كيف حاربت بريطانيا جمال عبد الناصر بـ"الإخوان المسلمين"؟

الأحد 6 أكتوبر 201904:48 م

كشفت قناة بي بي سي عربية، في 6 تشرين الأول/أكتوبر، عن أن بريطانيا استغلت "شعبية وتأثير" جماعة الإخوان المسلمين في "حروب نفسية ودعائية سرية" ضد أعدائها ومن بينهم الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر بعد تأميم قناة السويس وتدخل مصر العسكري في اليمن الذي هدد مصالح بريطانيا النفطية بشكل خاص.

وأوضحت أن وثائقَ بريطانية، بعضها "بالغ السرية"، كشفت كيف روجت بريطانيا منشورات تحمل "زوراً" اسم جماعة الإخوان، لمهاجمة سلوك الجيش المصري في اليمن (منذ أيلول/سبتمبر عام 1962 حتى عام 1967) بضراوة.
ومثل اليمن ساحة للصراع بين نظام عبد الناصر الجمهوري الجديد من جهة، والسعودية وبريطانيا الاستعمارية من جهة أخرى، بحسب بي بي سي عربية.
وأفرج عن الوثائق المشار إليها بعد استجابة الخارجية البريطانية لطلب يستند إلى قانون حرية المعلومات.

ما الذي جاء في المنشورات؟

كُتب في منشور نُسب كذباً إلى "جمعية الإخوان المسلمين الدولية"، أن القوات المصرية في اليمن ليست مسلمة لأنها تقتل المسلمين بالغاز.
وروج لجميع الانتقادات والحجج التي طرحت داخل مصر وخارجها ضد التدخل العسكري المصري في اليمن الذي تسبب في هزيمة مصر في حرب 1967أمام إسرائيل
(النكسة) .
كُتب في منشور نُسب كذباً إلى "جمعية الإخوان المسلمين الدولية"، أن القوات المصرية في اليمن ليست مسلمة لأنها تقتل المسلمين بالغاز.
وجاء في ذلك المنشور : "إذا كان لابد للمصريين أن يخوضوا غمار الحروب، فلماذا لا يوجهون جيوشهم ضد اليهود؟" ثم "القنابل التي ألقيت على اليمن خلال الحرب التي تستعر نيرانها في هذا البلد المسكين لأربع سنوات، كانت تكفي لتدمير إسرائيل تدميراً تاماً".
ولأن لجوء عبد الناصر للتسلح من الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية أغضب البريطانيين، ركز المنشور على أن الجيش المصري "استخدم أسلحة السوفييت الشيوعيين في قتل اليمنيين المسلمين"، واصفاً المصريين بأنهم "كفرة وأبشع من النازيين".
وتساءل عن "من يستطيع أن يقاوم الصعقة عندما يصف شاهدو العيان العرب كيف قُتل 120 من الرجال والنساء الأطفال دفعة واحدة بعد أن أمر القواد المصريون الأشرار طياري الجمهورية العربية المتحدة في قاذفات القنابل التي صنعها الشيوعيون السوفييت الملحدون بإلقاء 25 قنبلة غاز، التي هي كذلك من صنع الشيوعيين، على قرية كتاف (شمال شرقي صنعاء)؟".
وثائق بريطانية سرية تكشف كيف روجت لندن منشورات تحمل "زوراً" اسم جماعة الإخوان، بهدف مهاجمة القوات المصرية في اليمن إبان حكم جمال عبد الناصر، تحت بند "الحرب النفسية"
رئيس الوزراء البريطاني دوغلاس هوم أمر بالانتقام من عبد الناصر بعد تأميم قناة السويس والتدخل في اليمن فروجت لندن منشورات باسم الإخوان المسلمين تصف المحاربين المصريين في اليمن بأنهم "كفرة واستعماريين وأبشع من النازيين" 
وتابع: "أيها الإخوان المؤمنون إن هذه الجرائم الفظيعة المخيفة التي تقشعر لها الأبدان واستعمال هذا السلاح البغيض المحرم استعماله دولياً في الحروب... هذا السلاح الذي لم يستعمله حتى هتلر المجنون ضد أعدائه في الحرب العالمية الثانية… هذه الجرائم لم يرتكبها الملحدون أو الاستعماريون أو اليهود الصهيونيون، بل ارتكبها المصريون الذين من المفروض أنهم مؤمنون".
وحرص البريطانيون على استخدام مفردات مشابهة لتلك التي كان الإخوان المسلمون يستخدمونها ليبدو المنشور وكأنه بالفعل صادر عن الجماعة، فورد فيه: "الحرب لها ما يبررها إذا كان العدو غير مؤمن أو من عبدة الأوثان... لكن أبناء اليمن إخواننا في الدين الحنيف. وحيث أنه لا يوجد أي مبرر لقتل إخواننا، فإن الجريمة بكل تأكيد تصبح أبشع وأفظع إذا هم قُتلوا بأقذر وأحقر سلاح دون ريب، ألا وهو الغاز السام".
ووصف المنشور المصريين أيضاً بأنهم "مستعمرون يتمادون في ارتكاب جرائم مروعة دون عقاب".
كما ناشد المسلمين بأن "يدينوا المصريين الكفرة ويرفضوا التعاون معهم في جميع الأمور لكي تظهروا تضامنكم مع شعب اليمن المستعبد في مصيبته الكبرى".
وكُتب المنشور أولاً بلغة عربية "عالية المستوى"، قبل ترجمته إلى الإنجليزية وتقديمه لأصحاب القرار من المسؤولين عن الحرب السرية لنيل الموافقة عليه قبل توزيعه، وفق بي بي سي عربية.
لأن لجوء عبد الناصر للتسلح من الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية أغضب البريطانيين، ركز المنشور على أن الجيش المصري "استخدم أسلحة السوفييت الشيوعيين في قتل اليمنيين المسلمين"

ما الذي دار في الكواليس؟

وبسبب تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي عام 1956 وتدخل مصر العسكري في اليمن بشكل هدد مصالح بريطانيا النفطية على وجه الخصوص، أمر رئيس الوزراء البريطاني دوغلاس هوم، في تموز/يوليو من العام 1964، وزير خارجيته راب باتلر بالانتقام من عبد الناصر بـ"جعل الحياة جحيماً بالنسبة له... باستخدام بالمال والسلاح".
وحث الوزير على القيام بذلك "سراً" و"إنكار ذلك إن أمكن" حال افتضاحه، فتكونت لجنة عمل سرية بمشاركة مختلف الأجهزة والوزارات المعنية لإدارة السياسة البريطانية تجاه اليمن.
وكان عبد الناصر قد أرسل عشرات الآلاف من قوات الجيش المصري إلى اليمن في أيلول/سبتمبر عام 1962، استجابةً لطلب دعم من قائد الانقلاب العسكري على نظام الإمامة (الملكي) المُؤيَد من السعودية وبريطانيا، عبد الله السلال.
أما عن السعودية، فكان عبد الناصر يؤمن بأنها ضد ثورة 23 تموز/يوليو عام 1952، التي أطاح الجيش المصري فيها الملكية، ورأى أيضاً أنها تسعى لتدمير الوحدة بين مصر وسوريا.
وكان الجمهوريون قد انتصروا على الملكيين في اليمن مطلع عام 1968، بعد انسحاب بريطانيا من الجنوب.
لكن ترددت شائعة تتهم القوات المصرية، خلال الشهور الأخيرة من وجودها في اليمن، باستخدام الغازات السامة، وقتل عدد كبير من اليمنيين.

تأليب المسلمين

ونفت مصر هذا الاتهام، قائلةً إنه جزء من "حملة نفسية بريطانية أمريكية" ضدها. ورحبت القاهرة، في شباط/فبراير عام 1967، بإجراء تحقيق أممي في ذلك. غير أن الأمم المتحدة قالت، مطلع آذار/مارس من العام نفسه، إنها "غير قادرة" على التعامل مع هذه القضية.
لكن بريطانيا لم تفوت هذه الفرصة، كما استغلت اسم وتأثير الإخوان المسلمين، آنذاك، في حربها السرية "لتأليب المسلمين، في مختلف الدول، على عبد الناصر ونظامه"، بحسب "بي بي سي عربية".
وما سهل مهمة بريطانيا آنذاك أن حربها السرية تزامنت مع الصراع بين نظام عبد الناصر والجماعة، لاسيما بعد اتهام الإخوان بتدبير مؤامرة للانقلاب على النظام في آب/أغسطس عام 1965، واعتقال الآلاف، وقتل العشرات منهم أثناء الاعتقال.
وكان عدد من الإخوان، بينهم أحد أبرز منظري الجماعة سيد قطب، قد أعدموا بعد ذلك بعام واحد، ما جعل الأجواء مواتية لتمرير المنشورات البريطانية المزورة على أنها صادرة عن الجماعة بالفعل.
حرص البريطانيون على استخدام مفردات مشابهة لتلك التي كان الإخوان المسلمون يستخدمونها ليبدو المنشور وكأنه بالفعل صادر عن الجماعة، فورد فيه: "الحرب لها ما يبررها إذا كان العدو غير مؤمن أو من عبدة الأوثان...

الحرب السرية

واعتادت أجهزة الحرب السرية البريطانية نشر منشوراتها من نقاط توزيع مختلفة ضمت دولاً عربية وإسلامية وغير إسلامية في إفريقيا وآسيا. وكانت ترسل منشوراتها إلى صحافيين وكتاب ومراكز بحثية وتعليمية ومنظمات دينية إسلامية وجمعيات أهلية ومؤسسات حكومية ووزراء في جميع تلك الدول.

ووفق ما يتضح من الوثائق، فقد بدأت فكرة إصدار منشورات مزعومة من الإخوان ضد عبد الناصر عقب زيارة مسؤول بالخارجية البريطانية لواشنطن، إذ قال المسؤول بعد عودته في إحداها: "تشاورت مع الآنسة ستيفنسون ووافقت على أنه من المرجح والطبيعي أن مثل هذا التنظيم (الإخوان) يرسل هذا المنشور".
بحسب الوثائق المشار إليها، لم يكن عبد الناصر الزعيم الوحيد المستهدف بتلك الحرب النفسية السرية، بل أيضاً الزعيم الإندونيسي الراحل أحمد سوكارنو ورئيس جمهورية الصين الشعبية الأسبق ماو تسي دونغ.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard