب تيما-، لتفهّم الطرفين لواقع التقلبّات المزاجية والآلام وكلّ ما ينجم عن الدورة الشهرية، فالعلاقة بأكملها تقوم على بحث مشترك عن تجربة حسية مختلفة عن التجربة المغايرة التي قد يشكّل الطمث معيقاً لإتمامها.

طمث... طابوه

الطمث يُعدّ من المواضيع الطابوهات التي تشترك فيه الجزائرياتُ مع جميع النساء عبر العالم تقريباً -بتفاوت طبعاً-. كثيراً ما تحجب تطبيقات عالمية (كفايسبوك) صورَ الملابس الملطّخة بدماء الحيض، ويتحوّل السائل الأحمر إلى أزرق في إعلانات الفوَط الصحية.

يبدو أن الطّمث يتجاوز الانشغالات النسائية ليتحوّل إلى مادة للتدخّل الرجالي. أباحت الكثير من المستجوبات، أنّهن كثيراً ما يتحوّلن إلى مادة للسخرية الذكورية حين يتعلق الأمر بالعادة الشهرية

"نور الهدى" 26 عام طبيبة عامة، تحضر امتحان التخصص، من قسنطينة شرق الجزائر، أسرّت لي أن جدّتها تفتخر بأنها حافظت طيلة حياتها على سرّية فترة حيضها، ولم تعلم إناث العائلة كما رجالها بالموضوع، وتعيب على حفيداتها الحديث بحرية –في الجمعات النسائية- عن الطمث.

هذا تماماً ما يغضب الدكتورة نور الهدى؛ فالحيض هو مسألة صحية أولاً، يجب كسر الطابوه الذي يسجنها. في حين أن بقية المستجوبات أجمعن على كون الطمث موضوعاً أنثويا بامتياز، يحظر مناقشته أمام الجنس الآخر، وأحياناً أمام النساء أيضاً."نينا" تقول إنها تتحوّل لبائعة ممنوعات في فترة الحيض: "عليّ أن أتخفى، وأعامل فوَطي كالمخدّرات تماماً، ما يؤدّي إلى التصرف بغرابة، بل حتى في رمضان (حيث من الواجب عليها أن تفطر، تضطرّ إلى التخفي). التهكم والسخرية كانا من نصيبي حين سألتُ نساءً (عدا الناشطات النسويات والمثليات) إذا كنّ يطمحن إلى دمقرطة مفهوم الطمث، وجعله من المواضيع الواجب مناقشته، والحديث عنه دون عقدة وخوف أمام الجميع.

الطمث مشكلة الرجال أيضاً؟

يبدو أن الطّمث يتجاوز الانشغالات النسائية ليتحوّل إلى مادة للتدخّل الرجالي. أباحت الكثير من المستجوبات، أنّهن كثيراً ما يتحوّلن إلى مادة للسخرية الذكورية حين يتعلق الأمر بالعادة الشهرية. فهنّ عرضة لتصرفات صبيانية مزعجة ومهينة من سبيل التغامز والضحكات وبعض العبارات المسيئة حين يذهبن لاقتناء الفوَط من الصيدليات مثلاً. فالطمث حاضر كطابوه وجب الحفاظ عليه كذلك.

اقتناء علبة فوط صحية من بائع في صيدلية، يسبّب حرجاً للبائع وللمشترية، في حين أن الأمر يصبح أسهل بكثير إذا كانت البائعة امرأة، بشرط غياب تام للرجال. وغالباً ما تتمّ العملية بإشارات ونظرات: "أشير بيدي إلى المنتج دون أن أسمّيه، ويقوم البائع بلفّه بورق جرائد، أو يضيف أكياساً سوداء اللون. في هذا الحين تشتكي طبيبات وعاملات في القطاع الصحّي بأن الكثير من الرجال لا يحيطون تماماً بظاهرة الطمث، ولا يعرفون كافة التفاصيل الفيزيولوجية التي تعرفها النساء وقت الحيض، ممّا قد يفاقم المشكلات الأسرية.

الفوط الصحية وإشكايات الرعاية الصحّية للطّمث

تراوحت آراء النساء حول الموضوع بين من ترى تخفيض سعر الفوط ضرورة ملحّة، ومن لا تجد في ذلك أي مشكل. وفي المتوسط لا يقلّ سعر العلبة من الفوط المصنعة محلياً عن (70دج = 1،72دولار تقريباً). إلا أن الجزائريات يواجهن مشكلة غلاء الفوَط الصحّية، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار متوسّط الدخل الشهري للجزائري الذي لا يتجاوز 293 دولاراً = أقلّ من 33 ألف دينار جزائري)، كما أنهن يواجهن مشكلة التوعية من مخاطر استعمال وسائل بديلة غير معقمة، كالمناديل التي يتمّ صنعها يدوياً بوسائل بديلة كالقماش، وإعادة تدوير أقمشة قديمة.

في حين يبقى استعمال "التومبون" حكراً على المتزوجات، وعدد قليل جدّاً من الفتيات، فالغالبية يفضّلن استعمال الفوط خوفاً من فقدان عذريتهن. ونفس الأمر ينطبق على مختلف الابتكارات في هذا المجال. "تيما" و"نينا" هما الوحيدتان اللتان طالبتا بتوفير فوط بيولوجية. إلا أن الرعاية الصحية لا تتوقف هنا، فقد أجمعت كلّ النساء اللاتي حاورتهن أنهنّ يجدن من الضروري تقديم عطلة بيوم أو يومين شهرياً لكلّ امرأة بالغة، دعماً للصحة النسائية.

مشكلات قاعدية و حلول فوقية

ما تلمسته من خلال استجوابي لمجموعة صغيرة من النساء الجزائريات أنهنّ لا يحبّذن أيّ حركة مطالبة، فحول السؤال "هل ترين أنه من الضروري النزول إلى الشارع للمطالبة بتوفير رعاية صحية خاصّة بالنساء ذات علاقة بفترة الطمث؟"، أجمعت المستجوبات أنه لا ضرورة لذلك، وأن الشأن هو شأن سياسي؛ على المستويات السلطة العليا وضعُه وتسييره، وعلى وسائل الإعلام التوعية به.

وهذا في استمرار لتقليد سياسي جزائري محض، فتجريم التحرش وقانون منع تعدّد الزوجات إضافة إلى قانون الكوطة في التمثيل السياسي، كلّها قوانين فُرضت خلال العهدات المتتالية للرئيس المسقيل، لم يكن للناشطات النسويات غير الرسميات تأثير في سَنّها، ولم تكن نتيجة لمطالبة نسوية واجتماعية قاعدية في الموضوع؛ على عكس قانون الأسرة الذي تصمّ الآذان كلما تعالت أصوات تطالب بإعادة النظر فيه، ليخرج شيوخ الدين، وممثّلو الأحزاب الدينية أصحاب الحضور القوي، للشجب والتنديد، وتوزيع التُّهَم جزافاً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard