من يعمل على ملاحقة المسؤولين السوريين في ألمانيا ودول أوروبية أخرى؟

الثلاثاء 1 أكتوبر 201908:22 م

كان ذلك عام 2014، حين حضر "قيصر" إلى واشنطن يحمل أكواماً من صور وإثباتات التعذيب في سجون النظام السوري، رغم ما كان يحيط بتلك العملية من مخاطر جسيمة.

بعد خمس سنوات، ما زال "قيصر" - وهو الجندي السابق المنشق الذي كان يعمل في مركز التوثيق التابع للشرطة العسكرية في سوريا- ومن شاهد صوره يسألون عن سبب عجز المجتمع الدولي أمام 55 ألف صورة مروّعة لرجال ونساء وأطفال عُذّبوا وقُتلوا. عجز مستمر أمام صور أكدت السلطات القضائية الدولية أصالتها بعد تحقيق مطوّل، وهي لا تعكس سوى جزءاً يسيراً من واقع أكثر ترويعاً.

حين عُرضت صور "قيصر" في عواصم أجنبية مختلفة، وعلى شاشات التلفاز وفي أروقة الأمم المتحدة، بدا وكأن هناك أمل، لكن شيئاً لم يحصل ولم تتحرك المحكمة الجنائية الدولية. مع ذلك، بدأ كثر كالمحامين مع فريق "قيصر" سلسلة من الملاحقات القضائية المحلية في الدول الأوروبية، واستطاعوا من خلالها تحقيق بعض الخروقات، وعليها يُبنى اليوم الأمل في حصول محاسبة ما.

هذا ما نقله قبل أيام جوش روغين في "واشنطن بوست"، بعد لقاء جمعه بـ"قيصر"، وهذا ما عاد إلى دائرة التداول في الأيام القليلة الماضية، لا سيما بعد صدور كتاب "القائمة السوداء: الانتهاكات التي ارتكبتها أبرز الشخصيات في النظام السوري وكيفية تقديمهم إلى العدالة".

"القائمة السوداء"

يضم الكتاب الصادر عن منظمة "مع العدالة" أسماء حوالي 100 شخص ممن وصفهم بـ"أسوأ رجال النظام السوري وشبيحته الذين ارتكبوا أو أمروا بارتكاب جرائم بحق مواطنين" و"أنزلوا أبشع أنواع التعذيب والقتل بهم"، وعلى رأسهم بشار الأسد وشقيقه ماهر إضافة إلى مدير مكتب الأمن الوطني السوري علي مملوك ووزير الدفاع علي عبد الله أيوب ووزير الداخلية محمد خالد الرحمون ووزير الدفاع السابق فهد جاسم الفريج ووزير الداخلية السابق محمد إبراهيم الشعار ورئيس مديرية الاستخبارات الجوية السابق جميل حسن والعميد في الاستخبارات وابن خال الرئيس حافظ مخلوف وغيرهم.

وفي حفل إطلاق الكتاب الذي استضافه "معهد الشرق الأوسط" في واشنطن، اعتبر مدير "مع العدالة" وائل السواح أن أهمية الكتاب تكمن في كونه "يجمع كل كبار مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان في مكان واحد، إضافة لذكر أنواع الجرائم التي ارتكبوها وسبل إحضارهم للعدالة".

ويُنتظر أن تُطلق النسخة العربية من الكتاب مطلع شهر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، ومن المتوقع حسب المسؤولين عنه أن يشكل دليلاً للمدعين العامين والصحافيين والباحثين في المرحلة المقبلة.

من جهة ثانية، وفي ظلّ معوقات عديدة تحول دون محاسبة جدية شاملة، تعوّل بعض الجهات على مراكمة الأدلة ورفع دعاوى بشكل منفصل.

تخزين الأدلة

يبدأ تحقيق نُشر مؤخراً على "أن بي آر" بقصة عمر الشغري الذي يُعدّ من أبرز الناجين من التعذيب في سجون النظام حيث بقي محتجزاً لثلاث سنوات، وقد تحوّل إلى شاهد يحكي قصص الداخل ويُنبئ بالفرق الذي يمكن أن تحدثه مراكمة الشهادات وتوثيقها.

يتحدث الشغري عن رسائل تلقاها من نحو 20 ألف عائلة سورية، في مقابل اتصال تلقاه عرف فيه صوت معذبه في السجن وهو يهدده بالقتل ما لم يصمت، لكن الشغري أصر على مسعاه وبات ناشطاً بارزاً ضمن شبكة من الناجين والمحامين الذين فروا من سوريا، ويسعون وراء العدالة بمساعدة المحاكم الأوروبية التي يتيح بعضها استخدام قوانين تسمح بالمحاكمات في جرائم يُشتبه في ارتكابها خارج أراضيها.

لا تفتقر جرائم الحرب السورية إلى أدلة، بل إلى جهود لتوظيفها قضائياً. وهو ما يحصل منذ عام 2012، إذ تعمل "لجنة العدالة والمساءلة الدولية"(CIJA)، وهي مجموعة مستقلة لا تبغي الربح تمولها الحكومات الغربية، مع السوريين على الأرض لضمان جمع الأدلة وتخزينها للمحاكمات المستقبلية.

وفي العام الماضي، وبناء على الأدلة التي جمعتها اللجنة فضلاً عن شهادات لعائلات ضحايا وشهود، أصدر المدعون العامون الفرنسيون والألمان أول أوامر اعتقال دولية لكبار المسؤولين السوريين ومنهم مملوك وحسن.

الأمر وإن كان غير قابل للتنفيذ في ظل الحماية التي يحظى بها المسؤولان في سوريا، والدعم الدبلوماسي الروسي من خلال حق النقض (الفيتو) الذي تستخدمه موسكو في مجلس الأمن الدولي لمنع المحكمة الدولية، إلا أنه شكّل مكسباً رمزياً ودفعاً لأولئك الساعين لتحقيق العدالة.

سابقة فرنسية ومحاكمة ألمانية

في فبراير الماضي، كان هناك سابقة تمثلت باعتقال فرنسا لسوري قالت السلطات إنه كان مسؤولاً أمنياً، في وقت فُتحت قضية أخرى في ألمانيا بعد اعتقال عقيد في المخابرات السورية في ألمانيا اسمه أنور ر. والذي سرعان ما انتشرت تقارير عن اسمه الكامل وهو أنور رسلان.

"يُشتبه بشدة في ارتكابه جرائم ضد الإنسانية وجرائم أخرى"، كان هذا ما جاء في بيان النيابة عن رسلان وفيه أيضاً: "كرئيس لقسم التحقيقات، قرر أنور ر. توجيه العمليات في السجن، بما في ذلك استخدام التعذيب الممنهج والوحشي".

ستكون المحاكمة علامة بارزة للسوريين في كل مكان: أول مرة سيواجه فيها مسؤول سوري رفيع المستوى السوريين في محكمة علنية في قضية جرائم حرب، حسب السفير السابق في وزارة الخارجية الأمريكية ستيفن راب الذي علّق بأن القضية لافتة للنظر بالنسبة لألمانيا التي تغيّر طريقة محاكمة جرائم الحرب - ليس في محكمة دولية بل في محكمة وطنية.

"هكذا تحولت ألمانيا إلى عاصمة المساءلة في ملف التعذيب في سوريا وقد أظهرت أنه يمكن القيام باعتقال الأشخاص وتقديمهم إلى المحكمة. هناك عشرات القضايا الأخرى التي يعملون عليها"، حسب ما نقل "آن بي آر".

وتتم محاكمة رسلان في ألمانيا بموجب مبدأ يُعرف بـ"الاختصاص القضائي العالمي"، ما يعني إمكانية محاكمة الأشخاص المشتبه في ارتكابهم جرائم حقوق الإنسان في المحاكم الألمانية.

تحولت ألمانيا إلى عاصمة للمساءلة في ملف التعذيب في سوريا، وأظهرت أنه يمكن القيام باعتقال الأشخاص ومحاكمتهم وفق ما يُعرف بمبدأ "الاختصاص القضائي العالمي"... فكيف يتم ذلك؟

العام الماضي، وبناء على أدلة وشهادات، أصدر المدعون العامون الفرنسيون والألمان أول أوامر اعتقال دولية لكبار المسؤولين السوريين... خبراء وناشطون وضحايا يسعون لمراكمة أدلة وتخزينها لمحاكمات مستقبلية، وبعض السوابق بدأت تتحقق

ويوضح راب، وهو يمتلك خبرة كمدعّ عام في محكمة دولية في التسعينيات وكمستشار للجماعات الأوروبية التي تحقق في جرائم الحرب، المبدأ بالقول: "يمكن للمدعي العام الوطني أن يحاكم حتى عندما يكون الضحايا ليسوا مواطنين ألمان، وحتى عندما لا تُرتكب الجريمة في ألمانيا".

وتوجد الولاية القضائية العالمية في القانون الألماني منذ عام 2002، لكن الخبراء القانونيين يقولون إن العدد الكبير من اللاجئين السوريين، وتحديداً الناجين من التعذيب من بينهم، قد دفع المدعين العامين الألمان إلى بدء استخدامها وإقامة دعاوى.

وبحسب "أن بي آر"، يحتفظ مكتب "CIJA" الضيق بأكثر من 800 ألف وثيقة سورية رسمية مخزنة في صناديق من الورق المقوى خلف باب معدني مغلق، ويتم ترقيمها و"إعطاء كل صفحة الرمز الشريطي الذي يحتوي على رقم دليل فريد".

خبراء التوثيق والمحامين والضحايا… لكل دوره

في أواخر عام 2011، بدأت "لجنة العدالة والمساءلة الدولية" في تدريب الناشطين السوريين على جمع الأدلة، وإنشاء شبكة تهريب أدلة محفوفة بالمخاطر، قُتل خلال العمل فيها رجلان وسقط بعض الجرحى في سوريا.

وبحسب المسؤول في اللجنة بيل وايلي، هناك وثائق تُظهر أن المعلومات المتعلقة بالتعذيب لم تكن معروفة للأسد فحسب، بل كانت معروفة أيضاً للأفراد الذين أبلغوه مباشرة، ولم يتم عمل شيء لوقفها.

وتتعقب اللجنة مسؤولين بدرجات أقل، ومنهم أكثر من عشرة هاجروا إلى أوروبا، ورسلان كان أحدهم وقد استقر هو وعائلته في برلين بين اللاجئين السوريين.

عندما طلب المدعون الألمان معلومات حول رسلان من اللجنة، كانت الأخيرة تعمل بالفعل على ملف حوله. ويقول وايلي: "لقد حصل المدعون على أكثر مما أعتقد أنهم توقعوا".

من جهته، يقول مدير العمليات والتحقيقات في اللجنة كريس إنجلز إن هناك المزيد من الحالات القادمة، واللجنة تحصل على مئات الطلبات سنوياً للحصول على المعلومات وتنسق مع 13 دولة أوروبية.

يحضر كذلك دور المحامين في هذا الإطار، ومن بينهم وقد يكون أبرزهم أنور البني، وهو ناشط في مجال حقوق الإنسان ومحامي من سوريا يلعب دوراً أساسياً في تحريك هذه القضايا.

منذ أكثر من أربع سنوات ، أسس البني "المركز السوري للدراسات والبحوث القانونية"، ومقره برلين، ويعمل مع مجموعة من المتطوعين السوريين.

بالإضافة إلى ذلك، ينسق البني مع 30 محامياً سورياً في جميع أنحاء أوروبا يحددون الشهود ويجمعون شهاداتهم حول الانتهاكات الممنهجة في السجون السورية، وقد تم الاعتراف بعمله من قبل جمعية القضاة الألمانية.

"القضايا معقدة وتستغرق وقتاً طويلاً، لكن أي نجاح في المحكمة يحمل رسالة، وقد أدت مذكرات الاعتقال الصادرة ضد المسؤولين السوريين رفيعي المستوى في عام 2018 إلى مزيد من التحقيقات في جميع أنحاء أوروبا".

يتعاون البني كذلك مع "المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان"، وهي مجموعة غير ربحية مقرها برلين.

يقول مؤسس المجموعة وولفغانغ كاليك إن الاختصاص القضائي العالمي في ألمانيا، وفي عدد من الدول الأوروبية الأخرى، أحدث ثورة في مقاضاة جرائم الحرب.

يوافقه في ذلك باتريك كروكر، وهو محامي يرأس التحقيقات السورية في المجموعة.

ويقول كروكر إن القضايا معقدة وتستغرق وقتاً طويلاً، لكن أي نجاح في المحكمة يحمل رسالة، وقد أدت مذكرات الاعتقال الصادرة ضد المسؤولين السوريين رفيعي المستوى في عام 2018 إلى مزيد من التحقيقات في جميع أنحاء أوروبا.

وكانت مجموعة كروكر قد تعاونت مع المدعين العامين في النمسا والنرويج وهولندا وفرنسا وسويسرا والسويد، وهي دول تتمتع بنسخة من الاختصاص القضائي العالمي.

"لن يكون بشار في سجن ألماني في السنوات القليلة المقبلة. لن يحدث ذلك"، يوضح كروكر أن هذا ما يصر على قوله للشهود السوريين كي لا يتأملوا كثيراً، لكن في المقابل يخبرهم أن "الشيء الوحيد الذي يمكننا أن نعد به - هو أننا سنقاتل بأقصى ما نستطيع لتحصيل الحقوق". 

بالنسبة لفدوى محمود، فإن "النظام القضائي الألماني هو الأمل الأخير". هي تعيش في برلين، بعدما اختفى زوجها المعارض البارز والطبيب عبد العزيز الخيّر وابنهما في مطار دمشق في سبتمبر عام 2012.

لا يمكنها العودة إلى سوريا للبحث عنهم لأنها ستُعتقل أيضاً، لكنها تقول لـ"أن بي آر" إن أوامر القبض على كبار المسؤولين السوريين قد أشعرتها ببعض الراحة وأعادت لها الأمل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard