سلامة كيلة والمدن… دمشق وبيروت والقاهرة وعمان وحنينه إلى بيرزيت

الثلاثاء 1 أكتوبر 201902:07 م

في مثل هذه الأيام من العام الماضي، الثاني من تشرين الأوّل/ أكتوبر، توفي سلامة كيلة، المناضل الدؤوب، الرجل بقلب الطفل، المفكر بذهنية ابن البلد الشغّيل، الكادح بفكره ولسانه، الفلسطيني بهاجس السوري، بهاجس المصري، التونسي، العراقي. الوحيد ربما من بين مفكري العرب الذي يستحق وصفه بالمفكر الشامي انتماءً، العربي اهتماماً، الماركسي منهجاً، والثوري الحرّ هاجساً.

أتذكّر سلامة في ثلاثة مواقف، أوّلها كان في محكمة في دمشق، حيث أحيل معتقلون من اعتصام 16 آذار للمحاكمة، كان ذلك في آذار أو نيسان من السنة الأولى للثورة. بحيلة ما استطعت الدخول إلى بهو المحكمة حيث جلس شبان اعتقلوا في ذلك الاعتصام الشهير، عرفت من بينهم ولدَي العلامة جودت سعيد، والصديق الشاعر نارت عبد الكريم، كان ثمة رجل نحيل بدى لي طويل القامة أبيض الشعر، عرّفتني صديقتي المحامية إليه: سلامة كيلة.

تحدثنا قليلاً، وختم قائلاً جملته الأثيرة: "خلينا نلتقي"، لكنا لم نلتق إلا بعد سنة أو أكثر، في بيروت هذه المرة، بالصدفة لمحته يسير برفقة صديق في شارع الحمرا، ذهبنا سوية إلى مقهى يرتاده طلاب الجامعة الأمريكية، ورغم الشتاء جلسنا في الخارج بحماية شادر يقي رواد المقهى المطر والهواء، شربنا شاياً ورحنا نتحدث عن الثورة. طبعاً، بأسلوبه الهادئ الذي يجبرك على الإصغاء بشوق، يقول سلامة ناقداً، وكنا في السنة الثانية للثورة: تغييب المطلب المعاشي عن مطالب وهتافات الثورة خطأ كبير، لماذا لا يكون مطلب الخبز إلى جانب مطلب الحرية والكرامة؟

تحدثنا طويلاً حول هذا الأمر وعن أشياء أخرى تغيب عن هذا الحراك الشعبي الجذري، مقارنة بحراك مصر وتونس مثلاً، وبرّرنا سوياً بعض النقص والأخطاء، لاسيما لكون الحالة السورية تختلف ربما جذرياً عن الحالتين المصرية والتونسية.

في مدينة ثالثة التقينا أيضاً، كانت القاهرة، وكان لقائي الأول بسلامة فيها في مقهى ريش المطل على ميدان طلعت حرب، جرى حديث طويل وعميق عن وضع مصر، عن الشعب والطبقات المسحوقة، عن الأغنياء والعسكر، عن الإخوان ومرسي، عن حركة كفاية والتفويض الذي وقعه ملايين، عن الشباب المصري واليسار الثوري...

بعد أيام من لقائي به تم توقيفي مع مجموعة من الشباب السوريين في ميدان التحرير، وبفضل سلامة وصل عدد من المحامين إلى قسم قصر النيل بالقاهرة للوقوف إلى جانبنا.

تكررت لقاءاتي مع سلامة في المقهى السوري في باب اللوق، وفي مقاهٍ أخرى منتشرة وسط القاهرة، وكذلك في الاستوديو الذي استأجره والقريب من ميدان طلعت حرب، كأنما ليبقى قريباً من شريان الحراك الأبهر، فكان ما يزال يأمل بحراك جديد يصحّح الأخطاء أو الانحرافات التي جرت بعد استلام العسكر الحكم من جديد.

بعد سنة انتقل سلامة إلى بيت آخر قريب من ضريح ومتحف سعد زغلول، بيت أوسع كنا نلتقي فيه أحياناً، ونتحدث مطولاً.

رافقت سلامة إلى إحدى الندوات التي دُعي إليها وسط القاهرة، وكان كعادته يشرح للحضور الوضع السوري مدافعاً عن الثورة والشعب المنتفض، وأذكر أن مقالاً في جريدة الأهرام هاجم سلامة ورفاقه بسبب تلك الندوة، لكن كاتباً مصرياً أو أكثر رد على الصحيفة بمقال دافع فيه عن سلامة والثورة.

كان سلامة ينشر في الأهرام عينها مقالاً كل أسبوعين، لكن الجريدة أوقفت نشر مقالاته بسبب ما ادعته من مهاجمة سلامة للجيش المصري، لكن السبب الحقيقي يعود لنشر سلامة سلسلة مقالات في موقع الجزيرة الإلكتروني.

كان سلامة حاضراً أيضاً في منتدى بردى، على ما أذكر، الذي كان يديره جبر شوفي في القاهرة، في شارع جامعة الدول، كذلك كان حاضراً لأكثر من مرة في ندوات عقدتها هيئة التنسيق في القاهرة في حي زهراء المعادي، وكان يديرها غالباً الشيخ رياض درار، والأهم كان حضوره ولقاءاته مع الشباب اليساري المصري وبعض المثقفين والكتاب.

بأسلوبه الهادئ الذي يجبرك على الإصغاء بشوق، قال سلامة ناقداً ونحن في بيروت: تغييب المطلب المعاشي عن مطالب وهتافات الثورة خطأ كبير، لماذا لا يكون مطلب الخبز إلى جانب مطلب الحرية والكرامة؟

مات سلامة في عمان، مقاوماً للمرض كما كان دائماً مقاوماً للاحتلال الذي منع أيضاً عودة جثمانه إلى بيرزيت، بلدته التي مات وهو يحنّ إليها… لكن روحه بالتأكيد ترفرف هناك الآن فوق بيت طفولته.

خرجت من مصر دون أن أودعه، كان في عمان التي أَحَبها أيضاً كما القاهرة، رغم غلاء المعيشة فيها كما أخبرني في آخر حديث دار بيننا، فهي قريبة إلى القدس، ومن إحدى تلالها يمكنك أن ترى أضواء المدينة المقدسة. كان يتردّد إليها لزيارة أصدقائه وأقاربه، الذين لا يستطيع رؤيتهم داخل فلسطين، حيث بلدته بيرزيت، التي كان حلم رؤيتها يراوده دون انقطاع... لكن الاحتلال الاسرائيلي منعه من العودة إليها، بحجة أنه كان مناضلاً في حركة ثورية معادية للاحتلال.

مات سلامة في عمان، في إحدى مشافيها، مقاوماً للمرض كما كان دائماً مقاوماً للاحتلال الذي منع أيضاً عودة جثمانه إلى بيرزيت، بلدته التي مات وهو يحنّ إليها… لكن روحه بالتأكيد ترفرف هناك الآن فوق بيت طفولته.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard