"الفتيات يرفضن الارتباط بي وأهلي قاطعوني"... أن تكون شيعياً في المغرب

الجمعة 4 أكتوبر 201906:27 م

"إن كنت تعتنق المذهب الشيعي في بلاد المغرب، فعليك إذن أن تعتاد ألا تخبر أحداً عن قناعتك، وإلا ستكون موضع تساؤلات واستفسارات مزعجة لا تنتهي"، بهذه العبارات، يوجز لنا أحمد (45 سنة)، من مدينة طنجة، قصته بعد اعتناقه المذهب الشيعي في مجتمع أغلبه سني.

اعتنق أحمد المذهب الشيعي قبل 15 سنة، تعرف على أحد الشيعة المعروفين في مدينة طنجة، واقتنع بأن "المذهب الشيعي ليس بذلك السوء الذي يتم الترويج له من طرف السلفيين في المغرب"، بحسب تعبيره.

ويعلّق أحمد على هذا الموضوع: "يتم ترويج أن الشيعة خطر على المغاربة، وأنهم غير مسلمين ويشتمون الصحابة ويشكلون خطراً على السنّة".

إلا أن أحمد يشدد على أن هذه مجرد مغالطات ومزايدات، وأن "الشيعة مسالمون ويؤدون الفرائض والعبادات تماماً كباقي المسلمين".

ويضيف أحمد، الذي يعمل تاجراً في أحد الأسواق التجارية في مدينة طنجة، شمال المغرب، أنه "عند اعتناقه المذهب الشيعي، حاول إخبار أسرته وأصدقائه بذلك".

"المغاربة شيعة بالفطرة"

ويحكي أحمد لـرصيف 22: "في البداية، الكل عبر عن صدمته، عندما أخبرت والدي والمقربين مني بأنني أصبحت شيعياً، والسؤال الذي طرحه الجميع علي: لماذا المذهب الشيعي؟

ويكمل بانفعال، وهو منشغل في ترتيب محله المليء بالأثاث والإكسسوارات التي تهم المنزل: "المغاربة شيعة بالفطرة، تقاليدنا وتاريخنا مرتبطان بالشيعة، حتى أنه من بين الموروثات الشيعية الرائجة في المغرب، والتي لا يزال العمل بها قائماً عند الكثيرين منا، وضع يد "خميسة" على باب المنزل، أو على جدرانه، والتي تسمى بـ"يد فاطمة الزهراء"، اعتقاداً منا أن هذه "اليد" تحمي من العين الحاسدة، فضلاً عن الموشحات التي تتوسّل لأهل البيت وفاطمة الزهراء كلها تتعلق بالثقافة الشيعية".

"إن كنت تعتنق المذهب الشيعي في المغرب، فلا تخبر أحداً عن قناعتك، وإلا ستكون موضع تساؤلات واستفسارات مزعجة"
"أتذكر أن فتاة أعجبت بها كثيراً، وبعد شهور من المواعدة، أخبرتها بأنني مغربي شيعي. الفتاة سرعان ما عبرت عن صدمتها بطرح أسئلة لا تنتهي"

في البداية حاول أحمد إقناع والده جاهداً بأنه لم يرتد عن الدين الإسلامي، وأنه لازال مسلماً ويؤدي الشهادتين، لكن، يبرر أحمد بنبرة قلقة: "تلك الأحكام المسبقة عن الشيعة دائماً ما تكون حاضرة في نقاشاتنا، ما يعجّل بمخاصمتنا تارة وتارة أخرى بترك هذا الموضوع جانباً".

لا يخفي أحمد ندمه بإخبار أقاربه عن اقتناعه بالمذهب الشيعي، يقول إن "بعضهم لم يعد يتحدث معه، والبعض الآخر فضل وضع حدوداً لعلاقته معه"، يضيف "لو لم أخبرهم لكنت مرتاحاً".

يجد أحمد صعوبة في الارتباط والزواج، يقول إنه في كل مرة تقع عيناه على فتاة جميلة ترفضه، والسبب، وفقاً لتعبيره، لكونه شيعياً.

يتابع أحمد حديثه: "دائماً الطرف الآخر ما يرفض الاقتران بي، أتذكر أن فتاة أعجبت بها كثيراً، وبعد شهور من المواعدة، أخبرتها بأنني مغربي شيعي. الفتاة سرعان ما عبرت عن صدمتها بطرح أسئلة لا تنتهي، من قبيل: لماذا اخترت الشيعة وليس السنّة كباقي المغاربة؟ هل تعمل لصالح إيران؟ هل أنت عدو تضمر لنا الشر؟ هل تشتم الصحابة؟ هل تؤمن بالنبي؟".

لكن أنس (30 سنة)، وهو أستاذ المادة الإنجليزية في إحدى المؤسسات التعليمية في الدار البيضاء، يحكي العكس، يقول إنه "يمارس عمله بشكل طبيعي، من دون أي مضايقات من طرف زملائه في العمل"، فبحسب تعبيره: "أن تشيعه لم يكن عائقاً في أن يتواصل مع باقي المغاربة بشكل طبيعي، وأقاربه أو معارفه تقبلوا حقيقة اعتناقه المذهب الشيعي بصدر رحب".

لكن ما يقلق أنس هو أنه لم يستطع إقناع أي فتاة في الارتباط به، يقول: "بمجرد أن يعرفن أنني شيعي، يقطعن علاقتهن بي، وهذا أمر ظالم ومحزن".

البيئة الوهابية هي السبب

يعيش كل من أنس وأحمد حياتهما بشكل عادي، يؤكدان أن لا فرق بين الشيعة والسنّة فيما يخص العبادات، إذ إنهما حريصان على أداء الصلاة في المساجد، لكن بحسبهما أن هذا الموضوع يتراوح ما بين شخص وآخر، أي ما بين من هو معتدل ومتطرف.

يقول أنس: "إن بعض المغاربة الشيعة متطرفون، فالبعض منهم لا يفضل مشاركة باقي المغاربة الصلاة ويفضل الصلاة لوحده، لكن هذه الفئة تبقى نادرة".

علاوة على ذلك، يقول أنس الشيعي المغربي إن "الشيعة المغاربة مسالمون، وبالتالي لا توجد مضايقات ضدهم إلا نادراً وتخص حالات فردية فقط".

وهذا ما يؤكده محمد أكديد، الباحث المغربي، في حديثه لـرصيف22 أنه لا يوجد اضطهاد للشيعة بمعناه الحقيقي في المغرب، فالشيعة المغاربة يعيشون في سلام، إلا أن البيئة التي تكون فيها الوهابية السلفية حاضرة بقوة، هنا يكون من الصعب على الشيعة التأقلم والعيش بحرية، ويمكن أن يكون هناك خصام وصراع بين الطرفين.

"يوم الغربة لشيعة المغرب"

يؤكد الشيعة المغاربة الذين تحدثوا لرصيف 22، أنه " لا فرق بينهم وبين باقي المغاربة، فيما يخص إحياء المناسبات الدينية، فرمضان هو نفسه، والأعياد كذلك، لكن في يوم عاشوراء يشعر الشيعة في المغرب بنوع من التمييز والغربة إن صح للتعبير".

في هذا السياق، يضيف أحمد، "إن يوم عاشوراء عند المغاربة هو يوم فرجة وفرح، لكن الأمر يختلف عند الشيعة فهو بالنسبة لهم يوم حزن بسبب مقتل الحسين وغيرها من الأحداث المفجعة التي حدثت في يوم عاشوراء، لهذه الأسباب، أحس بالحزن وبنوع من الغربة والتمييز وسط أهلي".

ومن بين المصاعب الأخرى التي يواجهها الشيعة المغاربة، هو غياب المراجع الدينية التي تخص المذهب الشيعي في المدارس أو المكتبات، في هذا الصدد يقول أنس: "لا توجد مراجع شيعية في المكتبات، حتى الأحاديث الدينية يتم الاستشهاد بأحاديث مثل صحيح البخاري، المغاربة لا يستشهدون بأحاديث للإمام علي وفاطمة الزهراء".

ويعتقد الشيعة المغاربة أن المضايقات التي يتعرضون لها مصدرها الإعلام، الأخير يساهم بطرق مختلفة في الشحن ضدهم، فضلاً عن التعتيم الذي يمارسه الإعلام المغربي على الشيعة المغاربة.

إضافة إلى صعوبات ومشاكل أخرى، يقول أكديد: "إن ما يزعج الشيعة المغاربة، تلك الأحكام المسبقة التي يطلقها المجتمع المغربي عليهم، فغالباً ما يتم ربطهم بدولة إيران، إضافة إلى أن المغاربة أغلبهم يجهل المذهب الشيعي، فالمشكل الطائفي التاريخي بين السنّة والشيعة دائماً ما يكون حاضراً، بين أحاديث المغاربة الشيعة والسنّة، فضلاً عن أن السلفية الوهابية في المغرب تكرس لمغالطات بكون الشيعة يشتمون الصحابة، لا يؤمنون بالقرآن، ويضربون أنفسهم في عاشوراء".

يستطرد أحمد في حديثه قائلاً: "هذه الكلشيهات يمكن أن نجدها عند متطرفي الشيعة، مثل تيار "الشيرازيين" الذي بدأ يظهر في المغرب، لكن فئة قليلة جداً تنتمي إليه، وهم لا يترددون في الجهر بعدائهم لأهل السنّة".

وعلاقة بالموضوع ذاته، يرى الباحثون أن خطاب الكراهية الذي يسوق له بعض الشيوخ السلفيين مغربياً، يفاقم المغالطات حولهم ويجعلهم مهددين بردود فعل سلبية تجاههم، عن قصد أو عن غير قصد".

"السلطة حاولت التعتيم على كل ما هو شيعي في المغرب".

ويشدد الباحث أكديد أن "السلطة حاولت التعتيم على كل ما هو شيعي في المغرب، سواء في التراث أو في التمثلات الموجودة في المجتمع"، مستطرداً: "صحيح أن الشيعة المغاربة بدأوا يتحركون على مستوى ولوج المجتمع المدني، لكن دائماً ما يصطدمون بثقافة المجتمع المتحفّظة، والدولة هي الأخرى كرّست هذا النوع من التحفظ".

"أرقام غير دقيقة"

رغم غياب إحصاءات رسمية بخصوص العدد الحقيقي للمغاربة المعتنقين المذهب الشيعي، إلا أن تقرير الحرية الدينية الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية سنة 2017، أشار إلى أن "أعدادهم في تزايد. فقد كان عددهم يتراوح حسب تقرير سنة 2014 ما بين 3000 إلى 8000 شيعي، فيما قيم بحوالي 10 آلاف حسب تقرير سنة 2016". ويفسر باحثون ذلك بانفتاح البعض على الخطاب الشيعي، الذي تحرص إيران على تصديره والترويج له.

وبحسب ذات التقرير، ينتشر أغلبهم في شمال المغرب وفي الحواضر الكبرى، كالدار البيضاء وفاس ومكناس ومراكش والرباط، ومنهم من قَدِم من بلدان عربية كالعراق ولبنان وسوريا، غير أنهم لا يتوفرون على مساجد خاصة بهم.

ويرفض باحثون مغربيون هذه الأرقام، فبحسبهم، فلا أحد يملك اليقين حول عددهم.

ويُشار إلى أن الشيعة المغاربة أسسوا "الخط الرسالي" كمؤسسة، بعد أن رفضت السلطات السماح لهم بتكوين جمعية لتأطير نشاطاتهم بشكل قانوني، وخرجت المؤسسة للوجود سنة 2013، إلا أنها لم تحصل على الاعتماد القانوني إلا في سنة 2015، بعد صراع مع الدولة.

في عام 2016 تم اعتقال رئيس "الخط الرسالي" عبد الرحمن الشكراني، وهو ناشط معروف بالدفاع عن حق الشيعة في الوجود بالمغرب، وحقهم في ممارسة شعائرهم، على خلفية "اختلالات مالية تخص وكالة للبريد كان يتولى إدارتها". إلا أن "الخط الرسالي" كانت أكدت أن سبب الاعتقال هو انتماؤه إلى أحد المذاهب الشيعية، وأن الاتهامات الموجهة ضده مفبركة.

وأهم ما يطلبه الشيعة المغاربة هو تسليط الضوء على مشاكلهم من طرف الإعلام، والسماح لهم بالترخيص من أجل تأسيس جمعيات مدنية تعني بمشاكلهم، ووقف الإشاعات التي يطلقها متشددون ضدهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard