"أرواح صغيرة"... الطفولة في مخيم الزعتري تصنع فيلماً عن نفسها

الاثنين 30 سبتمبر 201907:16 م

في فيلم "أرواح صغيرة" المشارك عن فئة الأفلام الوثائقية في مهرجان أيام السينما الفلسطينية، تابعت المخرجة دينا ناصر على مدار أربعة سنوات، تصوير حكاية أطفال عائلة سورية لجأت من درعا إلى مخيم الزعتري في الأردن.

المدة الزمنية الطويلة التي تكرّسها المخرجة لمتابعة شخصيات فيلمها، يمنح الفيلم القدرة على رصد التغيرات في حياة الأطفال وصولاً إلى فترة المراهقة، عدا عن رصد التغيرات والتنقلات في حياتهم كعائلة لاجئة وفارّة من الحرب، حيث تنتقل العائلة في الفيلم بسبب واقع التهجير إلى عدة مناطق، فيعيش المتلقي عبر الفيلم الوثائقي وقائع التغيرات في حياتهم.

الأطفال رواة الفيلم ومصوروه

ليست الطفولة موضوع الفيلم فحسب، فالأطفال يشاركون في صناعة الفيلم أيضاً. هم يروون الحكايات، بل هم الرواة الأساسيون لأحداث الفيلم، فعبرهم نتعرف على الأحداث، التنقلات، التغيرات في الحياة، الهجرة وتفاصيل العيش في المخيم. وعدا عن كونهم رواة الفيلم، فإن المخرجة أيضاً تغامر بدفع الأطفال أنفسهم لتصوير بعض المشاهد.

من المشاهد ما يصورونها في غياب المخرجة بعد أن أعطتهم الكاميرا. المشاهد الافتتاحية المهتزة من الفيلم والتي تتقصد المخرجة أن تبدأ الفيلم بها، مصورة من قبل الأطفال، نسمع في الشريط الصوتي كيف يعلم الأطفال بعضهم بعضاً استعمال الكاميرا، يقول أحدهم: "بيبدا التصوير لما بيشعل الضو الأحمر على الكاميرا".

مروى/ 11 سنة، آية/ 9 سنوات، ومحمد/ 5 سنوات، يروون كيف فرّوا من الحرب في درعا في العام 2012. لقد احترقت منازل جيرانهم، وخرجوا بسيارة تاكسي لتقلهم إلى الحدود الأردنية، لكن سائق التاكسي تعرض لإطلاق النار وقتل. يمثّل الأطفال كيف انقلب السائق على ظهره ليقع أمامهم ميتاً، ثم يتابعون حكاية الدخول المتخفي إلى الأردن عبر ولوجهم إلى عمق الأحراش الفاصلة بين البلدين، وصولاً إلى مخيم الزعتري.

تترك المخرجة للأطفال التعبير براحة عن أفكارهم، ولو أن ذلك أخذ من زمن الفيلم الكثير، يتابع المشاهد بدقة العلاقة بين أفكار مروى وعمرها، كيف شكلت وعيها بالأحداث من حولها بهذه الطريقة. أختها آية أيضاً تعبر بطلاقة وانفعالية الطفولة، لكن الأخ الأصغر محمد هو من تتركز في شخصيته، ما يعرف بـ"آثار الحرب السورية على الطفولة"، التعرض لتجربة العنف، تبدل الأمكنة، والأثر النفسي العاطفي على طفل، لكل هذه التجارب.

واقع العيش في مخيم الزعتري

تسرح كاميرا المخرجة دينا ناصر في تصوير واقع العيش في مخيم الزعتري، لقطات واسعة عريضة لكامل المخيم في الليل والنهار تترافق مع موسيقى وترية متميزة لآلات: الكمان، الفلوت والعود (الموسيقى من تأليف رونالد هيو)، كذلك لقطات طويلة ترافق المخيم حين يتعرض لعاصفة رملية في الصيف، وعاصفة مطرية في الشتاء. تصور الكاميرا داخل الخيم لتطلع المشاهد على أوضاعه، وتتابع معاناة الأهالي في تثبيت منازلهم للوقاية من العواصف.

لكن أبرز ما تتابعه المخرجة هو تطور المخيم عبر السنوات، فبينما يكون أرضاً ترابية مليئة بالخيم في بداية الفيلم، يتحول مع مرور الزمن إلى أشبه بالمدينة العشوائية، حيث يظهر سوق جماعي، محلات للبيع، محلات للحلاقة، ومحلات ألبسة للزفاف.

"كل القصص يلي حكايلي ياها صرت شوفها بعيوني"! لقد تشابهت في عيني مخرجة فيلم "أرواح صغيرة" دينا ناصر، حكايات التهجير الفلسطيني في عام 48، مع حكايات اللجوء السوري إلى الأردن، وأدركت ما كان يرويه لها والدها عن التهجير الفلسطيني

فيلم أرواح صغيرة للمخرجة دينا ناصر يتابع على مدار أربعة سنوات، تصوير حكاية أطفال عائلة سورية لجأت من درعا إلى مخيم الزعتري و"يفيض بالأمل لقوة هؤلاء الأطفال وطاقاتهم التي ظهرت بتفهمهم ونضوجهم مع ما يعايشونه"

تجربة اللجوء بين المخرجة وشخصيات الفيلم

تصرح المخرجة دينا بدوافعها لصناعة الفيلم: "هي رغبة التعرف على حياة الطفولة السورية ومحاولة مساعدتهم وتجميع القصص عنهم"، لكن الفيلم يفاجأ مشاهده بما هو أكثر أهمية وتركيباً. فعائلة المخرجة أيضاً هجرت فلسطين في العام 1948، وانتقلت إلى الأردن، يدخل صوت صانعة الفيلم في بعض المشاهد وهي تروي: "كل مرة بفوت ع المخيم، بفكر بوالدي، مهجر من 48، كان عمرو صغير لما تهجر، ولسّاتو لحد الآن بيتذكّر كل شي.

كل القصص يلي حكايلي ياها صرت شوفها بعيوني"، لقد تشابهت في عيني المخرجة حكايات التهجير الفلسطيني في عام 48، مع حكايات اللجوء السوري إلى الأردن، وأدركت ما كان يرويه لها والدها عن التهجير الفلسطيني.

التشتت العائلي حالة تركز عليها المخرجة في الفيلم، تصور أفراد العائلة وهم يحاولون التواصل بين سورية والأردن: جدة ترى للمرة الأولى حفيدها، ومعلومات شحيحة عن أخيهم الباقي في سورية، كما أن الأطفال يمتلكون وعياً سياسياً خاصاً، ناتجاً عن الثورة السورية وعن تجربة حياتهم، يتحدثون عن انشقاقات العسكر، ويغنون الكثير من الأغاني المرتبطة بالحال السياسي: "لا تبكي سورية"، "جنة جنة جنة"، "درعا البلد في قلب سورية"، هذه الأغاني تدفع للتساؤل عن مستقبل أطفال مليئين بأغاني تمجد الثورية والحرية، بينما لا يحمل مستقبلهم معالم من هذه السمات.

بين رغبة العودة والارتباط بالمخيم

في البداية يركز الأطفال على الدوام في حديثهم للكاميرا على رغبة العودة إلى سورية، في إحدى ألعاب الأطفال حيث يغمض كل الأطفال أعينهم ليتخيلون براحة وبحرية كل ما يرغبون، تتعدد أجوبة الأطفال عند إعادة فتح عيونهم: "رأيت صاروخاً، رأيت يوم عيد أزهار وألبسة جديدة، رأيت أننا عدنا إلى سورية"، لكن الأسرة اللاجئة تنتقل إلى عمان، تقطن في شقة متواضعة، ولا يلبثون أن يعودوا إلى المخيم لغلاء المعيشة في عمان.

هنا نلاحظ التغير الذي طاول المخيم، تقول المخرجة عن لسان والدها الذي يروي عن المخيمات الفلسطينية في 48، ولكن المخرجة تسقطه على مخيم الزعتري: "في المخيم لا حرب ولا سلام، كل يوم ترقب وخوف، اليوم أنت موجود هنا وفي الغد لا. هكذا حياة المخيمات".

من الطفولة إلى المراهقة

يتطرق الفيلم أيضاً عبر لسان الأطفال إلى التعليم في المخيم، 150 طفلاً في الصف الواحد، تقدم أربعة دروس معاً لضيق المساحة والوقت، لا يحمل الأطفال كتباً ولا يكلفون بوظائف منزلية. من بعدها ندخل في مرحلة حساسة من حياة الابنة الكبيرة مروى، إنها تنتقل بين الطفولة والمراهقة، ما يغير من طريقة معاملة سكان المخيم لها.

تُجبر مروى على ارتداء الحجاب، وعلى البقاء في المنزل دون الخروج. هذا التحول يرصده الفيلم لأنه تابع حكاية شخصيته الرئيسية على مدى سنوات أربع، ما يسمح له بتوضيح التحول الذي تعيشه فتاة لاجئة بين الطفولة والمراهقة.

في الفيلم نكتشف صعوبة التصوير في المخيم. فالتصوير ممنوع داخل الزعتري إلا بعد الحصول على تصريح من السلطات الأمنية، تطلعنا مشاهد الفيلم على الجهود التي تبذلها المخرجة للحصول على تأشيرة السماح بالتصوير، في كل مرة تنتهي الموافقة لتحصل على تصريح جديد، وهكذا تضيع منها الأسرة التي تتابعها بين كل مرة وأخرى، وربما من هنا أتت فكرة المخرجة بإبقاء كاميرا مع الأطفال ليصوروا ما يجري معهم ويرسلوه لاحقاً للمخرجة.

تتعرض حياة العائلة لأزمة، حيث تتهم السلطات الأمنية في المخيم الأخ الأكبر بأنه يتعاون مع النصرة أو داعش، فتُجبر العائلة على مغادرة المخيم، وبينما كان الأطفال في البداية راغبين بالعودة إلى سورية، إلا أن السنوات الخمس التي قضوها في المخيم شكلت لهم علاقات صداقة وقصص حب، وهم الآن خائفون وقلقون من ترك المخيم والانتقال إلى مكان إقامة جديد.

لكن اللاجئ لا يملك حكايته وتنقلات حياته، فتجبر السلطات الأمنية العائلة على العودة إلى سورية، وفي هذه الفترة كانت المخرجة بلا تصريح رسمي للتصوير، فلا تتمكن من متابعة وقائع ما يجري معهم، ومغادرة شخصيات فيلمها للمخيم. فقط نسمع صوتها تتحدث إلى مروى في آخر محادثة بينهما. وقد اقترح بعض النقاد على المخرجة متابعة حكاية العائلة في فيلم آخر وفي منطقة أخرى.

حيوية الطفولة في ظل الوضع المأساوي

ما يميز الفيلم في التعامل مع موضوع الطفولة هو التركيز على حيوية الأطفال في ظل الوضع المأساوي الذي يعيشونه. حيوية الأطفال أمام الكاميرا ومشاركتهم في سرد الحكايات وتصوير المشاهد، تمنح الفيلم فيضاً من الطاقة. كتبت الناقدة إسراء الردايدة عن هذا الجانب من الفيلم:

"الفيلم لا يستعطف المشاهد بل يفيض بالأمل لقوة هؤلاء الأطفال وطاقاتهم التي ظهرت بتفهمهم ونضوجهم مع ما يعايشونه. فتظهر العزيمة والشجاعة من خلال حركتهم المستمرة أمام الكاميرا التي باتت رفيقاً لهم، وهم يتحدثون عما حصل لهم ببراءة وعفوية. الحيوية خلقت انطباعاً قوياً في فيلم أرواح صغيرة".

يشارك الفيلم عن فئة الأفلام الوثائقية في مهرجان أيام فلسطين السينمائية بين 5 – 9 تشرين الأول.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard