عوالم نجيب محفوظ (4)... بين القصرين رواية عن ثورة 1919 فضحت تناقضات ذكورية

الخميس 3 أكتوبر 201905:05 م

في العام 1956 عاد الأديب المصري نجيب محفوظ بالسنوات إلى الوراء ليكتب عن ثورة 1919 في روايته "بين القصرين"، لكن الرواية لم ترصد تفاصيل الثورة بقدر ما فضحت تناقض الرجل المصري الذي يتعامل مع أسرته باعتباره حاكماً مستبداً، وديكتاتوراً فاسداً وأنانياً. كشفت الرواية كذلك عن القاهرة القديمة وعن الحياة في منطقة بين القصرين القريبة من مسجد الحسين وسط القاهرة.

ما أهمية رواية بين القصرين في الأدب العربي المعاصر؟ وكيف تغير شارع بين القصرين اليوم عن شارع رواية محفوظ.. هل هناك نماذج مشابهة لـ "سي السيد" تعيش بيننا اليوم؟

سي السيد وأمينة… ثنائية الخضوع والسيطرة

تعتبر رواية بين القصرين الجزء الأول من ثلاثية نجيب محفوظ، التي تتكون من قصر الشوق والسكرية، وهي الثلاثية التي توثق القاهرة في فترة ما قبل ثورة 1919 وخلالها، ومسرحها هو منطقة الحسين التاريخية. وتحكي الرواية قصة أسرة من الطبقة الوسطى، يحكمها أب متزمت ذو شخصية قوية هو السيد أحمد عبد الجواد أو "سي السيد" كما كانت تناديه دائماً زوجته السيدة الطيبة الخاضعة له "أمينة"، وأبطال الرواية إلى جانب الزوج وزوجته، هم الإبن البكر ياسين، وشقيقاه فهمي وكمال، وشقيقتاه خديجة وعائشة.

أفضل جملة يمكن أن تعبر عن محفوظ في رواية بين القصرين هي الجملة التي وصف بها الفيلسوف الألماني كارل ماركس، الروائي الفرنسي بلزاك حين قال عنه إنه "يساعد على فهم المجتمع أكثر من غالبية كتب التاريخ والاقتصاد".

تتكون الرواية من عدة فصول تسرد الحياة اليومية لتلك الأسرة وتوغل في وصف سلوك شخصياتها، وتكشف عن الخضوع للأب المتزمت في كل المواقف تقريباً. هذا الخضوع يظهر في تفاصيل عديدة، فياسين وشقيقته خديحة يتزوجان تباعاً حسب رغبة الأب فقط، فيما تظل الزوجة أمينة حبيسة الدار والزوج في الوقت نفسه، لا تعرف عن القاهرة أي شيء ولا حتى متجر زوجها، الذي يؤمن مثله مثل العديد من الأزواج في تلك الحقبة أن الزوجة خلقت لتعيش خادمة لزوجها لا تخرج من المنزل سوى إذا طلقت أو ماتت، لدرجة أنها حين قررت زيارة مسجد الحسين الذي لا يبعد عن المنزل إلا دقائق معدودة ولم تخبر زوجها كاد "سي السيد" أن يطلقها، معتبراً أن ما قامت به جريمة.

لم تنجح سيطرة "سي السيد" الكاملة على أسرته في منع مشاهد حب بسيطة تخرج من أحداث الرواية على استحياء، فالإبنة المراهقة عائشة كانت تختلس النظرات إلى ضابط شاب كان يتررد على الشارع أمام بيتهم، أما الإبن فهمي فكان ينظر نظرات عشق لإبنة الجيران على سطح منزل البيت.

تأخذنا فصول الرواية إلى عوالم الأب المستبد، والذي نكتشف مع تقدم الرواية أن له وجهاً آخر يظهر تناقضه، هو وجه الرجل الماجن المقبل على لذات الحياة وعلى رأسها اللذة الجنسية، إذ نتعرف على جانب آخر لشخصيته، خصوصاً في سهراته ومجونه رفقة بائعات الهوى، وما نراه نحن تناقضاً شديداً، لا يراه "سي السيد" أمراً يتعارض مع إيمانه بالله وتقواه.

تكشف لنا الرواية عن نشاط الإبن فهمي في المجال السياسي، وهو النشاط الذي تكتشفه الأسرة بمرور الوقت، فهو كان عضواً في لجنة سياسية تجمع الطلبة، وفي إحدى الجمعيات السرية المنتشرة إبان ثورة 1919. وبرغم أن الوالد يزعم دائماً أنه مصري وطني أصيل، فإنه يثور على ابنه لعمله في السياسة، وهو تناقض آخر في شخصية الأب.

تعرفنا الرواية بدقة على وقائع الثورة، وتوثّق لغضب الشعب المصري وعدم خوفه من المحتل، وخروجه في تظاهرات مطالبة بالإفراج عن القائد والزعيم السياسي سعد زغلول ورفاقه، وتمثل المصريين الوطنيين في الرواية شخصيةُ الإبن فهمي الذي يسير مع الثورة خطوة خطوة، ولم تكن مصادفة أنه طالب في مدرسة الحقوق التي انطلقت منها شرارة ثورة 1919، كما أنه كان يشرف على تجمعات الطلاب لكونه عضواً في لجنة الطلبة العليا ثم تسلم راية القيادة لأول مرة، فتقدم الصفوف وقاد تظاهرة أدت إلى مقتله، وبموته تنتهي الرواية.

محفوظ حين ينافس برواياته التاريخ

بحسب محمد عليوة، أستاذ الأدب بجامعة القاهرة، فإن نجيب محفوظ في "بين القصرين" نجح في تصوير القاهرة بشكل أمين ومبدع، مضيفاً في حواره مع رصيف22 أن أديب نوبل نجح في أن يخلق من منطقة بين القصرين التاريخية مسرحاً مبهراً لأبطال الرواية.

يرى عليوة أن الرواية لم تنجح في كشف تناقض بعض الرجال المصريين في تفكيرهم الذكوري فحسب، بل كشفت كذلك عن أهمية الحب في جعل المجتمعات أفضل، حتى لو كان هذا الحب يحدث على استحياء ورغماً عن عادات المجتمع المصري، الذي كان ينظر للحب باعتباره عيباً كبيراً في تلك الحقبة.

"عرض محفوظ في روايته بطريقة غاية في الدقة والإبداع نظرة المجتمع للمرأة في هذه الفترة من تاريخ مصر، مجرد خادمة لأفراد أسرتها، لا تمتلك أي إرادة، وهي أقرب لجارية للزوج الذي يحركها كما يشاء، بينما يفعل هو كل ما يحلو له حتى لو كان ما يفعله يتناقض مع الشكل الذي يرغب للمجتمع في أن يراه به كشخص متدين ومؤمن لا تفوته صلاة"، يقول عليوة مضيفاً أن "بين القصرين" رواية استطاع محفوظ من خلالها أن ينافس كتب التاريخ الجامدة التي تؤرخ لمصر في هذه الفترة.

ويرى عليوة أن خروج المرأة للمشاركة في ثورة 1919 في رواية محفوظ كان أقرب لدعوة النساء للتحرر ورفض أن يكن "جواري لسي السيد".

بين القصرين رواية لم ترصد تفاصيل الثورة بقدر ما فضحت تناقض الرجل المصري الذي يتعامل مع أسرته باستبداد، فهو الديكتاتور الفاسد والأناني. "سي السيد” المستبد داخل البيت، له وجه آخر فهو الرجل الماجن المقبل على لذات الحياة وأولها اللذة الجنسية

"بين القصرين" لم تنجح في كشف تناقض بعض الرجال في تفكيرهم الذكوري فحسب، بل كشفت كذلك عن أهمية الحب في جعل المجتمعات أفضل، حتى لو كان هذا الحب يحدث على استحياء ورغماً عن عادات المجتمع
خروج المرأة للمشاركة في ثورة 1919 في رواية "بين القصرين" كان أقرب لدعوة النساء للتحرر ورفض أن يكن "جواري لسي السيد"

ووفق عليوة، فإن أفضل جملة يمكن أن تعبر عن محفوظ في رواية بين القصرين هي الجملة التي وصف بها الفيلسوف الألماني كارل ماركس، الروائي الفرنسي بلزاك حين قال عنه إنه "يساعد على فهم المجتمع أكثر من غالبية كتب التاريخ والاقتصاد".

يرى عليوة أن شخصية "سي السيد" قد تكون انتهت بشكل كبير من منطقة بين القصرين اليوم، إذ باتت النساء يخرجن للعمل والدراسة، لكنه يضيف أن محفوظ نجح في توثيق هذه النماذج ليعرف الجميع أنها كانت تعيش في المجتمع المصري ذات يوم.

بين القصرين سابقاً شارع المعز حالياً

شارع بين القصرين هو شارع حقيقي في وسط القاهرة القديمة على بعد بضع دقائق من مسجد الحسين، لكن تغير اسمه في السنوات الأخيرة وأصبح شارع المعز.

لم تزل في الشارع المشربيات أو"النوافذ الخشبية" التي كانت تطل منها بطلات الرواية، ومآذن مسجدي قلاوون و برقوق وغيرهما من المساجد التي كانت تضيء بمصابيحها ظلام بين القصرين وقد تحولت إلى آثار تاريخية.

وعلى الرغم من أن الكثير من معالم المنطقة تبدلت، أبرزها هيئة الناس وملابسهم، لا يزال الكثير مما رسمه محفوظ في روايته باقياً كما هو، فعلى سبيل المثال لم تزل في الشارع المشربيات أو"النوافذ الخشبية" التي كانت تطل منها بطلات الرواية، ومآذن مسجدي قلاوون و برقوق وغيرهما من المساجد التي كانت تضيء بمصابيحها ظلام بين القصرين وقد تحولت إلى آثار تاريخية.

شارع المعز اليوم احتفظ بشيء من روح القاهرة قبل ثورة 1919 وخلالها مثلما وصفها محفوظ تماماً، بعد عبور شارع الصاغة ثم قبة نجم الدين وشارع المعز الذي ينتهي بباب الفتوح، تقابلنا لافتة صغيرة توضح أن هذه المنطقة سميت في الماضي "النحاسين"، وهي المنطقة التي دارت فيها أحداث بين القصرين، وكان فيها متجر السيد أحمد عبد الجواد بطل الرواية، وهي أيضاً المنطقة نفسها التي تضم المنزل الموصوف في الرواية.

لم تزل أيضاً في المنطقة مدرسة خليل أغا شامخة شاهدة على فترة زمنية مهمة من تاريخ مصر، وهي المدرسة نفسها التي كان يدرس فيها كمال أحد أبطال الرواية.

في كتابه "نجيب محفوظ.. المكان الشعبي" حاول الباحث شريف الشافعي أن يحدد موقع منزل السيد أحمد عبد الجواد في الرواية، من خلال وصف محفوظ له. يقول: "كانت المشربية تقع أمام سبيل بين القصرين، ويلتقي تحتها شارعا النحاسين الذي ينحدر إلى الجنوب، وبين القصرين الذي يصعد إلى الشمال"، وثمة معلومة أخرى إيضاحية: "غادرت الأم المشربية، وتبعتها خديجة، على حين تلكأت عائشة حتى خلا لها الجو، فانتقلت إلى جانب المشربية المطل على بين القصرين، ولم يطل الانتظار بها، فقد مرق من عطفة الخرنفش ضابط بوليس شاب، ومضى مقبلاً في طريقه إلى الجمالية".

ويضيف الباحث أن البيت يقع عند نهاية سكة النحاسين، وامتداد شارع بين القصرين، شارع المعز حالياً، وفي مواجهة شارع الخرنفش. وتوصل الشافعي إلى أن قصر الأمير بشتاك، الذي تم بناؤه في الثلث الثاني من القرن الرابع عشر الميلادي، هو المعادل المكاني لبيت أحمد عبد الجواد.



أما دكان السيد أحمد عبد الجواد الذي وصفه محفوظ في الرواية بأنه "يقع أمام جامع برقوق بالنحاسين"، فيطلق عليه في الواقع دكان بهجت عبد الحليم فرغلي ويقع أمام مسجد برقوق مباشرة، وهو كما وصفه محفوظ تماماً، وتباع فيه اليوم منتجات من النحاس مصنوعة يدوياً ويقبل على شرائها السياح الذين يزورون المنطقة.

يقول عميد الأدب العربي طه حسين في نقد أدبي لرواية بين القصرين مثنياً على إبداع محفوظ: "القاص في هذه القصة يحقق تحقيقياً رائعاً خصلتين، يبلغ بهما الأثر الأدبي أقصى ما يقدر له من النجاح، وهما: الوحدة التي لا تغيب عنك لحظة، والتنوع الذي يذود عنك السأم، ويخيل إليك أنك تحيا حياة خصبة، مختلفة المظاهر والمناظر والأحداث".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard