لأن "المسرح فضيحة" ولأننا لا نتقبل كشف أجسادنا أمام الآخرين...

الثلاثاء 8 أكتوبر 201910:45 ص

رغم وصف جمهور عروض الأداء الجسدي في دمشق بأنه "جمهور حار يجلب معه مشاعره إلى المسرح، وتكون عاطفته الجيّاشة حاضرة باستمرار"، بحسب مؤسسات مشروع أثر، نور أبو فراج، يارا توما، ودينا حسن، إلا أنهن في ورقتهن البحثية التي حملت عنوان "دراسة كيفية حول خبرة الجمهور في حضور وتلقي فنون الأداء الجسدي في دمشق"، وناقشوها ضمن لقاء مفتوح في "غاليري قزح" ضمن دمشق القديم، أوضحن أن علاقة ذاك الجمهور مع مفهوم الجسد إشكالية.

وأشرن أنّ "هناك من يرتبك عندما يكون التمثيل صامتاً والتعبير من خلال الحركة فقط... مع ملاحظة أن نسبة كبيرة من جمهور عروض الأداء الجسدي يتلقون تلك العروض، ولديهم رغبة أن يتم اعتبارهم غير موجودين".

هذه "الشخصية المستترة للجمهور السوري" تُفصِح عن الكثير على الصعيد الاجتماعي والنفسي، كما تُبدي خللاً فادحاً في الفهم والتلقي، وعدم القدرة على الوصول، خلال وبعد العرض الجسدي، إلى لذة تشبه "لذة القراءة" التي تحدَّث عنها "رولان بارت" والتي تناولتها "آن أوبرسفيلد.. Anne Ubersfeld" في كتابها "مدرسة المتفرج.. قراءة المسرح" بالقول: "ثمة أنواع شتى من المتع التي يجنيها المتفرج من خلال متابعته للعروض المسرحية، فهناك لذة المشاركة، لذة السخرية، لذة الفهم، لذة الضحك والبكاء، ولذة الحلم والمعرفة واللعب والمعاناة...".

الجسد كعلبة

هذه الرغبة في التخفي ناجمة عن عدم إدراك الجمهور السوري أنه مساهم فعلي في الفرجة، مثله في ذلك مثل الراقص والممثل والكريوغراف ومصمم الإضاءة والمخرج المسرحي، فهو "يعيد تركيب العرض كله على المحورين العمودي والأفقي، إذ إنه ليس مضطراً لتتبع حكاية معينة فقط، بل إعادة تركيب الوجه العام لكل العلاقات المتصلة بالعرض في كل لحظة"، كما تؤكد "أوبرسفيلد"، لكن على ما يبدو أن شرخاً آخر في تلقي عروض الأداء الجسدي ناجمة عن كون الجمهور السوري "سمعي لا بصري، يحب القصة والحكاية والحوار".

والأهم أنه "ينظر إلى الجسد كعلبة يقبع المرء بداخلها، ما يعيقه عن قراءة ما يحاول ذاك الجسد قوله، فكيف بمجموعة من الأجساد تتحرك على الخشبة أمامه، لاسيما أننا كمجتمع سوري ما زلنا لا نتقبل عملية كشف أجسادنا أمام الآخر، فالناس في دمشق غير مرتاحين بحركتهم في الشارع، لا يأكلون على الرصيف، ولا يمسكون بأيدي بعضهم البعض، ويترددون في التعبير عن مشاعرهم في العلن، وبالتالي فإن عملية عرض الجسد غير مريحة بالنسبة لنا كسوريين، لا على صعيد أن يعرض المرء جسده، ولا على صعيد مشاهدة الآخر يعرضه".

"ثمة أنواع شتى من المتع التي يجنيها المتفرج من خلال متابعة للعروض المسرحية، فهناك لذة المشاركة، لذة السخرية، لذة الفهم، لذة الضحك والبكاء، ولذة الحلم والمعرفة واللعب والمعاناة..." فلما نجد عند نسبة كبيرة من جمهور عروض الأداء الجسدي في دمشق رغبة في التخفي وأن يتم اعتبارهم غير موجودين؟

الناس في دمشق غير مرتاحين بحركتهم في الشارع، لا يأكلون على الرصيف، ولا يمسكون بأيدي بعضهم البعض، ويترددون في التعبير عن مشاعرهم في العلن، وبالتالي فإن عملية عرض الجسد غير مريحة بالنسبة لنا كسوريين، لا على صعيد أن يعرض المرء جسده، ولا على صعيد مشاهدة الآخر يعرضه

"المخاطرة بالذهاب إلى المسرح" 

عينة البحث ضمّت ستين شاباً سورياً أعمارهم بين 18 و35 عاماً، إلى جانب عدد من المختصين في المسرح هم: د. نبيل أسود، د. أسامة غنم، د. سامر عمران، مصممة العروض الراقصة نورا مراد، الراقصة والكريوغرافر حور ملص، الدراماتورج إبراهيم جمعة، المخرج ميار ألكسان، الراقص وديع خوري، الممثلة رنا كرم، المخرج مأمون الخطيب، والمخرجة آنا عكاش، (حضر اللقاء المفتوح إبراهيم ورنا فقط).

وبعد الجلسات الحوارية والنقاشات التي استمرت 14 شهراً، استطاعت الباحثات الثلاث أن يحددن دوافع الجمهور السوري لحضور عروض الأداء الجسدي بـ"التسلية والمتعة الشخصية، المتعة الذهنية والاستسلام للتداعي الحر، المتعة البصرية، وسيلة للتفاعل الاجتماعي مع الأقران لاسيما أن الحضور يتم بشكل جماعي"، لكن حواجز المتابعة، أو ما تم توصيفه بـ"المخاطرة بالذهاب إلى المسرح" كانت أكبر وأكثر عمقاً.

منها "السوية السيئة للعروض، إلى جانب الموقف السلبي لجمهور المسرح من الفن المحلي، والقيم الدينية والأخلاقية كعامل مؤثر غالباً ما يتم التكتم عليه، أو ربطه بالآخر على اعتبار أنه هو من لديه المشكلة، فضلاً عن الهوية الملتبسة لبعض ما يُقدَّم على الخشبات السورية، والرقابة السياسية على العروض ضمن المنظومة الثقافية القائمة".

وعلَّق عليها الدكتور طلال معلا، المسؤول عن التراث الثقافي اللامادي في الأمانة السورية للتنمية بالقول: "بعد إحداث المعهد العالي للفنون المسرحية ثمانينيات القرن المنصرم، كان من المفترض أن تتطور الحركة المسرحية السورية، وأن يتكون جمهور على الصعيد الاجتماعي أعمق من الذي سبق ذاك الإحداث، لكن بسبب عدم وجود سياسة ثقافية لدى وزارة الثقافة السورية، وكون جميع العروض تمر عبر مصفاتها، فإننا نستطيع اعتبارها أحد عوامل تراجع المسرح في سوريا، عروضاً وجمهوراً".

المسرح فضيحة!

الشاب المسرحي محمد عنبري اتفق مع الدكتور طلال وأضاف: "الوضع الثقافي العام مخيِّب، فعندما أريد حضور عرض ضمن المعهد العالي للفنون المسرحية مثلاً، أشعر بأنني أحضر شيئاً من المحرمات، إذ يتم التعاطي مع المسرح على أنه فضيحة ينبغي إخفاؤها، والقائمون على الثقافة في سوريا لا يريدون لأحد أن يحضر العروض المسرحية، لأنه يسبب لهم مشاكل، وكأن المسرح فضيحة مختبئة بوجه ثقافي".

وعلَّق عنبري من تجربته الشخصية بالقول: "أنا أقطن في العشوائيات وشغلي المسرحي كان فيها، ولم أبتغِ أو أستهدف في عملي الشريحة المثقفة، أو طلاب الجامعات، وإنما عامة الناس، وعندما كنت أسألهم لماذا لا تحضرون عروض المسرح الراقص؟ كانت إجاباتهم بأنهم لا يملكون الوقت، أو يركضون وراء الرغيف، وهناك من يردّ بأنه ليس مضطراً لقضاء نصف ساعة لرؤية شخص "يشوبر" (يهز يديه)، أما مثقفونا فللأسف باتوا معتادين على اللقمة الجاهزة، بمعنى أنهم لا يُشغِلون تفكيرهم بالرقص وفك شيفراته".

أكد الراقص وجد منصور على دور المؤسسات الرسمية وأثرها الكبير في تحقيق نهضة في المسرح وتلقِّيه، لكنه في الوقت ذاته وضع جزءاً كبيراً من المسؤولية على عاتق المشتغلين بالمسرح والأعمال الراقصة على وجه التحديد، إذ قال: "ما زالت الفرق الراقصة تقدم فقط العروض الرديئة، أما المسرح الحركي فبات من الماضي، وفي هذه الفترة هناك تدنٍ في نصوص العروض الحركية، وفي الرؤية الإخراجية والدراماتورجية، ولذلك علينا أن نعذر المتفرج إن قال إنه لا يفهم، فعندما نقدِّم له نتيجة على الخشبة من دون إيضاح سببها المنطقي، فمن حقّه أن يعترض على عدم الفهم، لاسيما أن العروض الراقصة تتسم ببعض التجريد في الحركة، وتلقيها أصعب من المسرح التقليدي المشتمل على الحوار والشخصيات والحدث الواضح وغير ذلك، لذا علينا مراعاة كل هذه الأمور في اشتغالاتنا المسرحية".

قطيعة مع الجمهور

الغريب في الأمر أن معظم المختصين الذين شملتهم عينة الدراسة، كانوا مع عدم التفكير بجمهورهم أثناء الإعداد لأعمالهم، مع التركيز على إنتاج عملهم الفني بأفضل طريقة ممكنة وفق قولهم لباحثات مشروع أثر.

وكأن ثمَّة قطيعة يُراد لها أن تتكرس مع الجمهور، رغم أن المسرح فن يتطلب المشاركة باتجاهين: مشاركة الممثل الجسدية والنفسية، ومن خلفه كاتب النص والمخرج وبقية عناصر العرض، ومشاركة المتفرج الجسدية والنفسية وهو يوظف حياته الفردية في علاقة جماعية، يختار استجابته فيها إما برفضه الدخول ضمن اللعبة المسرحية أساساً، أو قبوله التحدي ومجابهة قدرته على إنشاء المعنى، وفق خبراته الثقافية والاجتماعية والحياتية بشكل عام.

هذا الاستثمار الذهني والجسدي لا يتحقق في أي نشاط آخر كما يتحقق في المسرح الذي يتميز بطابع خاص مميز ومختلف، من حيث دور الجمهور فيه كحلقة لإكمال وإنجاح هذا النشاط، من خلال وجوده في العملية ودوره في قراءة العرض.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard