"أراد إخراج المرأة التي في داخلي... بضربي"

السبت 5 أكتوبر 201912:28 م
Read in English

عندما كان عمرها 18 عاماً، هربت ماريا من منزل والدها بعد أن ضربها بعنف حتى فقدت الوعي، ثم ربطها لمدة أسبوعين بسلاسل حديدية تمتد من سريرها إلى الحمام. قالت ماريا: "أراد إخراج المرأة التي في داخلي... بضربي". بعد ست سنوات، ما زالت تقاوم من أجل البقاء.

ماريا امرأة مُتغيرة النوع الاجتماعي (ترانس) في لبنان. قصتها واحدة من الروايات العديدة المفجعة التي سمعتها من نساء ترانس هناك.

خلال العام الماضي، قابلت 50 امرأة ترانس تحدثن عن كيفية العيش والبقاء في لبنان. وجدت أنهن يعانين من العنف والتمييز الهيكليين في جميع جوانب حياتهن - في البيت، وفي الشارع، وأثناء البحث عن العمل، والسكن، والرعاية الصحية، وفي نقاط التفتيش المنتشرة في كل مكان في لبنان. كل النساء اللواتي تحدثت إليهن ذكرن أنه من المستحيل تقريباً بالنسبة لهن عيش حياة آمنة وكريمة في لبنان.

بالنسبة للعديد من النساء الترانس اللواتي قابلتهن، يُعد التعامل مع هويتهن الجندرية في مجتمع أبوي بمثابة عذاب. غالباً ما يُجبَرن على اتخاذ قرار من اثنين: أن يكنّ أنفسهن علناً ويدفعن ثمن ظهورهن، دون أي حماية حكومية، أو أن يُعانين من خلال ممارسة رقابة ذاتية شديدة.

قالت ماريا إنها بعد أن فرت من والدها المُعتدي، قررت أن تعيش حقيقتها كامرأة، لكنها لا تزال "ذكراً" على بطاقة هويتها. بعد تعرضها للرفض مرات لا تُحصى من أصحاب العمل بسبب عدم تطابق بطاقة الهوية، وجدت ماريا أخيراً وظيفة في صالون للحلاقة بالكاد توفر لها تغطية مصاريفها. بعد فترة وجيزة، قال لها رئيسها إن مظهرها أصبح "أنثوياً جداً"، فطردها. منذ ذلك الحين لم تعمل.

عندما حاولت العثور على مكان للسكن، قال لها العديد من المالكين، بعد رؤية هويتها كـ"ذكر"، إن مظهرها "غير طبيعي" فرفضوا تأجيرها. ولأن لبنان ليس لديه قوانين مناهضة للتمييز، لم يكن بإمكان ماريا القيام بالكثير.

عندما كان عمرها 18 عاماً، هربت ماريا من منزل والدها بعد أن ضربها بعنف حتى فقدت الوعي، ثم ربطها لمدة أسبوعين بسلاسل حديدية تمتد من سريرها إلى الحمام... ماريا امرأة ترانس، وقصتها واحدة من روايات العنف والتمييز المفجعة في لبنان

عندما شاهد عناصر الأمن هويتها الذكرية، سخروا منها، وجعلوها تخلع ملابسها الداخلية في الشارع... في لبنان، يمكن للترانس تغيير خانة الجنس في الوثائق الرسمية فقط بحكم قضائي، بعد إجراء عملية جراحية مكلفة (نحو 70 ألف دولار أمريكي)، غير مرغوب فيها أحياناً

قالت لي ماريا، إنها تُركت في الشارع دون وظيفة أو مأوى، تُقاتل ضد الإساءة اللفظية، والتحرش الجنسي، والعنف الجسدي. لم تستطع اللجوء إلى قوى الأمن لحمايتها - لأنها تعرف أنها لن تقدم الدعم الكافي لامرأة ترانس. والأسوأ من ذلك أنه في كل مرة يتم إيقافها عند نقطة تفتيش أمنية، كان عناصر الأمن يضايقونها. وفي إحدى المرات، عندما شاهد عناصر الأمن هويتها الذكرية، سخروا منها، وجعلوها تخلع حمالة صدرها وملابسها الداخلية في الشارع، وشجعوا المارة على إهانتها، واحتجزوها طوال الليل - لمجرد وجودها علناً كامرأة ترانس.

في لبنان، يمكن للأشخاص الترانس فقط تغيير أسمائهم وخانة الجنس في الوثائق الرسمية من خلال حكم قضائي، وغالباً بعد تشخيص "ديسفوريا جندرية" (أو "اضطراب الهوية الجندرية") وإجراء عملية جراحية، وهي مكلفة (نحو 70 ألف دولار أمريكي) وغير مرغوب فيها في بعض الأحيان. تُحجِم الكثير من النساء الترانس، مثل ماريا، عن السعي للحصول على أحكام بسبب ارتفاع الرسوم، وغياب المساعدة القانونية، وإجراءات مطولة للمحكمة.

قالت ماريا: "علينا إجبار أنفسنا على أن نمشي ونتحدث ونرتدي ملابس حسب ما يقتضي المجتمع حتى لا نتعرض للضرب من أي شخص كان في مزاج سيء ذاك اليوم. علينا أن نضحي بكينونتنا كلها. لا أحاول استفزازهم، هذا فقط ما أنا عليه".

"على الحكومة اللبنانية سن تشريعات تحمي ضد جميع أشكال التمييز، بما في ذلك على أساس الهوية الجندرية، وأن تنشئ عملية إدارية بسيطة تسمح للأشخاص الترانس بتغيير أسمائهم وخانة الجنس".

قالت لي ليلى (34 عاماً)، امرأة ترانس حائزة على شهادة في تكنولوجيا المعلومات، إنها تكتم هويتها يومياً من أجل البقاء على قيد الحياة. قالت إنها لا تشعر بالأمان حين تكون هي نفسها في لبنان، وأنها "تُخفي ليلى" حتى تجد وسيلة لمغادرة البلاد.

المكان الوحيد الذي تشعر فيه ليلى بالأمان هو المركز الاجتماعي لمنظمة لبنانية تُدافع عن حقوق مجتمع المثليين/ات، ومزدوجي/ات التوجه الجنسي، ومتغيري/ات النوع الاجتماعي (مجتمع الميم). قابلتها في المركز، حيث كانت قادرة على ارتداء ملابسها والتعبير عن نفسها انسجاماً مع هويتها الجندرية.

تقع على لبنان مسؤولية إنهاء العنف والتمييز الهيكليين ضد النساء الترانس. وعلى الحكومة اللبنانية سن تشريعات تحمي ضد جميع أشكال التمييز، بما في ذلك على أساس الهوية الجندرية، وأن تنشئ عملية إدارية بسيطة تسمح للأشخاص الترانس بتغيير أسمائهم وخانة الجنس في وثائق هويتهم بناء على تصريح شخصي.

شبكة العنف الذي تتعرض له النساء الترانس في ظل البنية الاجتماعية في لبنان تطاردهن طوال حياتهن. عندما يُحرَمن من السكن، والعمل، والرعاية الصحية، والقدرة على الإبلاغ عن التمييز، لن يكون لديهن مكان يذهبن إليه. وعندما لا يستطعن حيازة وثائق هوية تعكس هويتهن، فإنهن يُهمشن بشكل بنيوي، ويتم إنكار وجودهن.

بعد انتهاء مقابلتي مع ليلى، دخلت الحمام، ونزعت فستان البولكا، وارتدت بذلة وربطة عنق. مشطت شعرها إلى الخلف. شعرت بالعُقدة تعود لتلتف حول عنقها وهي تخرج إلى شوارع بيروت في هيئة الرجل الذي لم تكنه.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard