أن تحتسوا نبيذاً معتّقاً بالحبّ والفنّ والأدب... هنا القاهرة، هنا "ريش"

الثلاثاء 8 أكتوبر 201901:17 م



يأتي هذا المقال ضمن الملفّ المُعدّ لشهر أكتوبر 2019, في قسم "رود تريب" بـ"رصيف22" والمعنوَن "بصحتك يا ساقي... بارات عربية لا بدّ من زيارتها".


بضع دقائق سيرًا على الأقدام هي المسافة الفاصلة بين ميدان التحرير و"مقهى ريش" القابع في شارع طلعت حرب. تخطون تلك الأمتار، وأنوفكم مشبعة برائحة دم زكية سالت على أرض ذلك الميدان العتيق، ولم تمحُها ثمانية أعوام مضت منذ وأد ثورة الخامس والعشرين من يناير، وتصُم آذانكم أصوات السيارات في الشارع المزدحم، وتحاول عوادِمها حجز مكان بين رئاتكم قبل دخول المقهى وإشعال سيجارة بين جنباته.

بدخولكم المقهى، وتحديقكم في صور الشخصيات المُعلقة على حوائطه، ستجدون أنفسكم جزءًا من فيلم كلاسيكي بالأبيض والأسود، وتشمون رائحة كتب عتيقة لطالما حلمتم بلقاء كتّابها؛ فذلك نجيب محفوظ، وهذا أمل دنقل، وذاك نجيب سرور، وهؤلاء صلاح جاهين، وأحمد فؤاد نجم والشيخ إمام، وغيرهم. كلّ هؤلاء جلسوا وتسامروا واختلفوا وتخاصموا على طاولاته، وعلى الجانب الآخر ستجدون زجاجات الخمر مُرصعة ببهاء داخل بار أنيق، بينما يُطالعكم صوت محمد عبد الوهاب وهو يشدو: "قالولي هان الود عليه ونسيك وفات قلبك وحداني".

رحلة قرن من الزمان... من المجر إلى قلب الصعيد المصري

قصة بناء "ريش" تحمل درامية تليق بعراقته، حيث تعاقبت على ملكيته جنسيات مختلفة، قبل أن يستقرّ به المقام في حوزة عائلة مصرية صعيدية، فالأرض التي أقيم عليها كان يحتلّها قصر الأمير محمد علي توفيق، قبل هدمه وبيعها إلى باغوص باشا نوبار، حتى آلت ملكيتها إلى الشركة العقارية المصرية، والتي باعتها بدورها، وبحسب الروايات فإنَّ عائلة يهودية تسمي "عادا"، هي التي تولت بناء العمارة التي تضمّ المقهى، وإن أول من قام بتأجيره، هو المجري برنارد ستنيبرج، في الفترة من 1908 إلى 1913، ثمّ انتقلت الإدارة وعقد الإيجار إلى الفرنسي بيير ريسنييه بين عامي 1914 و1916، لتنتقل إلى اليوناني ميشيل بوليتيس، حسبما يروي الكاتب محمود خير الله في كتابه "بارات مصر... قيام وانهيار دولة الأُنس".

وعلى يد اليوناني ميشيل بوليتيس تطور "ريش" ليضمّ حديقة ومسرحًا كبيرًا على خشبته غنّى كبار المطربين في مستهل عشرينيات القرن الماضي، مثل الشيخ أبو العلا محمد، وزكي مراد، وأم كلثوم في بداياتها.

وفي عام 1932 آلت ملكية المقهى لليوناني واسيلي مانولاكيس. ثمّ انتقل إلى الإنكليزي جورج واسيلي بعد عشرة أعوام، وظل في حيازته حتى عام 1960، وهو العام الذي شهد امتلاك أوّل مصري لـ"ريش"، وهو عبد الملاك ميخائيل صليب.

على يد اليوناني ميشيل بوليتيس تطور "ريش" ليضمّ حديقة ومسرحًا كبيرًا على خشبته غنّى كبار المطربين في مستهل عشرينيات القرن الماضي، مثل الشيخ أبو العلا محمد، وزكي مراد، وأم كلثوم في بداياتها

توفي عبد الملاك في أوائل الثمانينيات، بعد أن شهد المقهى في عهده ندوات ثقافية أسبوعية أدارها نجيب محفوظ، وخرجت من بين جدرانه مظاهرات تندّد بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد في آواخر السبعينيات، قادها الأديب يوسف إدريس، وورث اللواء مجدي المقهى عن والده، وحافظ على طبيعة المكان الثقافية والثورية، فاحتضن أمل دنقل، ونجيب سرور رغم عصبيتهما، والشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، رغم ما يكلفان المكان المتواجدان فيه من أزمات مع الشرطة بسبب أغنياتهما المُزلزلة.

وقبل أربعة أعوام، نعى الوسط الثقافي المصري اللواء مجدي عبد الملاك ميخائيل برثاء فريد من نوعه. وذلك التفرّد مرجعه أن الفقيد لم يكن من روّاد القصة القصيرة، ولم يُضبط يومًا متلبسًا وهو ينظم بيتًا من الشعر، أو يُصيغ رواية أدبية تخلّده ضمن ذلك الحشد الذي بكى بحرقة على فراقه، لكنه كان حارسًا أمينًا على تاريخ كلّ من برعوا في تلك الفنون، لأنه ببساطة كان آخر مالك "مقهى ريش".

احتضن "ريش" أمل دنقل، ونجيب سرور رغم عصبيتهما، والشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، رغم ما يكلفان المكان المتواجدان فيه من أزمات مع الشرطة بسبب أغنياتهما المُزلزلة

"ريش"، شاهدًا على قصتي حبّ بينهما نصف قرن

في العقد الأول لإنشاء مقهى ريش كانت الأعمال المسرحية المصرية تشهد ذروة فنية يقوم عليها كبار الفنانين، من بينهم الممثلة الشابة آنذاك فاطمة اليوسف/روزا اليوسف، والمطرب محمد عبد القدوس، اللذان التقيا على خشبة مسرح المقهى، ومثّلا معًا مسرحية "من يحبّ أليزي؟"، وحينها جمعتهما قصة حبّ، ثم زيجة لم تدُم طويلًا، ونتج عنها إنجاب الكاتب إحسان عبد القدوس.

وبعد أكثر من سبعين عامًا، كان المقهى على وعد بقصة حبّ أكثر شهرة في آواخر سبعينيات القرن الماضي بين الشاعر الراحل أمل دنقل، والكاتبة عبلة الرويني، التي تقول في كتابها "الجنوبي": "كان موعدنا الثاني مقهى ريش، وقد كان ريش في ذلك الوقت يسبب لي نوعًا من القلق. كان مجرّد دخولي إليه يُشعل وجهي بالخجل والارتباك؛ كلّ الوجوه تتطلع نحوي بفضول غريب، وربما ليس نحوي أنا شخصيًا، قدر ما هو تتطلع نحو الفتاة الخجول الباحثة عن أمل دنقل".

بدخولكم المقهى، وتحديقكم في صور الشخصيات المُعلقة على حوائطه، ستجدون أنفسكم جزءًا من فيلم كلاسيكي بالأبيض والأسود، وتشمون رائحة كتب عتيقة لطالما حلمتم بلقاء كتّابها

وتُضيف عبلة: "كانت هذه هي المرّة الأولى التي أدخل فيها بارًا، مثلما كان ريش أول مقهى أدخله، وكان أمل هو أول مصدر صحفي يمنحني حوارًا وهو يتناول زجاجة من البيرة".

وفي حديثها لـ"رصيف 22"، تقول عبلة الرويني: "ريش حاليًا فقد العلاقة مع المثقفين، وتحوّل لمجرّد مطعم لتقديم المأكولات، وأستطيع القول بأن المقهى مات بموت مجدي ميخائيل. لكنه في السابق كان مظلّة لأمل دنقل ورفاقه، ومحطّة لانطلاق المظاهرات المندّدة بنظام الرئيس الأسبق محمد أنور السادات".

وتشير الرويني إلى أن علاقتها بمقهى ريش ليست شخصية، وإنما كلّ ما يشغلها بالمكان هو ارتباط أمل دنقل به، وذهابها إليه لمرّات معدودة كان برفقته، منوهة بأن ذكرَ اسم المقهى يُعيد إلى ذهنها "حبّ العاملين القدامى ومالكه لأمل؛ ففي المرات التي لم يكن يملك بها ثمن المأكولات والمشروبات كان يأخذ طلباته على (النوتة) أي بنظام الأجل... في النهاية ريش يعني لي أمل دنقل والتاريخ العريق، ليس أكثر".

بروتوكولات حكماء "ريش" وجلد الذّات

"نحن الحكماء المجتمعين بمقهى ريش/ من شعراء وقصاصين ورسامين/ ومن النقاد سحالي الجبانات/ حَمَلة مفتاح الجنة/ وهواة البحث عن الشُهرة/ وبأيّ ثمن/ والخبراء بكلّ صنوف الأزمات/ مع تسكين الزاي/ كالميكانيزم/ نحن الحكماء المجتمعين بمقهى ريش/ قررنا ما هو آت"... تلك الكلمات كانت الديباجة الخاصة بديوان "بروتوكولات حكماء ريش" للشاعر نجيب سرور، المنشور عام 1977، مُعبرًا عن رفضه للمدّعين، وحملة الأطنان من الكتب دون فهم محتواها، ومردّدي الشعارات الجوفاء، الذين اكتظّ بهم ذلك الزمان.

في أواخر السبعينيات كان "سرور" يشهد الفترة الأكثر مرارة في حياته، وهو ما يظهر جليًا في قصيدته الأثيرة "أميات" التي عرّى فيها المجتمع بأسره، ذاكرًا الشخصيات بأسمائها، وما فعلوه به من خيانة ــ بحسب زعمه ــ بداية من زوجته الفنانة سميرة محسن، والرئيس أنور السادات، والكاتبين محمد حسنين هيكل، ونجيب محفوظ، فكان طبيعيًا أن يأتي "ديوان بروتوكولات حكماء ريش" على نفس النهج المُظهِر للبؤس، فيقول في أحد مقاطعه: "الناس اثنان... أحدهما يطفو في الطوفان... والآخر يغرق في كأس... إني أغرق... أغرق... أغرق"، ليموت نجيب عقب كتابة تلك الكلمات بشهور قليلة، تحديدًا في الرابع والعشرين من أكتوبر لعام 1978.

حالة جلد الذات التي انتهجها بعض مثقفي "مقهى ريش" لم تتوقف عند نجيب سرور فقط، فكان لشاعر العامية الراحل أحمد فؤاد نجم قصيدة لا تقلّ حدة، وهي "يعيش أهل بلدي"، التي يقول فيها: "يعيش المثقّف على مقهى ريش/ يعيش يعيش يعيش محفلط مزفلط كتير الكلام/ عديم الممارسة/ عدو الزحام/ بكام كلمة فاضية/ وكام اصطلاح/ يفبرك حلول المشاكل قوام/ يعيش المثقف/ يعيش يعيش يعيش".

وزاد من شُهرة كلمات "نجم" غناؤها بلحن يعيش إلى الآن، قدّمه رفيق دربه الشيخ إمام، واستعيدت الأغنية ذاتها في فيلم "الفاجومي" بصوت المطرب الشاب أحمد سعد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard