العراقيون في الشوارع لليوم الرابع... عشرات القتلى ووعود حكومية متأخرة

الجمعة 4 أكتوبر 201904:36 م

فتح الأمن العراقي النار على عدد من المحتجين الذين احتشدوا في بغداد، في 4 تشرين الأول/أكتوبر، بعد ثلاثة أيام من الاحتجاجات الدامية المناهضة لحكومة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي الذي سعى إلى التهدئة، واعداً بإصلاح غير واضح المعالم، ومتحدثاً عن عدم وجود "حل سحري" متاح.

وعم الهدوء غالبية أرجاء العاصمة العراقية قبيل صلاة الجمعة، فيما انتشر أفراد الجيش والقوات الخاصة في الميادين والشوارع الرئيسية في ظل حظر التجول الذي فرضته الحكومة فجر 3 تشرين الأول/أكتوبر برغم أن الآلاف لم تلتزمه.

حصيلة الضحايا

ونقلت وكالة رويترز عن مصادر طبية وأمنية تأكيدها ارتفاع حصيلة ضحايا 3 أيام من الاحتجاجات والاضطرابات إلى 44 قتيلاً وبضعة مئات الجرحى.

ولفتت المصادر إلى أن العدد الأكبر من القتلى وقع في مدينة الناصرية (جنوب البلاد) وبلغ 18 شخصاً، و 16 في بغداد.

في حين أشارت مفوضية حقوق الإنسان في العراق إلى وفاة 37 شخصاً من المدنيين والأمن، حتى نهاية اليوم الثالث من الاحتجاجات، علاوةً على إصابة ١٣٢٩ من الجانبين.

وأبرزت المفوضية توقيف ٢٧٢ شخصاً حتى منتصف ليل رابع أيام الاحتجاجات.

وخرجت أقوى الاحتجاجات في مدن العاصمة بغداد والناصرية والعمارة والحلة وذي قار وبابل والنجف، فيما شهدت الديوانية والسماواة تظاهرات متقطعة.

وواجهت السلطات العراقية الاحتجاجات بوابل من الرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع.

وفي هذا الإطار، قالت منظمة العفو الدولية، في 3 تشرين الأول/أكتوبر، إن على الحكومة العراقية أن "تأمر قوات الأمن على الفور بوقف استخدام القوة المفرطة، بما في ذلك القوة المميتة، ضد المحتجين، وضمان البدء في التحقيق، الذي أُعلن عنه، على أن يكون مستقلاً ومحايداً تماماً".

واعتبرت مديرة البحوث للشرق الأوسط في منظمة العفو الدولية لين معلوف أنه "من الشائن أن تتعامل قوات الأمن العراقية مراراً وتكراراً مع المحتجين بهذه الوحشية باستخدام القوة المميتة، وغير الضرورية. ومن المهم أن تضمن السلطات إجراء تحقيق مستقل وحيادي في استخدام قوات الأمن للقوة التي لا لزوم لها أو المفرطة".

ماذا يجري في العراق؟

ويشهد العراق أول احتجاجات كبرى يسقط فيها قتلى منذ أكثر من عام.

وبعد عامين من هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية يعيش قطاع كبير من سكان العراق، قرابة 40 مليون نسمة، في أوضاع متدهورة برغم ما يملكه من ثروة نفطية.

وفيما تحسن الوضع الأمني عما كان عليه قبل سنوات، بقيت البنية التحتية متهالكة، لا سيما الخاصة بالمياه والكهرباء، ولم تمتد إليها يد الإصلاح.

ويتهم الشباب "قيادات فاسدة" علناً بالمسؤولية عن ذلك ويقولون إنها لا تمثلهم. وتشير تقارير رسميّة الى أنه منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003، اختفى نحو 450 مليار دولار من الأموال العامة، وهو ما يعادل أربعة أضعاف موازنة الدولة، وأكثر من ضعفَيْ الناتج المحلّي الإجمالي للعراق.

عودة حديث المؤامرة

في المقابل، سعى البعض إلى الترويج لسيناريوهات "المؤامرة"، فنجد رجل دين إيرانياً بارزاً هو آية الله محمد إمامي كاشاني، وقد ألقى  باللوم على الولايات المتحدة وإسرائيل في "إشعال التوتر في العراق لعرقلة مراسم أربعينية الحسين التي تعد من أهم المناسبات الدينية لدى الشيعة" وتقام في وقت لاحق من الشهر الجاري، وفق ما ذكرته وكالة تسنيم شبه الرسمية للأنباء.

وقال كاشاني خلال خطبة الجمعة، 4 تشرين الأول/أكتوبر: "العدو عقد العزم على (مواجهة) الأمة الإسلامية. أمريكا والصهيونية تستهدفان الأربعينية والعراق وتثيران أزمة لأنه من الصعب عليهما قبول وجود ملايين (الزوار الشيعة) في كربلاء"‬.

كما نقلت صحيفة "الأخبار" اللبنانية عما أسمته "مصادر أمنية رفيعة" أن التظاهرات أخذت منحى عنيفاً أشبه ما يكون بـ"الفوضى الهدامة"، في إشارة إلى "مخطط أمريكي"، وأضافت: "يبرز هنا الحديث عن ‘انقلاب‘ أو ‘حكومة إنقاذ‘ أو ‘حاكم عسكري‘"، نافيةً أن يكون ذلك من قبيل "سردية حكومية تقليدية" أو "نظريات مؤامرة لتخدير الشارع".

ارتفعت حصيلة القتلى إلى 44 شخصاً، بينما يَعِد رئيس الحكومة العراقية بإصلاحات ويطالب بصلاحيات لإجراء تعديلات بعيداً عن "المحاصصة"، ويشدد على عدم وجود "حل سحري" لتلبية طلبات المتظاهرين
"مؤامرة من أجل الفوضى الهدّامة"، "مخطط أمريكي"، "انقلاب"... نظرية المؤامرة تحيط بالحراك العراقي

وتابعت أن صحة ما تقدمت به يثبته أن "مشروعاً كُشف عنه منذ ثلاثة أشهر، بالتعاون مع عدد من الأجهزة الاستخبارية، يقضي بتحريك تظاهرات مطلبية، واستثمارها وخرقها ودفعها تالياً باتجاه العنف، وخلق حالة من الفوضى والبلبلة في البلاد، وهذا ما يؤدي، بطبيعة الحال، إلى صدام كبير بين الشعب والقوات الأمنية، إلى جانب تغطية إعلامية مكثفة وتفلّت أمني كبير في عموم أنحاء البلاد".

وختمت بالإشارة، نسبةً إلى مصادرها المجهلة، إلى أنه "في نهاية الأمر، تخمد الأزمة المفتعلة بخروج قائد عسكري محبوب جماهيرياً، بالتعاون مع الأمريكيين، ليتصدّر المشهد ويكون قائداً لحكومة إنقاذ أو أمر واقع، وبذلك تعيد الولايات المتحدة إحكام سطوتها على العراق".

هل وصلت الرسالة؟

وخلال كلمة متلفزة، بثت فجر 4 تشرين الأول/أكتوبر، خاطب  عبد المهدي المتظاهرين بقوله "صوتكم مسموع قبل أن تتظاهروا ومطالبكم بمحاربة الفساد والإصلاح الشامل هي مطالب محقة". لكنه طالبهم في الوقت نفسه بإعادة "الحياة إلى طبيعتها في مختلف المحافظات واحترام سلطة القانون".

وأشار رئيس الحكومة إلى أنه لا يوجد "حل سحري" لمشكلات الحكم واستغلال السلطة المزمنة في العراق، إلا أنه تعهد محاولة إقرار قانون يمنح الأسر الفقيرة راتباً أساسياً يساعدها في المعيشة.

وأوضح: "لدينا مشروع سنقدمه إلى مجلس النواب خلال فترة قصيرة لمنح كل عائلة لا تمتلك دخلاً كافياً راتباً يضمن لكل عائلة عراقية العيش بكرامة".

وانطلقت الاحتجاجات في العراق، في 1 تشرين الأول/أكتوبر، للمطالبة بمحاسبة الفاسدين وتحسين الخدمات وتوفير فرص عمل للشباب، غير أنها سرعان ما ركزت مطالبها على إسقاط حكومة عبد المهدي.

وفي كلمته أيضاً، حث عبد المهدي المشترعين العراقيين على دعمه ومنحه صلاحيات لإجراء تغييرات وزارية، وقال: "نطالب مجلس النواب والقوى السياسة الالتزام الكامل بمنح رئيس مجلس الوزراء صلاحية استكمال تشكيلته الوزارية وإجراء تعديلات وزارية بعيداً عن المحاصصة السياسية".

وفي أول رد فعل على كلمته، دعا النائب الأول لرئيس مجلس النواب عادل عبد المهدي رئيس الوزراء للاستماع لمطالب المتظاهرين وفتح تحقيق عاجل في أحداث التظاهرات.

وشدد الكعبي في بيان على أن "مجلس النواب يبدي دعم السلطة التشريعية لحق التظاهرات السلمية في بغداد والمحافظات ما دامت تتم وفق الدستور والقانون"، مطالباً عبد المهدي بفتح "تحقيق عاجل وعادل في أحداث اليوم الثالث للاحتجاجات والاستماع إلى المطالب المشروعة للمتظاهرين والاستجابة لها".

وبيّن أن "هيئة رئاسة مجلس النواب سبق أن وجّهت لجنتي الأمن والدفاع، وحقوق الإنسان النيابيتين إلى فتح تحقيق نيابي في الأحداث التي جرت، في ثالث ورابع أيام الاحتجاجات، وقد باشرت اللجنتان الإجراءات كافة على نحو يحفظ حقوق جميع أبناء الشعب ومطالبهم".

المرجعية الشيعية تعلّق

وخلال خطبة الجمعة، حث الزعيم الأعلى لشيعة العراق علي السيستاني قوات الأمن والمحتجين على عدم استخدام القوة، كما انتقد زعماء العراق لتقاعسهم عن القضاء على الفساد وخص باللوم نواب البرلمان العراقي.

وورد في الخطبة التي ألقاها نيابة عن السيستاني ممثله أحمد الصافي في كربلاء أن الاضطرابات "خلّفت عشرات الضحايا وأعداداً كبيرة من الجرحى والمصابين والكثير من الأضرار على المؤسسات الحكومية وغيرها، في مشاهد مؤلمة ومؤسفة جداً"، مشيراً إلى أن الحكومة والقوى السياسية لم تستجبا لمطالب الشعب في مكافحة الفساد أو تحققا أي شيء على أرض الواقع.

كما حذر مصدر مقرب من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر من "خطر محدق" في العراق، في إشارة إلى القمع الدامي للاحتجاجات.

واعتبر صالح محمد العراقي، في منشور عبر حسابه في فيسبوك، أن "التكتيم الإعلامي وقطع الإنترنت في العراق ينذران بخطر محدق"، مردفاً "سلاماً أيها الثوار".

وكان مرصد نتبلوكس لمراقبة الإنترنت قد أكد، مساء 2 تشرين الأول/أكتوبر، انقطاع الإنترنت عن معظم أنحاء العراق بما في ذلك العاصمة بغداد، قبل أن يعود ليعلن عودة الخدمة "جزئياً" في ساعة متقدمة من ليل 3 تشرين الأول/أكتوبر، ويعلن مرة ثالثة قطعها بعد ساعة واحدة على إعادتها الجزئية.

دول تحذر من التوجه إلى العراق

ودعت عدة دول عربية وشرق أوسطية مواطنيها إلى "التريث وعدم (أو تأجيل) السفر إلى العراق خلال الفترة الراهنة بسبب الظروف الأمنية"، وهي قطر والكويت والبحرين وإيران وتركيا.

ودعت وزارة الخارجية البحرينية جميع المواطنين البحرينيين في العراق إلى "ضرورة المغادرة فوراً ضماناً لأمنهم وحفاظاً على سلامتهم".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard