امتيازات أوسع ومسؤوليات "أثقل"... عن قانون الإرث للأكبر في تاريخنا

الأربعاء 30 أكتوبر 201909:55 ص

رغم أن الثقافة العربية، لم تعرف الاستخدام المباشر الصريح لمصطلح "البطريركية"، والذي ينبثق بالأساس من كلمتين يونانيتين، تعنيان "الأب الرئيس"، إلا أن معاني هذا المصطلح ودلالاته، كانت حاضرة بشكل مؤثر وفعال طوال عصور تاريخنا.

القبائل العربية منذ فترة موغلة في القدم، اعتمدت على أن السيادة والرئاسة إنما تنتقلان من الذكر الأكبر إلى الذي يليه، إذ كان معيارا الذكورة وكبر السن هما المعياران الأكثر أهمية، جنباً إلى جنب مع معايير الوضع الاجتماعي وقوة القبيلة وثرواتها المادية، بالمقابل، كانت السلطة الاجتماعية والدينية والمعرفية أكثر مرونة، فكانت النساء تتصدرن في بعض الأحيان مكانة قيادية في الشعر والعرافة والزهد والتصوف.

مع ذلك، فإن الكثير من الفترات التاريخية قد شهدت شذوذاً وخروجاً عن تلك القاعدة، إذ وصل إلى السلطة الابن مع وجود الأب، أو الأخ الأصغر في حضور الأخ الأكبر، وتعددت تلك النماذج على جانبي السلطة (الحكم/ المعارضة)، وإن احتفظ كل نموذج بخصائصه الذاتية وسماته المتفردة، المستمدتين بالأساس من واقع التجربة التاريخية والنسق الفكري الذي جرت فيه أحداث كل نموذج.

لماذا غاب قانون السن الأكبر في بعض حالات الخلافة والسلطنة

رغم أن مبدأ اعتبار كبر السن كان قائماً وفعالاً فيما يخص مناصب الخلافة والسلطنة، إلا أن بعض الأمثلة خرجت عن القاعدة، إذ تقدم الابن أبيه في بعض الأحيان، بينما تقدم الأخ الأصغر أخيه الأكبر في أحيان أخرى.

الحالة الأهم وقعت بعد وفاة الرسول مباشرة، مع تنصيب الخليفة الأول أبي بكر الصديق الذي بايعه كبار الأنصار وبعض من كبار المهاجرين أولاً في سقيفة بني ساعدة، ثم بايعه عموم المسلمين من أهل المدينة بعد ذلك في المسجد النبوي. وكان أبوه عثمان بن عامر، المشهور باسم أبي قحافة من ضمن المسلمين الذين بايعوا الخليفة الأول على السمع والطاعة.

في الحقيقة لا يمكن إبداء التعجب أو الاستغراب من موقف أبي قحافة، لأن المكانة الدينية التي حظي بها أبو بكر بين عموم الصحابة، لم تكن حتى بقريبة من مكانة أبيه الذي أسلم يوم فتح مكة في العام الثامن للهجرة، ومن ثم يمكن القول إن مبايعة الأب لابنه في ذلك الموقف، لم تمثل شذوذاً عن الأعراف، بقدر ما تماشت مع أولويات تلك الفترة التاريخية الحرجة من عمر الدولة الإسلامية.

في حالة ثانية، نجد أنّ صلاح الدين يوسف بن أيوب عندما وصل إلى حكم مصر، بعد إسقاط الخلافة الفاطمية فيها، في عام 567هـ، قَدِم عليه أبوه نجم الدين أيوب، من بلاد الشام. كان نجم الدين قد حكم من قبل عدداً من المدن والقلاع، مثل تكريت وبعلبك، لحساب مجموعة من الأمراء والحكام في بلاد الشام والعراق، وكان صلاح الدين في معيته، إلى أن صاحب عمه أسد الدين شيركوه، قائد القوات الشامية إلى مصر.

كان للصدفة دور كبير في وصول صلاح الدين للحكم، فبعد أن توفي عمه الوزير شيركوه، منح الخليفة الفاطمي العاضد لدين الله، المنصب ذاته لصلاح الدين، ولم يمر وقت طويل حتى أطاح صلاح الدين بالعاضد، وأسس الدولة الأيوبية. ترك نجم الدين أيوب بلاد الشام وقدم إلى مصر، ليتنعم بملك ابنه، ولم يجد غضاضة في أن يكون مستشار صلاح الدين الأول، ويصبح واحداً من بطانته ومجالسيه.

تأثير نجم الدين أيوب في سياسة صلاح الدين، ظهر بشكل واضح في معرض الخصام والمنافرة بين صلاح الدين ونور الدين محمود حاكم حلب، فبحسب ما يذكر ابن الأثير في كتابه "الكامل في التاريخ"، فأنه لما اشتدت الوحشة بين الرجلين وكادت الحرب تندلع فيما بينهما، نصح نجم الدين ولده بمهادنة حاكم حلب، وبملاطفته واسترضاء خاطره، حتى ركن للتصالح واستقر الأمر بمصر لصلاح الدين.

الكثير من نساء البيت النبوي تمكّن من تجاوز عقبة التحيّز البطريركي والعمري الذي حكم مجال السياسة، إذ عُرفن بتفوقهن في مجالات العلم والفقه، وكان منهن: السيدة فاطمة الزهراء والسيدة زينب بنت علي

عندما تمّ تنصيب أبي بكر خليفة لرسول الإسلام، كان أبوه عثمان بن عامر، المشهور باسم أبي قحافة من ضمن المسلمين الذين بايعوه على السمع والطاعة... فكيف تقبل المسلمون مبايعة الأب لابنه؟ وكيف تعاملت المجتمعات العربية مع سلطة الابن أو الابنة في حياة الآباء؟  

كيف أثر غياب قانون الوراثة للأكبر في تشكيل النسق الشيعي؟

إذا كان قانون حيازة الأب أو الأخ الأكبر للسلطة، قد تم التغافل عنه في بعض الأحيان في أروقة الخلافة والسلطنة، فإن تطبيقاته قد غابت أيضاً في بعض الحالات في ساحة المعارضة السياسية، وخصوصاً في النسق الشيعي بفروعه الثلاثة الكبرى: الزيدي، والإمامي الاثني عشري، والإسماعيلي.

عند الشيعة الإمامية الاثني عشرية، وقع التغافل عن قانون ميراث الأخ الأكبر في حالة هامة، وهي تلك التي وقعت بعد وفاة الإمام السادس جعفر بن محمد الصادق في 148هـ.

الابن الأكبر للإمام جعفر الصادق، كان إسماعيل، والذي يُعرف بالأعرج، وقد قيل إنه قد توفي في حياة أبيه، وأن جعفر قد حرص على دفنه بنفسه أمام العامة، حتى لا يشك أحد في أمره، وذلك بحسب ما يذكر عبد الكريم الشهرستاني في كتابه "الملل والنحل".

الأخ الأصغر، موسى الكاظم، هو الذي انتقلت إليه الزعامة الروحية عند جمهور الشيعة الإمامية، أما المجموعة التي رفضت التسليم بذلك الأمر، فقد ظلت على ولائها للإمام إسماعيل بن جعفر، فقال بعضهم بإنه لم يمت، بينما قال البعض الأخر منهم بانتقال الإمامة إلى ابنه محمد بن إسماعيل، وذلك بحسب ما يذكر أبو منصور البغدادي في كتابه "الفرق بين الفرق".

ما تجدر ملاحظته هنا، أن مسألة صغر السن في حد ذاتها، لم تمثل إشكالاً أو تعارضاً مع شرعية السلطة الروحية الممنوحة للأئمة، ومن أهم الأمثلة المُعبرة عن ذلك، موقف علي بن جعفر الصادق، من إمامة الإمام التاسع محمد بن علي الجواد.

في 203هـ، وبعد وفاة الإمام الثامن علي الرضا، كان علي بن جعفر الصادق، شيخاً طاعناً في السن، عندما آل منصب الإمامة لمحمد الجواد، الذي كان لا يزال طفلاً لم يتعد التاسعة من عمره وقتها، ورغم ذلك فإن الكثير من المصادر الشيعية الإمامية تؤكد على أن علي بن جعفر كان يبالغ في احترام الجواد، فيقبل رأسه ويديه، ويخدمه بكل ما أوتي من قوة، حتى أنه كان يرتب له نعليه ويضع له طعامه.

ولما تعجب بعض الشيعة من موقفه هذا، وقالوا له مستنكرين: "أنت عم أبيه، وأنت تفعل به هذا الفعل!"، فأنه قبض على لحيته وقال لهم غاضباً: "اسكتوا، إذا كان الله عز وجل، لم يؤهل هذه الشيبة، وأهّل هذا الفتى ووضعه حيث وضعه، أنكر فضله؟! نعوذ بالله مما تقولون، بل أنا عبد"، وذلك بحسب ما يذكر محمد بن يعقوب الكليني في كتابه "الكافي".

العلم والسلطة الروحية: رابعة العدوية ونفيسة العلم

غياب تطبيق قاعدة الإرث للأكبر امتد ليصل لميادين العلم الشرعي والتأثير الاجتماعي، إذ تمكنت بعض النساء من اقتحام تلك الميادين ليتغلبن على أقربائهن الأكبر سناً من الذكور.

يمكن القول إن العديد من النساء المتصوفات، ومن آل البيت النبوي، قد تفوقن في ذلك المضمار، فممن عُرفن بالتميز من الصوفيات، كل من حفصة بنت سيرين، التي فاق ذكرها في الكثير من الأحيان ذكر أخيها محمد، ومضغة أخت الصوفي الشهير بشر الحافي، والتي يذكر أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة"، أن بشر قد مدحها قائلاً: "إني تعلمت الورع منها، فإنها كانت تجتهد ألا تأكل ما للمخلوق فيه صنع".

أيضاً، كانت الصوفية الشهيرة رابعة العدوية، صاحبة النفوذ الروحي الأكبر بين أفراد أسرتها، وذلك رغم كونها البنت الأصغر في تلك الأسرة، إذ يظهر من المعلومات التي أوردها أبو عبد الرحمن السلمي في كتابه "ذكر النسوة المتعبدات الصوفيات"، أن رابعة كانت شيخة لعدد من فقهاء عصرها، ومنهم سفيان الثوري، الذي ورد أنه ذهب كثيراً إليها للسؤال عن بعض ما أُشكل عليه فهمه من أمور الدين، وكان يقول لها: "علمينا مما أفادك الله من طرائف الحكمة"، وقد وصفها ابن خلكان في كتابه "وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان"، بقوله: "كانت رابعة العدوية من أعيان عصرها وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة".

أما على الجهة المقابلة، فإن الكثير من نساء البيت النبوي قد تمكّن من تجاوز عقبة التحيّز البطريركي والعمري، إذ عُرفن بتفوقهن في مجالات العلم والفقه، وكان منهن: السيدة فاطمة الزهراء والسيدة زينب بنت علي.

واحدة من أشهر نساء آل البيت تأثيراً في محيطها الثقافي والعلمي، كانت السيدة نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، والتي اشتهرت باسم نفيسة العلم.

في 193هـ، وصلت السيدة نفيسة إلى القاهرة، وأقبل المصريون عليها لينهلوا من علمها ومعارفها، حتى أصبح بيتها قبلة لطلبة الفقه والعلم الديني.

المكانة الدينية التي نالتها السيدة نفيسة في مصر، تعالت عن مكانة كل أقاربها من الذكور الأكبر سناً من آل البيت النبوي، للدرجة التي جعلت معظم المصادر التاريخية تقدمها بوصفها صاحبة المقام الروحي الأكثر أهمية وتأثيراً في بلاد النيل في تلك الفترة.

من الأمور التي تعبّر عن ذلك المقام، أخبار تتلمذ الإمام محمد بن إدريس الشافعي على يديها، وأنه كان يختلف إليها ليتلقى عنها علوم الفقه والتفسير، كما أنه عند وفاته قد طلب أن تصلي عليه، دوناً عن جميع الرجال من أهل العلم والتقوى.

أيضاً، عُرفت السيدة نفيسة بدورها المجتمعي المهم، فحينما بلغها أن والي مصر أحمد بن طولون قد ظلم الرعية، وقفت في موكبه أثناء مروره، وقالت له: "ملكتم فأسرتم، وقدرتم فقهرتم، وخوّلتم ففسقتم، ورُدَّت إليكم الأرزاق فقطعتم، هذا وقد علمتم أن سهام الأسحار نفّاذة غير مخطئة، لا سيّما من قلوب أوجعتموها، وأكباد جوّعتموها، وأجساد عرّيتموها، فمحال أن يموت المظلوم ويبقى الظالم، اعملوا ما شئتم فإنَّا إلى الله متظلِّمون، وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون".

هذا المقام الرفيع، بشقيه (الروحي والمجتمعي)، أدى إلى أن شخصية السيدة نفيسة قد شغلت مكانة خاصة عند المصريين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard