حجاب رئيسة وزراء نيوزيلندا والرسائل المُخطئة

الجمعة 4 أكتوبر 201912:50 م

أرجو ألّا يُساء فهمي، فأنا أحترم رئيسة وزراء نيوزيلندا، ولا أقصد التشكيك في حسن نياتها، لكن شعوراً بالخذلان دهمني عندما شاهدت صور زيارتها الأخيرة لـ"مدرسة زايد الإسلامية للفتيات" في أوكلاند. ألم يحن الوقت كي تنتهي لعبة التنكر هذه؟ صرخ صوت في داخلي احتجاجاً.

لم تكن تلك المرة الأولى التي ترتدي فيها جاسيندا أردرن الحجاب، فالجميع يذكر غطاء رأسها الأسود الذي ظهرت به وهي تحتضن وتواسي أقارب ضحايا الاعتداء الإرهابي على المصلين في مسجدين في مدينة كرايست تشيرتش قبل أكثر من ستة أشهر، لكن الهدف من ارتدائها الحجاب يومذاك كان توجيه رسالة قوية ومؤثرة عن تعاطف شعب نيوزيلندا مع الضحايا الأبرياء ووقوفه إلى جانبهم، لا تبنياً لرمز ديني بعينه، فهناك فرق كبير بين الفعلين، ومُتسّع لكثير من سوء الفهم أيضاً.

تلا مبادرة أردرن تنظيم عدد من السيدات النيوزيلنديات حملة رفعت عنوان "غطاء الرأس من أجل الوفاق"، فتوجهت نساء في الحادي والعشرين من شهر آذار/مارس إلى أعمالهن بأغطية الرأس، وسرعان ما تحول الموضوع إلى ظاهرة رائجة على منصات التواصل الاجتماعي، إذ أرسل لي أحد الأصدقاء رابطاً لصفحة فيسبوكية تعود لفتاة شابة نشرت صورة لها وهي تغطي شعرها بوشاح، ثم علّقت: "كم لطيف ما حدث لي؟ صورتي بالحجاب حصدت أكثر من خمسمئة إعجاب، يا له من جنون!".

للأسف، الأمر كان "غير لطيف" من وجهة نظر كثيرات من غير المحجبات اللواتي أعرفهن، وأنا أتحدث هنا عن فتيات وسيدات مسلمات، كنت شاهداً على بكائهن حزناً على ما حدث لضحايا الاعتداءين، لكنهن شعرن أن عقيدتهن تم تسييسها (للمرة المليون) واختزالها إلى قطعة من قماش.

أسوأ من ذلك، بات على النساء التعامل مع سلب وطنهن الجديد لهويتهن الروحانية، وإصداره حكماً عليهن بأنهن لسن مسلمات كفاية لمجرد رفضهن الحجاب.

بعد مرور أسابيع قليلة على الهجوم، التقيت بفتاة مراهقة من سوريا في إحدى المكتبات العامة في أوكلاند، وبينما تبادلت معها أطراف الحديث عن اعتداء "مسجد النور" المروّع، باحت لي أن أسرتها تمارس ضغوطاً متزايدة عليها كي ترتدي الحجاب. "ألا تشعرين بالخجل وأنت ترين الأجنبيات يوقّرن الحجاب، بينما ترفضين أنت المسلمة التزامه؟"، قال لها شقيقها موبّخاً.

تداعيات تحويل الحجاب إلى أيقونة في نيوزيلندا لم تقتصر على دائرة أصدقائي من عراقيين وعرب، إذ قالت صديقتي ليلى من ماليزيا: "أتعاطف بكل جوارحي مع ألم عائلات الضحايا، لكنني لا أستطيع أن أجبر نفسي على ارتداء غطاء الرأس من جديد".

بدا التأثر على ملامحها وهي تروي ما حدث لها عندما كانت طالبة في المدرسة الثانوية في كوالالمبور، وتعرّضها المتكرر للإهانة والتنمر بسبب تمردها على الحجاب.

حديث ليلى حملني إلى سنوات طفولتي في بغداد، سبعينيات القرن العشرين، عندما كانت الحياة في مدينتي الأم علمانية بامتياز، وخالية تماماً من الحُجُب، فلم تكن في عائلتنا أو حيّنا فتاة محجبة واحدة، ولا غطت إحدى معلماتنا في المدرسة الابتدائية شعرها، وكان الذكور والإناث في محيطي يدرسون ويعملون ويسافرون ويمارسون السباحة في النوادي ويرقصون في الحفلات، جنباً إلى جنب، فإسلامنا كان محض مكوّن ثقافي في خلفية المشهد، وقلّما كان له تأثير محسوس على معيشتنا.

"الهدف من ارتدائها الحجاب يومذاك كان توجيه رسالة قوية عن تعاطف شعب نيوزيلندا مع الضحايا، لا تبنياً لرمز ديني بعينه، فهناك فرق بين الفعلين، ومُتسّع لكثير من سوء الفهم"... حجاب رئيسة وزراء نيوزيلندا المتكرّر والرسائل المخطئة 
"ألا تشعرين بالخجل وأنت ترين الأجنبيات يوقّرن الحجاب، بينما ترفضين أنت المسلمة التزامه؟"، قال لها شقيقها موبّخاً... عن حجاب رئيسة وزراء نيوزيلندا المتكرر وتداعيات تحويله إلى أيقونة 

استمر الحال على ذلك المنوال حتى سنة 1979 المفصلية التي شهدت وقوع أحداث ثلاثة، كان لها أثر هائل في صياغة مستقبل مئات الملايين من المسلمين في شتى أرجاء العالم، وهي: الثورة الإسلامية في ايران، وعملية اقتحام وحصار الحرم المكي في السعودية والغزو السوفيايتي لأفغانستان.

مع استيلاء صدام حسين على الحكم في العراق في العام ذاته، تلاشت ليبرالية عالمي الطفولي الهانئ كخيط دخان واهن على امتداد العقود التالية، حتى أنني عندما غادرت بغداد عام 2006، كانت قلة من الفتيات والسيدات تجرؤ على النزول إلى الشوارع وهي سافرة، وكثيراً ما تعرضن للمضايقة، بل الاعتداء الجسدي في بعض الحالات.

بطبيعة الحال، ليست كل المحجبات مجبورات، فكثيرات منهن قررن ارتداءه عن اقتناع، كما أن من حق الإنسان البالغ أن يختار ما يفضل ويرتاح إليه من لباس وحلي، وذلك تحديداً كان مبعث قلقي من ظهور أردرن الأخير بغطاء الرأس أمام جمع من الفتيات القاصرات المحجبات اللواتي حضرن اللقاء معها على أرض مدرستهن.

صورهن المنشورة في الجرائد وعلى صفحات المواقع الاخبارية جعلتني أسترجع تفاصيل حوار مقتضب دار بيني وبين رجل ملتح في إحدى صالات الترانزيت في مطار دبي الدولي، إذ لمحني الأخير وأنا أنظر باستغراب لطفلته المحجبة ذات العامين تقريباً، فسألني هل لدي أبناء، ولما أجبت بالنفي، تبرّع بتقديم النصح لي بضرورة فرضي غطاء الشعر على الإناث من ذريتي (المستقبلية) منذ نعومة أظفارهن.

ما أرجوه أن تأخذ أردرن قليلاً من الوقت قبل أن تقدم على الظهور في مناسبة عامة أخرى وهي تغطي شعرها، وأن تأخذ في الاعتبار أنها بفعلتها تلك توجه إلى الفتيات المسلمات في نيوزيلندا، والعالم أيضاً، رسالة مخطئة.

"لكن، أليس ارتداء الحجاب حصراً على الفتيات عندما يصلن سن البلوغ؟"، قلت ذلك بينما راح الرجل يقهقه لسذاجتي، ثم أردف: "صحيح، لكن من الأفضل أن نجعلهن يعتدنه وهن صغيرات حتى تسهل السيطرة عليهن، فيكبر ذلك معهن ويصير جزءاً منهن". 

تابعت زوجته الجالسة بجواره نقاشنا من دون أن تنبس بحرف، وددت لو أني رأيت تعابير وجهها كي أعرف رأيها في ما قلناه، لكن نقابها الأسود الذي لفها من رأسها حتى أصابع قدميها أخفى كل ما خلفه عن الأنظار.

تساءلت: كم من طالبة في "مدرسة زايد الإسلامية للفتيات" في أوكلاند أتيح لها فعلياً اختيار الحجاب، وهل تسمح لها أسرتها (ومدرستها؟) بخلعه لو أرادت ذلك يوماً ما؟ ما أرجوه أن تأخذ أردرن قليلاً من الوقت قبل أن تقدم على الظهور في مناسبة عامة أخرى وهي تغطي شعرها، وأن تأخذ في الاعتبار أنها بفعلتها تلك توجه إلى الفتيات المسلمات في نيوزيلندا، والعالم أيضاً، رسالة مخطئة.

* تزامن ظهور رئيسة وزراء نيوزيلندا الأخير بالحجاب مع تصاعد الجدل في وسائل الاعلام عن فضيحة تحرّشات واعتداءات جنسية طالت أحد المسؤولين في "حزب العمال" - الذي تمثّله أردرن - ضد عدد من العاملات في مرافق الحزب، ووجّهت إليها شخصياً اتهامات بتجاهل شكاوى الضحايا ومحاولة التعتيم على القضية، وهو ما نفته أردرن بشدة ووعدت بإجراء تحقيق موسّع، لكن ذلك لم يحل دون تردّد دعوات تطالبها بالاستقالة... يقتضي التوضيح أن مقالي هنا لا يزعم استغلال رئيسة الوزراء للحجاب للتأثير عاطفياً على الناخبين، وهو مترجم عن النص الأصلي بالإنكليزية في صحيفة "Dominion Post" النيوزيلندية. 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard