"يريدونها جاهلة ومطيعة ومربية أطفال"… عن المرأة العاملة في اليمن

الاثنين 7 أكتوبر 201903:00 م

تناضل المرأة اليمنية لأخذ حقوقها التي كفلتها لها القوانين المحلية والدولية، لكنها تقف عاجزة أمام العادات والتقاليد والنظرة المتشددة نحوها، والتي تضطرها في كثير من الأحيان لأن تكون فرداً تابعاً للرجل، يقرّر مصيرها في الزواج والعمل والدراسة، أو حتى في الخروج من المنزل والملابس التي ترتديها.

عندما أنظر إلى الدول العربية كمواطن يمني أشعر أن المرأة تجاوزت الكثير من الخطوط الحمراء، وباتت تطالب بالمساواة مع الرجل بالميراث، لكنها في اليمن، تبقى حبيسة المنزل، لا يسمح لها بالعمل في مختلف المجالات، وينظر للمرأة الموظفة أنها تحررت، وكسرت العادات والتقاليد في خروجها من المنزل.

وفي الوقت الذي تعيش فيه البلاد في حالة فقر مدقع، وفقدت آلاف النساء معيلهنّ بسبب الحرب، لكنهن غير قادرات على الخروج إلى سوق العمل للبحث عن وظيفة سواء في شركات أو محالٍ تجارية، إذ سوف يواجهن الكثير من الصعوبات، ونظرات الإدانة، لأن ذلك خارج إطار منظومة العادات والتقاليد التي تجعل المرأة "لاجئة" في المنزل، وفي المقابل، يتكفل ذكور الأسرة بتوفير احتياجاتها.

إذا مررت في أسواق اليمن وشوارعها في مختلف محافظات البلاد، لا تكاد ترى امرأة تعمل في المحال التجارية أو في البسطات، وحتى وإن وجدت، فهن من طبقات رازحة تحت نير الحاجة، أجبرتهن الظروف المعيشية والاقتصادية على العمل.

مها مفتاح (33 عاماً)، تعمل منظفة "فرّاشة" في إحدى المدارس بالعاصمة صنعاء، مقابل راتب لا يتجاوز عشرة دولارات في الشهر (5000ريال).

تذهب مها كل صباح إلى المدرسة، تعمل على تنظيف الفصول، ثم تعود إلى منزلها حاملة همومها على كفها، وتحمل أيضاً في قلبها ما سمعته من ألفاظ مسيئة لها بسبب عملها، بحسب حديثها لرصيف22.

تعيل مها أربعة أطفال وأمها أيضاً، وتضطر أحياناً للعمل في المنازل، على الرغم من امتعاض زوجها ورغبته في بقائها في المنزل، لكنه في المقابل عاجز عن توفير الاحتياجات الكافية للأسرة.

تحرشات وألفاظ نابية

"شغالة، فراشة، وخدامة، مابش معك زوج يشقي عليك، مابش معك أسرة"، هذه الجمل التي تسمعها مها بشكل يومي من بعض الأشخاص الذين تقابلهم، ما يجعلها في حزن دائم، لكنها مضطرة إلى العمل للبقاء هي وأسرتها على قيد الحياة.

قد تحظى الفتيات في اليمن بفرص عمل جيدة في المنظمات الإنسانية والمؤسسات والشركات، لكنهن خلال الخروج إلى العمل يواجهن الكثير من التحرشات والألفاظ النابية من قبل الشباب في الشوارع.

تعمل أماني علوي في معهد لتعليم الحاسوب بالعاصمة صنعاء، وتتعرّض لمضايقات من الشباب في شوارع المدينة، ما يجعلها تعود إلى منزلها حزينة وأحياناً باكية.

تعيل مها أربعة أطفال وأمها أيضاً، وتضطر أحياناً للعمل في المنازل، على الرغم من امتعاض زوجها ورغبته في بقائها في المنزل، لكنه في المقابل عاجز عن توفير الاحتياجات الكافية للأسرة
  "الموظفات والعاملات يتعرضن للعنف الاجتماعي والاضطهاد والاستغلال من قبل مدرائهن وزملائهن، ويحرمن من حقوقهن أيضاً"

ليس ذلك ما يحزن أماني فقط، فهي تعرضت للاستغلال من قبل مؤسسات ومعاهد عملت فيها، ما اضطرها للبقاء في المنزل، والاعتناء بأسرتها.

تقول أماني (26 عاماً) لرصيف22، أنها بالكاد أقنعت والدها بالعمل وسمح لها بالخروج، لكن وجدت إساءة كبيرة من قبل شباب وفتيات، وتحرش من قبل الشباب في الشوارع، حتى باتت تفضل المكوث في المنزل.

تضيف أماني: "هناك تخلف كبير وجهل في المجتمع اليمني، ونظرة سلبية لعمل المرأة أو خروجها من المنزل دون محرم، تجبر الكثير منا على الخضوع لأهلهن، والبقاء في المنازل للاهتمام بأمور الزوج والأطفال".

"تبقى ابنتي أغلى من أن أضعها محل أنظار الجميع"، بهذه العبارة وغيرها من الجمل المشابهة، يقنع والد سلمى الدعيس، فتياته بالجلوس في المنزل كلما حاولن إقناعه بالعمل.

تقول سلمى (22عاماً) لرصيف22: "يخشى والدي عليّ وعلى أخواتي من ذئاب المجتمع، فلا يقبل على الإطلاق أن تجرحنا أشواك ميدان العمل، فيرفض فكرة الوظيفة في أي مجال أو في أي مكان".

"يخاف والدي أن تشوَّه سمعتنا في حال خرجنا إلى العمل، وترفض العائلات الأخرى مصاهرتنا".

وتضيف سلمى: "يخاف والدي أن تشوَّه سمعتنا في حال خرجنا إلى العمل، وحتى لا ترفض الأسر الأخرى مصاهرتنا، فيقول لنا دوماً: أحب من يأتي إليّ ليقطف ورودي التي تعبت في زرعها وسقايتها ألا يرى حولهن أشواك".

وعن موقفها من نظرة والدها تقول الدعيس: "كنت وما زلت أرغب في العمل، لكنني لا أريد أن أغضب والدي، خصوصاً وأنه يعطينا كلما نريد، ويحافظ علينا كأنفاسه".

"تطيع زوجها وتعتني بطفلها"

في كثير من دول العالم، والبلاد العربية، يفضل الشباب المرأة المتعلمة والموظفة أيضاً، لكن في اليمن يتجه كثير من الشباب للزواج من الفتيات الريفيات، وغير المتعلمات، أو من حصلن على شهادة ثانوية، لأنهن، كما يعتقدون، أكثر طاعة لأزواجهن ويعتنين بأطفالهن.

المئات من النساء اللواتي أصررن على إكمال دراستهن الجامعية والعمل، سواء في المجال الخاص أو الحكومي، يعتبرن الأكثر عرضة لتأخر الزواج، حتى على عكس رغبتهن، في مجتمع لا يحبذ المرأة الموظفة والمتعلمة.

"المرأة الموظفة ستفرض عليك شروطها وقواعدها، وخصوصاً إذا امتلكت المال"، يقول  جمال الصبري (24عاماً)، الذي يفضل الزواج من فتاة غير جامعية وغير موظفة أيضاً.

ويضيف جمال، الذي يسكن العاصمة صنعاء، لرصيف22: "الكثير من الشباب لا يفضل الزواج من الفتيات اللواتي يعملن في الشركات والمؤسسات أو الفتيات الجامعيات، فمعظمهن قد وقعن في علاقات غرامية مع زملاء وأصدقاء، ما يجعل العلاقة متشوشة".

ويقول جمال معبراً عن نظرة الشباب الشائعة في المجتمع اليمني: "المرأة الموظفة تكون متحررة، وغير متقيدة بالعادات والتقاليد، وتخاطب الرجال من غير محارمها، بالإضافة إلى أنها تتخذ من وظيفتها ومالها وسيلة لتهديد زوجها بأنها في غنىً عنه، وقد تستغني عنه في أي لحظة".

"النخب السياسية تريدها جاهلة"

تعتبر معدلات مشاركة المرأة في القوى العاملة باليمن واحدة من أدنى المعدلات في العالم، فوفقاً لإحصاء أجرته منظمة العمل الدولية في 2013-2014، شاركت 6% فقط من النساء في القوى العاملة، بينما كانت 7% فقط من الوظائف تشغلها النساء.

وترى الأستاذة فاطمة مشهور، رئيسة مركز الدراسات الاجتماعية والبحوث، أن النخب السياسية والدينية لا ترغب في تحرر المرأة وقيادتها لمراكز سياسية كبيرة أو اقتصادية، وتعمل على إبقائها في الوظائف التعليمية والطبية والوظائف الخدمية الأخرى، وبشكل ضعيف جداً، مقارنةً مع الرجال، وحتى وإن وصلت المرأة إلى مناصب قيادية في الدولة تبقى تحت "رحمة" الذكور الذين يديرون البلاد. تقول مشهور في حديثها لرصيف22.

وتؤكد مشهور أن  الأمر لا يقتصر على ذلك فقط، ولكن النساء الموظفات والعاملات يتعرضن كذلك للعنف الاجتماعي، والاضطهاد، والاستغلال من قبل مدرائهن، وزملائهن، ويحرمن من حقوقهن في نهاية المطاف.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard