ثلاثون عاماً من الحياة بدم مهدور... لماذا نتحدث عن سلمان رشدي اليوم؟

الخميس 3 أكتوبر 201904:39 م

تنكّر لاري دايفيد في واحدة من حلقات "Curb your enthusiasm" خوفاً من الفتوى التي أًصدرها الخميني بحقه، لأنه أراد أن ينجز مسرحية موسيقية باسم "فتوى"، لم يعلم ماذا يفعل حين شاهد التهديد على التلفاز، فالأمر نادر الحصول، لكنه ليس بمستحيل.

ولفهم مدى الخطر المحيط به، يذهب لمقابلة سلمان رشدي، الذي ما زالت الفتوى لقتله قائمة منذ ثلاثين عام، يخبره رشدي أن الأمر خطير، لكنه ليس شديد الجدية، لكن هناك ميزات لأن يكون الواحد موضوع فتوى تهدر دمه، إذ سيصبح جذاباً للفتيات لأنه رجل خطير، لكن عليه أن يكون "رجلاً" ولا يختبأ ويظهر للعلن، ويستمتع "بجنس الفتوى" الذي سيناله، كذلك بإمكانه أن يتجنب المواعيد التي لا يريد الذهاب إليها، لماذا؟ ببساطة، هناك فتوى، هو تحت التهديد، أما الحل الذي يقترحه رشدي بخصوص الفتوى نفسها فهو: "F*** it".


الفتوى التي نراها بصيغتها المضحكة الآن، عمرها ثلاثون عاماً، أطلقها آية الله الخميني عام 1989 ضد سلمان رشدي، بسبب روايته الرابعة "آيات شيطانية"، التي أشعلت العالم الإسلامي وأهدرت دماء رشدي حتى هذه اللحظة. هذه الذكرى الهذيانية نتعرف عليها في الوثائقي الجديد Salman Rushdie: la mort aux troussesمن إخراج ويليام كاريل، الذي التقى رشدي في نيويورك لمدة أسبوع، للحديث عن حياته لمدة عشر سنوات مُتخفياً، خائفاً من القتل الذي لا يعلم كيف سيحدث ومن أين سيأتي.

لماذا رشدي الآن؟

تبدو استعادة قضية آيات شيطانية الآن مكررة أو مبتذلة، لكنها ترتبط بما نشهده الآن من النقاشات حول "الصواب السياسي"، حرية التعبير، العنصرية، العنف الشعبوي والتشدد الديني، المفاهيم التي كان رشدي، المواطن البريطاني، موضوعها على مدى سنوات، إذ يقترن اسمه بالموت والقتل العشوائي الذي انتشر في مختلف أنحاء العالم، وقسم الناس، مشاهير وعاديين، إلى مناصرين لكتابه ولحرية التعبير، ومعادين له بتهمة الاستخفاف بمعتقدات الآخرين، كل هذا بسبب رواية، كتاب متخيّل، مجموعة من الكلمات التي حركت المئات للمطالبة برأسه.

يبدو رشدي مسترخياً في الفيلم، فهو يعيش في أمان في نيويورك التي يفضلها على المملكة المتحدة، علماً أنه فارس هناك، يخبرنا عن طفولته في الهند وهوسه بالكتابة منذ أن كان بعمر الثالثة عشر، ثم سفره لبريطانيا ودراسته هناك مواجهاً أنواعاً مختلفة من العنصرية، وبعد أن اشتعلت شهرته إثر نشره لـ" أولاد منتصف الليل" ونيله جائزة البوكر، قضى خمس سنوات في كتابة "الآيات الشيطانية".

نُشرت "الآيات"، ويخبرنا رشدي بعدها كيف علم عبر الهاتف من مراسلة الـBBC حينها أن آية الله الخميني أطلق فتوى يهدر فيها دمه، ويدعو فيها كل من يخاف على دينه ليقتله، التهديد الذي لم يأخذه رشدي بشكل جدي في البداية أخذ أبعاداً أخرى مع تزايد المظاهرات ضده، إذ خضع لحماية الشرطة البريطانية، وعاش لعشر سنوات متخفياً، إذ اضطر لتغيير سكنه 56 مرة، بسبب محاولات الاغتيال التي طالت، ويتكرر السؤال مرة أخرى بعقل المشاهد، كل هذا بسبب رواية؟

القتل والمظاهرات والتفجيرات و"الهيستيريا الجمعية" التي أصابت الكثيرين لا يمكن فهمها، خصوصاً أن الرواية لم يقرأها الكثيرون، بل انصاعوا لكلمات الخميني الذي بقيت فتواه قائمة حتى بعد وفاته، إذ أكد خليفته الخامنئي على أهميتها واستمرارها.

هل هناك حصانة لفئة معينة أو أفكار معينة لأنها "تهين" فئة ما؟ أم أنّ كل الأفكار قابلة للنقد والتهكم والسخرية وعلينا تحمّل النتائج؟ تبقى حرية التعبير هي العامل الأشدّ جدلاً في مجتمعاتنا اليوم ومن هنا نجد أن قضية سلمان رشدي تعود إلى الواجهة بعد ٣٠ عاماً من هدر دمه

تبدو استعادة قضية آيات شيطانيّة الآن مكررة أو مبتذلة، لكنها ترتبط بما نشهده الآن من النقاشات حول "الصواب السياسي" ، حرية التعبير، العنصري، العنف الشعبوي والتشدد الديني، المفاهيم التي كان رشدي موضوعها على مدى سنوات، بسبب رواية... كتاب متخيّل ومجموعة من الكلمات التي حركت المئات للمطالبة برأسه

كل هذا لأجل كتاب؟

طال الجدل حول رواية رشدي في العالم العربي، بل يُقال إن محاولة الاغتيال التي تعرض لها نجيب محفوظ سببها موقفه الداعم لرشدي، ذات الجدل أشعله صادق جلال العظم في دفاعه عن رشدي، لكن المثير للاهتمام أن هناك نسخة مختصرة عربية من الرواية منتشرة على الإنترنت وبترجمة سيئة، ولا نعلم من ترجمها، بالرغم من وجود ترجمات رسمية لعدد من كتبه صادرة عن دار الجمل، والمثير أيضاً للاستغراب، مقاطعة إيران لمعرض كتاب فرانكفورت عام 2015 بسبب حضور رشدي.

توقف رشدي عن استخدام اسمه الوهمي، جوزيف أنطوان، "مزيج بين جوزف كونراد وأنطوان تشيخوف" بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وبعد ثلاث سنوات من إعلان الحكومة الإيرانية إنها لا تستهدف رشدي ولا تدعو إلى قتله، مع أن ذلك لا ينفي أن الفتوى الدينية ما زالت قائمة، لكن ظهور رشدي سببه رفضه العيش في ظل الخوف، والمقصود هنا هو أنه لم يكن مختفياً بل كان يتنقل ويتحرك ويظهر للعلن، لكنه كان يستخدم اسمه الوهمي في شؤونه البيروقراطية التي تتطلب توقيعه.

نتتبع في الفيلم الرعب المحيط برشدي والإجراءات التي خضع لها لحماية حياته، التي يصفها بأنها أشبه بروايات المغامرات البوليسية، لكن ما يبعث على الأمل هو الكوميديا، فحين سأله لاري دايفيد أن يكون ضيفاً في برنامجه، استغرب من السؤال: هل من الممكن أن يكون الأمر مضحكاً؟ السخرية من الفتوى التي إثرها فقد العديد حيواتهم؟

شارك رشدي في البرنامج وكان الأمر مضحكاً، خصوصاً أنه "حصل منذ زمن طويل"، مع ذلك لا ينفي ما شهدته فرنسا إثر هجمات تشارلي هيبدو، وجدية التهديد الذي كان يتعرض له، والذي لم يكن يصدقه البعض. لكن تبقى حرية التعبير هي العامل الأشدّ جدلاً، هل هناك حصانة لفئة ما أو أفكار ما لأنها "تهين" فئة أخرى؟ أو كل الأفكار قابلة للنقد والتهكم والسخرية وعلينا تحمّل النتائج؟

لا جواب واضح على الأسئلة السابقة، لكن ما نعلمه أن لاري دايفيد أنجز مسرحية موسيقية بعنوان فتوى، وعرضت على شبكة HBO، وكأن السخرية من العنف لا تقلل من أهميته أو جديّته، بل تكشف سخافته وعدم جدواه، خصوصاً حين يتعلق برأي، فكرة، مجموعة من الكلمات المصفوفة بشكل محدد لتشكّل حكاية.

الصادم طوال الفيلم، هو مفهوم الخوف من رواية، بصورة أدق "كلمات" حرّكت الآلاف وتسببت بمقتل الكثيرين وهددت من اقترن اسمه بالرواية. هذا الخوف والطاعة العمياء نراهما في أعين المئات الذين يهتفون بقتل رشدي، ويقينهم من "الحقيقة" التي يمتلكونها، تلك الحقيقة المرتبطة أيضاً بكتاب، ولو اختلفت علامة التجنيس.

هذا الإيمان العميق القادر على نشر الرعب والقتل عبر كلمة أطلقها قائد ديني، أو قائد شعبوي ضد "آخر" ذو رأي أو لون مختلف، يحيلنا له الفيلم في النهاية، والذي نراه في شخص ترامب كمحرك للكراهية مشابه للخميني، إذ لا تكمن المشكلة بكون ترامب عنصرياً أو ذكورياً، بل بكونه رأس الهرم السيادي، وخطابه و تصرفاته تبيح للآخرين العنصرية والذكورية، هو يشحن إيماناً عميقاً قادراً على التحول إلى فعل ضد أي آخر مختلف، فذات المظاهرات التي دعت لقتل رشدي، نراها الآن تتحرّك لطرد اللاجئين والمهاجرين، ذات النظرة التي تعكس إيماناً عميقاً بحقيقة لا يمكن الجدل فيها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard