هل كانت شجرة الجنة عريشة عنب؟ ... من قصص عشق الأندلسيين للخمر

الجمعة 25 أكتوبر 201906:38 م

تم إعداد هذه المادة بمشاركة نورا أبو حمزة وباسل النابلسي ضمن شباب22 "You22"، برنامج زمالة رصيف22 الذي ترعاه D-Jil، بالاعتماد على منحة مشتركة بتمويل من الاتحاد الأوروبّي، تشرف على تنفيذها CFI.

يأتي هذا المقال ضمن الملفّ المُعدّ لشهر أكتوبر 2019, في قسم "رود تريب" بـ"رصيف22" والمعنوَن "بصحتك يا ساقي... بارات عربية لا بدّ من زيارتها".

بالرغم من الجدل المستمر حول تحريم الخمر، إلا أن معاقرته شاعت بين جُلّ طبقات المجتمع الأندلسي، وتحولت من مجرّد عادة فردية إلى طقس يُجمّع الناس ويلتفون حوله، حتى أن بعض الفقهاء اجتهدوا لمنع عقاب شاربيها!

تحكي نجاة هاشمي في بحثها "عادات وتقاليد المجتمع الأندلسي خلال عهد الدولة الأموية"، أن تسابق الأندلسيين، الخاصة والوجهاء، على احتساء المُسكرات يعكس حال الترف والبذخ التي عاشوها، لذا حفلت بطون الكتب بأوصاف متعددة لمجالس الخلفاء والسادة، كانت قِنان الخمر حاضرة فيها بقوة، وتباهى عدد من الشعراء في القرض عن محاسنها، متفوقين على المشارقة الذين استفاضوا في وصفها، فنجد شاعراً كأحمد بن محمد الجياني لا يكاد يتلو آبياته إلا مشيداً بالخمر، منها:

امزجي يا مدام كأسد المدام/ قد مضى وانقضى ذمام الصيام

وأبى العيد أن ندين بدين/ غير دين الصبا ودين المدام.

فيما يقول الدكتور عبد الصمد يزيلداج في بحثه "الخمر في الشعر العربي"، إن الأندلسيين أولعوا بوصف الخمر وأدواتها، كما فعل شعراء المشارقة وفي طليعتهم أبو نواس، الذي يُعدّ أستاذ فن الخمريات في الشعر العربي، ولقد كانت الخمريات إحدى أكثر فنون الشعر شيوعاً بين شعراء الأندلس.

لكن ما ميّز الأندلسيين في هذا الجانب تجديدهم بوصف الخمر بمجموعة من التشبيهات الغريبة، مثل ما ساقه جعفر بن عثمان واصفاً فِعل الخمر حين تجري في الجسد بلدغ الحية، والأكثر من ذلك، غرابة تصوير الخمر في شدّة صفاء لونها، حتى أطبقت على زجاج الإناء الذي يحتويها وطابقته، بحيث اختفت عن شاربها وبدوا كما لو كانوا يشربون من إناء فارغ، يقول:

صفراءُ تطرقُ في الزجاج فإن سَرَت/ في الجسمِ هبّتْ هبَّ صلٍّ لادغِ

خفيت على شُرّابها فكأنما/ يجدون ريّاً من إناءٍ فارغِ.

ويتابع: كانت مجالس الخمر ليست مجرد اجتماعات للشراب، وإنما حلقات شعرية أدبية حيث يتم تقارض الشعر وارتجاله، وفي مقابل هذا الجانب الماجن الذي اتخذ الخمر وسيلة لتحقيق الملذات، ظهرت طائفة من الشعراء نبذت هذه الصورة المجتمعية ودعت إلى الزهد، واحتلت الخمر مكانة بارزة في أشعارهم، لكنها خمرة رمزية، فالخمرة بالشعر الصوفي ترمز إلى المعرفة والشوق والمحبة الإلهية، ويكثر في تلك الخمريات ذكر الكأس والنديم والشارب والسكر والنشوة، وكلها لها دلالات روحانية عرفانية بعيدة عن اللذات الجسدية المباشرة.

وهل هم غير عشَّاق أُصيبوا؟

وتضيف نجاة، أن عدداً من الفقهاء الأندلسيين كانوا يلتمسون لشارب الخمر الأعذار والتأويلات من أجل إسقاط الحدّ عنه، زاعمين أن الرسول لم يقر حدّاً لشرب الخمر، وإنما اصطكّه الصحابة من بعده، ولهذا حاول عدد من الحكام الحدّ من انتشار تلك العادة، فقرروا اتخاذ إجراءات رادعة، ربما كان أعنفهم الحكم المستنصر الذي أمر بكسر قواريرها بكل مكان، ولم يكتفِ بذلك وإنما أمر بقطع كل أشجار الكروم في بلاده، لكنه تراجع عن ذلك القرار بعدما علم أنها تُصنع من نباتات أخرى كالتين وغيره.

يقول الدكتور محمد بن عبد الرحمن في كتابه "مباهج الأندلس"، إن المستنصر بعد أن "رام قطع الخمر من الأندلس، وأمر بإراقتها، وتشدّد في ذلك"، أثار ذلك القرار حفيظة الكثيرين من شغفهم حبُّها، كان أشهرهم من تجرأ على معارضة قرار الخليفة علناً، وهو الشاعر يوسف بن هارون الرمادي الكندي، الذي قرض قصيدة شهيرة أعلن فيها توجعه على ضيق "الشاربين" من هذا القرار المروع، قال في مطلعها:

خَطب الشَّاربينَ يضيقُ صدري/ وتُرمِضُني بَلِيَّتُهُم لعمري

وهل هم غير عشَّاق أُصيبوا/ بفقد حبائب ومُنوا بهجر

أعشَّاقَ المدامة إن جزعتم/ لفرقتها فليس مكان صبر

عاشق الخمر

هو يوسف بن هارون الكندي الرمادي، وكنيته أبو عمر، هو كندي لأن أسرته تتصل بقبيلة كِندة، أما عن سبب نيله لقب الرمادي فيسرد عن ذلك إلياس عطالله في بحثه "ملاحظات في الأدب الأندلسي في نهاية القرن العاشر"، روايات مختلفة، ما بين قائل إنه من مواليد قرية تسمى "رمادة" من بلاد المغرب دون تحديد مكانها، فيما ذكر ابن حيان روايتين: الأولى بأن "الرمادي" لقب فني وصف به شعره، وتعني برأيه الشعبي أي من عامة الناس، ثم روى حكاية أخرى أن الرمادي ترجمة للقبه الإسباني "أبي جنيش"، وجنيش مأخوذة من كلمة cinesa أي الرماد، وقيل إنه لُقّب بهذا الاسم لأنه تاجر بالرماد.

اتفق المؤرخون على أنه عاش طويلاً (100 عام تقريباً)، ورغم ذلك فلا يتيسّر عنه إلا القليل من الأخبار. عاصر ابن حزم، وكان من مُقدّمي شعراء المستنصر ومن مدّاحي المنصور بن أبي عامر.

توفي يوسف بن هارون الرمادي (403هـ/1012م)، ولا نعرف له تاريخ ميلاد دقيقاً، غير أن فورار محمد بن لخضر في أطروحته "أبو عمر يوسف بن هارون الرمادي الأندلسي.. دراسة في سيرته وشعره"، قدّر بأنه ولد في السنوات الأولى من المائة الرابعة، لأنه حين ارتحل اللغوي أبو علي القالي من المشرق إلى الأندلس سنة 330هـ حيث تقابلا، كان حينها الرمادي شاباً يقول الشعر، ويتحدث عن شعرات بيض نزلن بمفرقه: وثلاث شيبات نزلن بمفرقي/ فعلمت أن نزولهن رحيلي.

عاصر ابن هارون عدداً من حكام الأندلس، وكان له في عهد كل منهم نشاط شعري ملحوظ، فقد عاصر عهد عبد الرحمن الناصر لدين الله، وله قصيدة شعرية في استقبال أبي علي القالي، ثم ارتفع شأنه في أيام الحكم المستنصر بالله، وأصبح مقدماً على سائر الشعراء.

عاش الرمادي حياة مترفة، يجوب الأقاليم الأندلسية وينزل ضيفاً على ولاتها وأمرائها وينال أعطياتهم بمدحه لهم، لكن هذا الترف لم يدم لأن حاله بدأت تسوء مع المستنصر، بعدما عارض قرار الأخير بمنع الخمر عن الأندلس، وهو بهذا لم يكن يتحدى الخليفة وحده وإنما من خلفه من حاشية دينية تمثلت في فقهاء المالكية.

ولم يكتفِ بالمعارضة الشعرية وإنما زاملها بالفعل، فاستمر وصحبه يشربون الخمرة ويستهترون بقرار الخليفة، وحسبما يروي ابن حيان القرطبي في كتابه "المقتبس من أبناء الأندلس"، فإن صاحب المدينة بالزهراء محمد بن أفلح ألقى القبض على أصدقائه "الماجنين"، فاختبأ الرمادي، ثم جاء باختياره إلى السجن، فلما عرف الخليفة بذلك رقّ له وأطلق سراحه، ثم سرعان ما أعاده خلف القضبان مرة أخرى.

عندما بكت الأندلس سكرتها

يحكي فوارار، أن شعر ابن هارون اعتمد على المقطوعات القصيرة التي تعبر عن مختلف مواقف حياته اليومية وواقعه الاجتماعي، تتوزع بصفحة خاصة على فن الغزل ووصف الخمر.

فيما يعتبر إلياس، أنه بالرغم من أن شعره لم يصلنا منه إلا 593 بيتاً، لكنه يُعتبر وثيقة حضارية أندلسية هام تمثل عنصراً عُبد فيه ثالوث (الطبيعة / المرأة/ الخمر)، وأفرد للخمر قسطاً وافراً من شعره، وتميز بالنزعتين الكلاسيكية والشعبية (الموشحات)، فكان هو وابن عبد ربه من أوائل ناظمي الموشحات في الأندلس، علاوة على ذلك برع في نظم القصيدة التقليدية حتى قيل "فُتح الشعر بكندة وخُتم بكندة" يعنون امرأ القيس والمتنبي والرماديّ.

أما عن قصيدته "خطب الشاربين" فهي بموسيقاها ومضمونها ونهايتها نواسية (نسبة للشاعر الكبير أبي نواس الذي اشتهر بكثرة شعره في الخمر) خالصة، الذي قال بحق الخمر:

ولكن حديثاً جاءنا عن نبينا/ فذاك الذي أجرى دموعي على النحر

بتحريم شرب الخمر والنهي جاءنا/ فلما نهى عنها بكيتُ على الخمر

فأشربها صرفاً وأعلم أنني/ أعزز فيها بالثمانين في ظهري

ولكن يختلف عن أبي نواس في أنه لا ينقل حقائق الحياة بمتناقضاتها في شعره، وإنما يُسلط نيران شعره على القضايا الدينية والاجتماعية، بروح ماجنة لاهية لم تمنعه يوماً من تشبيه الازدحام على الخمر بزحمة يوم عرفات!

وفي قصيدة "خطب الشاربين"، استدعى الرمادي قصة قديمة للإمام أبي حنيفة ليقدّمها لخليفته علّه يقتضي بها، وملخّصها أن الإمام بينما كان يقضي ليله في الصلاة كان جاره اليهودي يقضي ليلته في شرب الخمر، وكلما سكر كان يُنشد قول الشاعر العرجي: أضاعوني وأي فتى أضاعوا/ ليوم كريهة وسداد ثغر.

ولما فُضح أمر سُكرِه تم سجنه، فتشفّع له أبو حنيفة حتى أفرج عنه، وما أن قابله سأله: أضعناك؟ قال الرجل: لا والله بل حفظت الجوار حفظك الله. وقيل إن هذا الموقف كان سبباً في هداية الرجل.

عندما فُضح أمر سُكرِه تمّ سجنه، فتشفّع له أبو حنيفة حتى أفرج عنه... ومثله عدد من الفقهاء الأندلسيين الذين كانوا يلتمسون لشارب الخمر الأعذار والتأويلات من أجل إسقاط الحدّ عنه، زاعمين أن الرسول لم يقر حدّاً لشرب الخمر، وإنما اصطكّه الصحابة من بعده

عندما قرّر الخليفة الأموي المستنصر قطع الخمر من الأندلس، وأمر بإراقتها، أثار قلق الكثيرين من شغفهم حبُّها، كان أشهرهم من تجرأ على معارضة قرار الخليفة علناً، الشاعر يوسف بن هارون الرمادي، الذي قرض قصيدة شهيرة أعلن فيها توجعه على ضيق "الشاربين" من هذا القرار المروع

دفع الهوى بالخمر وشجر الكروم، الأندلسيين لإعطاء الخمر بُعداً ميتافيزيقياً في قصص الأنبياء، فاحتجوا بأن في بعض الأحاديث أن "الشجرة التي أكل آدم منها في الجنة المنهي عنها هي شجرة العنب"

وبالطبع فإن الرمادي استحضر هذا الموقف خصيصاً ربما ليؤكد للحاكم وحاشيته أن لا الخمر ولا غيرها من السلوكيات الإنسانية يمكن منعها أو حتى إباحتها بقرار فوقي، فالرجل لم يتب عن الخمر بسبب السجن وإنما بسبب حُسن معاملة الإمام له التي وفّرت من القضاء "مسير شهر".

يقول أدي ولد آدب في كتابه "المفاضلات في الأدب الأندلسي"، إن هذه لم تكن المرة الوحيدة التي أنصف يوسف فيها الخمر، وإنما أنشد واحدة انسجم فيها مع الهوى الأندلسي بالخمر وشجر الكروم، إلى الحد الذي دفعهم لإعطائه بُعداً ميتافيزيقياً في قصص الأنبياء، فاحتجوا بأن في بعض الأحاديث أن "الشجرة التي أكل آدم منها في الجنة المنهي عنها هي شجرة العنب".

كما رُوي أيضاً أن نوحاً لما نزل عن السفينة نازعه إبليس أصل العنب، فاصطلحا على أن لنوح الثلث ولإبليس الثلثين، فقال: لمحمولة في الفلك من جنة المنى/ قد أوصى نوح غرسها وضمامها/ قد أوصى إبليس عنها لعلمه/ بها فرأى كتمانها واغتنامها/ ففز بثلثيها ونوح بثلثها/ ولولا مغيبي عنه لم يك رامها/ له حظ أنثى وهو جظ مذكر/ قليل لعيني أن تطيل انسجامها/ وإن الورّاث وقد مات جدّنا/ غبينا وإنا لا نجيز اقتسامها.

ويضيف أحمد التلمساني في كتابه "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب"، مقطوعة خمرية أخرى، قال بها شاعرنا:

اشرب الكأسَ يا نصير وهاتِ/ إن هذا النهار من حسناتي

بأبي غرّة ترى الشخصَ فيها/ في صفاءٍ أصفى من المرآةِ

تنزح الناسُ نحوها بازدحامٍ/ كازدحامِ الحجيجِ في عرفات

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard