حتى في البار لا يمكن أن تنزعوا الحربَ عن الجسد... بارات حمص كوكتيلات تشبه الوطن

الخميس 3 أكتوبر 201903:24 م

يأتي هذا المقال ضمن الملفّ المُعدّ لشهر أكتوبر 2019, في قسم "رود تريب" بـ"رصيف22" والمعنوَن "بصحْتك يا ساقي... بارات عربية لا بدّ من زيارتها".


وجه المدينة المهدَّم لا يشبه ذاك الضحوك منذ أعوام؛ مزيج مختلف ينتظركم هنا على بوابة حمص، فسحات من الأمل وسط الخراب، كأنها ألوان زاهية مرشوقة على لوحة قديمة ممزقة من الوسط والأطراف، لكنها لازالت حية تنبض بعجائبها وعرقها الطيب.

أنتم العابرين من هنا في مدينة حمص السورية وتبحثون عن مفاتيح أبوابها، هل لكم أن تتخيلوا أن وراء كلّ هذا الخراب تقبع بعض البارات العامرة بالاحتفالات وشباب وفتيات يرقصون معاً ويشربون نخبَ وجودهم على أنقاض الحرب؟

كافيتريا صباحاً، بار خاص مساءً

تعيش حمص في كونتونات طائفية وأخرى طبقية عزّزتها الحرب أكثر وأكثر، تصل بين هذه الكونتونات شوارع للحرية، تختلط فيها معالم المدينة بسكّانها وغربائها. في أغلب هذه الكونتونات يشرع باعة المشروبات الكحولية محالّهم دون خوف، لكن هناك في الكونتون السنّي تنحسر هذه التجارة لأسباب واضحة. تكثر في حمص المقاهي وتعج بالشباب والمراهقين وحتى الأطفال، المشروبات الكحولية مسموحة على كافتيريات هذا الطرف من الكونتونات، أما تلك فتكتفي بالبارد والساخن وتتشارك جميع الطوائف نفس الأركيلة.

في إحدى كافيتريات شارع "الحضارة" وسط حمص، هناك إعلان عن حفلة DJ وبار مفتوح. وهي التي كانت تستقبل ثنائيات الحبّ من الجامعة القريبة عند الظهيرة. "متى يفتح البار؟"، أسأل. يجب: فقط عند المساء وعليك أن تبتاعي بطاقة. "من إين؟". من المجموعة. "إي مجموعة؟". مجموعة الفيس بوك؛ هناك مجموعة خاصة تحجز الكافيتريا لتتحول مساءً إلى بار وتبيع لأعضائها البطاقات.

لا يميز أغلب سكان حمص بين البار والحانات وبين الملاهي الليلية الأخرى على أطراف المدينة، فالأخيرة موجودة منذ القدم ومليئة ببنات الليل والرقاصات، وكلّ من يرتادها يُعتبر منحرفاً عن الأخلاق العامة، اما البارات القليلة في حمص فتختلفة قصتها

أسال لماذا لا يكون البار مفتوحاً للجميع؟ يردّ صاحب الكافتيريا درءاً للمشاكل؛ لا يمكن أن نمنع أحداً من الدخول، ولا يمكن بعدها ضبط البار. الأفضل أن يكون الأمر على عاتق المجموعات.

نعم للعرق البلدي، لا للبارات

يحدّثني رجل خمسينيّ حمصيّ عن فوضى المشروبات الكحولية اليوم. يقول إن "المدينة مليئة بأنواع المشروبات الكحولية غير الصحية. البعض لا يميز بينها. هذه المشروبات الأجنبية تؤثر على الصحة وعلى الشباب العودة إلى العرق البلدي". ويكمل: هناك عشرة محال للمشروبات الكحولية في حيِّه. أساله: هل يوجد بار في الحيّ؟ فيحمد الله على عدم وجوده.

لا يميز أغلب سكان حمص بين البار والحانات وبين الملاهي الليلية الأخرى على أطراف المدينة، فالأخيرة موجودة منذ القدم ومليئة ببنات الليل والرقاصات، وكلّ من يرتادها يُعتبر منحرفاً عن الأخلاق العامة، اما البارات القليلة في حمص فتختلفة قصّتها.

قبل الحرب نهضت السياحة الداخلية في حمص وتسرّبت إلى المدينة حركة تجديد الأبينة القديمة وتحويلها إلى مطاعم وفنادق، فكان قصر جوليا وبيت الآغا والحجر الأسود وغيرها من الأماكن التي حفظت ذكريات جميلة قصيرة المدة لحمص

بار جوليا

للوصول إلى البار الأشهر في حمص عليكم أن تقطعوا ودياناً من الدّمار لتصلوا إلى "الحميدية"، أحد أقدم أحياء المدينة، أو أن تعبروا المقبرتين قدوماً من الكونتون الآخر مروراً بوادي السايح. تتجهون نحو شارع الأظن مروراً بحاجز أمني لا يقف أمامه أحد. تعبرون شارع الحميدية الرئيسي، فتبدو نوافذ أبنتيه القديمة خالية من البشر. انعطفوا يساراً في زقاق ينتهي بكنيسة "أمّ الزنار" التي لازالت تشبه نفسها مع الكثير من الأعلام والنعوات والإعلانات. خطوتان نحو اليسار وتصلون إلى زقاق مطعم قصر جوليا الشهير في بستان الديوان.

قبل الحرب نهضت السياحة الداخلية في حمص وتسرّبت إلى المدينة حركة تجديد الأبينة القديمة وتحويلها إلى مطاعم وفنادق، فكان قصر جوليا وبيت الآغا والحجر الأسود وغيرها من الأماكن التي حفظت ذكريات جميلة قصيرة المدة لحمص. بعض هذه المطاعم كانت تضمّ في مجموعتها باراً منفصلاً وأشهرها كان بار جوليا.

أعاد قصر جوليا ترميم نفسه بعد الحرب وعاد ليستقبل الزبائن. حتى البار حين فتح أبوابه في البداية كان يقتصر على الساعات الأولى من المساء 8-12، لكنه عاد هذا الصيف ليبدأ برامجه في وقت متأخر عند العاشرة. الأضواء وألوان المشروبات والموسيقى وخلف كلّ ذلك الحجر الأسود المزروع في تفاصيل حمص القديمة تشعر الزائرين بأصالة المكانة مع كلّ هذا الضجيج.

يجتمع الشباب والفتيات وأغلبهم من الحيّ نفسه. تظهر عليهم التكتلات. يبدو أن المكان لا يسمح بدخول المجموعات دون عناصر أنثوية. تقول لي شابة: "قبل الحرب أو بعد الحرب الأمر سواء؛ يجب ألّا يُسمح بدخول الرجال بمفردهم، يأتون من المناطق الأخرى ولا يلتزمون بأخلاقنا". تنضح الطائفية من حديثها، لكن ربما هي محقة، فالكونتون هنا مسيحي ومعنى المسيحي في الشرق الأوسط يختلف قليلاً عن معناه في بقية العالم. أفكر كيف علقت بالأقليات كلُّ هذه التعريفات الغامضة؟

حتى في البار لا يمكن لك أن تنزع/ي الحرب عن جسدك، لكن يمكن للكؤوس أن تنسيك كلّ هذه الترهات، لتأتي الموسيقى وأحياناً الرقص، وينقلك إلى حمص أخرى تشبهك أنت، وتشبه ما تحبه/تحبينه، وما تشاءه/تشاءينه، وما لا يمكن أن يتحقق.

بارات الظهيرة للمحرومين

لا يمكن لجميع الشباب والفتيات في حمص الذهاب إلى البارات، ولاسيما تلك الغالية في فنادق المدينة. بعضهم تمنعه رسوم الدخول وآخرون تمنعهم ثقافة عائلاتهم، والأمر هنا لا يختلف في حال كانت العائلة تحتسي الكحول أم لا، فإذنُ الذهاب إلى البار شبه مستحيل عند الأغلبية، ذلك أن الصورة النمطية للبار عند الأهل النمطيين غير مرغوب بها، ولتخطي هذا العائق يرغب الشباب بعودة برامج بارات الظهيرة التي انتشرت قبل الحرب واختفت مع الأيام الحلوة.

يقدّم بار جوليا كوكتيلاً كحولياً خاصاً بهم، سمّوه "ودع أهلك". أفكر مراراً في هذا الكوكتيل واسمه، تتداعى أمامي وجوه أصدقائي المبعثرين في كلّ بارات العالم، متى سنلتقي في هذا البار؟

تقول شابة: "الأمر لا يختلف عن أي مكان آخر؛ نحتفل ونرقص مع الاصدقاء. أمي تتخيل أن كل الفتيات في البار يفقدن أخلاقهن، ولكن الأمر ليس كذلك، وما يمكن فعله في كافتيريات الجامعة أسوء من هنا!".

"ودع أهلك" 

يقدّم بار جوليا كوكتيلاً كحولياً خاصاً بهم، سمّوه "ودع أهلك". أبتسمُ عند مشاهدته، فالطرافة لا تنفصل عن أهل حمص حتى في باراتهم. أفكر مراراً في هذا الكوكتيل واسمه، تتداعى أمامي وجوه أصدقائي المبعثرين في كلّ بارات العالم، متى سنلتقي في هذا البار؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard