نحو تحقيق المطالب… الأردنيون يقفون مع المعلّم في وجه الحكومة وغطرستها

الثلاثاء 1 أكتوبر 201906:33 م

تقف الحروب حاجزاً في إتمام العملية التعليمية، ويكون ترفيع الطلاب ونجاحهم في العام الدراسي تلقائياً، فإذا وقف التعليم أكثر من شهر وأسبوع في حالات الحرب أو الإضراب يسقط العام الدراسي، هكذا ينص الدستور الأردني، وبهذه الورقة تجري محاربة الأهالي في الأيام الحالية وتخويفهم من عواقب عدم إرسال أبنائهم إلى المدرسة: يخرج رئيس الحكومة بتصريحاته عن خوفه على تعليم أبناء الشعب الأردني، وحرصه على مصلحة الطلاب ومنفعتهم، وحثّه على ضرورة السير كوحدة واحدة نحو مستقبلنا كأردنيين، وكأن المعلم وقع علينا من كوكب آخر.

أرقى أنواع الاحتجاجات وأكثرها سلمية هو الإضراب: مجموعة من الناس تقف عن ممارسة عملها أثناء وجودها في مكان العمل مقابل تحقيق مطالبها التي تتلخص غالباً برواتب أفضل وتعديلات على الإجازات مثلاً، هذا ما فعله المعلّمون منذ بداية الفصل الدراسي لهذا العام. يذهب المعلمون يومياً إلى المدرسة ولا يستقبلون الطلاب ويرفعون مطالبهم في كل أنحاء المملكة. لاقى الإضراب تشجيعاً شعبياً كبيراً، لقد وقفت غالبية الشعب الأردني مع المعلم لإيمانهم بحقّه في تحقيق مطلبه المتمثّل بزيادة الأجر، ولاقى هذا الحراك المطلبي رفضاً من مجموعة صغيرة من أهالي الطلاب الذين حاولوا شيطنة الإضراب والتشكيك بأسبابه وتوقيته، وما كان من المعلمين إلّا الإصرار حتى هذه اللحظة على تحقيق مطالبهم التي تمثلت بنسبة 50% زيادة على رواتبهم.

أرقى أنواع الاحتجاجات وأكثرها سلمية هو الإضراب: مجموعة من الناس تقف عن ممارسة عملها أثناء وجودها في مكان العمل مقابل تحقيق مطالبها 

قبل عام حدث في الأردن إضراب شعبي تمثّل بخروج الناس إلى الشارع، وتحديداً منطقة الدوار الرابع في العاصمة عمان، وذلك احتجاجاً على ارتفاع الضرائب ونهج الجباية الحكومي وتردي الأحوال المعيشية للناس، وقد نجح الإضراب الذي استمر فترة شهر رمضان 2018، وأنتج حكومة جديدة بقرار شعبي للمرة الأولى في تاريخ المملكة الأردنية الهاشمية، وقد عزّز هذا الحدث ثقة المواطن الأردني بحقه في العيش بكرامة وإنسانية، وبأنه قادر على الاحتجاج السلمي ليحصّل حقوقه وهذا مكفول في الدستور، كان لنجاح ذلك الحدث وتغيير الحكومة الدور الكبير في إصرار المعلمين على الاستمرار في الإضراب حتى تحقيق الكرامة الشعبية -كما يسمونها- لكن استجابة الحكومة هذه المرة كانت معاكسة تماماً للمطلب، ومهينة للمعلم وللتعليم ككل.

ما يحدث في كل البلدان العربية المحيطة يعني أن الإنسان العربي في حالة صراع دائم لنيل حقوقه، وأن عليه أن يدافع طيلة الوقت عن كرامته، والأردني له قصة طويلة في محاولة تحسين أوضاعه وفي رحلته نحو الاستقرار المعيشي، هذه عوامل تجعل الجميع في حالة إصرار وعناد، إن صح التعبير، لنيل مطالبهم، لأن التراجع في الوضع الحالي يعني أن الحكومة قد كسرت شوكة المعلمين وضربت بعرض الحائط كل مطالبهم، وأفشلت إضرابهم الشرعي.

إن جميع الطرق التي تعتمدها الحكومة الأردنية مع المعلمين قد فشلت حتى اللحظة، حاولوا إيقاف الإضراب من خلال التفاوض مع المعلمين على أرقام زيادة على أجورهم لا تتجاوز الثلاثين ديناراً، وقد لاقى هذا الاقتراح رفضاً قطعياً من قبل المعلمين وأصبح مطلبهم 50% مع اعتذار حقيقي لهم، ثم تحججت الحكومة الأردنية بضعف قدرتها المالية على صرف 123 مليون دينار سنوياً في حال موافقتها على مطلبهم، متجاوزة الفساد المالي الكبير الذي يحصل علناً في المشاريع الحكومية، وعلى مرأى من الشعب الذي يدفع ثمن هذا الخراب الكبير، كما أن هذا المبلغ الذي سيصرف للمعلمين سيعود للحكومة ما يعادل 70% منه، وذلك عن طريق الضرائب والتداول المالي في السوق والحركة الشرائية التي ستتحسن بالطبع.

ما يحدث في كل البلدان العربية المحيطة يعني أن العربي في حالة صراع دائم لنيل حقوقه، وأن عليه أن يدافع طيلة الوقت عن كرامته، والأردني له قصة طويلة في محاولة تحسين أوضاعه وفي رحلته نحو الاستقرار المعيشي

لم ينته الإضراب في الأردن، والشعب الأردني يقف مع المعلم في وجه الحكومة وغطرستها وتعاليها، وهذا أمر مبشر جداً على الرغم من قسوته على الطلاب والأهالي والمعلم نفسه: ثمة شعب لم يعد يقبل الإهانة

تتعامل الحكومة الأردنية اليوم مع نهج شعبي جديد وليس مع مطالب لنقابة ما لتحسين أوضاعها المعيشية، إن هذا النهج يتمثّل باحتجاجات سلمية لنقابة ما يترافق معه دعم وتشجيع علني وصارم من باقي النقابات وغالبية الشعب، ما يعني أننا جميعاً نقف دفاعاً عن مطالب بعضنا البعض وعن حقنا الأكيد في حياة أفضل من التي نعيشها الآن، هذا ما جعل الحكومة تقمع هذا التحرك وتشيطنه، وتتبع نهج الأطفال في الإساءة إلى من يقف بجانب المعلم، حتى وصلت الحكومة لمرحلة مخاطبة أهالي الطلاب بأن عليهم أن يتوخوا الحذر في التعامل مع ما يحدث، وأن عليهم أن يصرّوا على إعادة الأمور لما كانت عليه حرصاً على مصلحة أبنائهم.

وكان آخر ما فعلته الحكومة هو إرسال رسالة باسم وزارة التربية والتعليم بتاريخ اليوم الأول من تشرين الأول/ أكتوبر، لجميع المواطنين لتحذيرهم من عواقب امتناعهم عن إرسال أبنائهم إلى المدرسة، كأن المعلم عاجز عن شرح قضيته غير الموجودة في المنهاج للطالب، وتوضيح أسباب إضرابه وامتناعه عن التدريس.

لم ينته الإضراب في الأردن، والشعب الأردني يقف مع المعلم في وجه الحكومة وغطرستها وتعاليها، وهذا أمر مبشر جداً على الرغم من قسوته على الطلاب والأهالي والمعلم نفسه: ثمة شعب لم يعد يقبل الإهانة، وأصبح قراره الحفاظ على ماء وجهه ورفعة مهنته وأهميتها للدولة، ولا حل مع حكومات القمع والاستبداد والكذب سوى أن يظل الأردني بجانب المعلم، حتى يتكرّر ما حدث في العام الماضي عندما حُققت مطالبه.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard