"الحبس كذاب"... المثلية الجنسية في سجون السبعينات البورقيبية

الثلاثاء 1 أكتوبر 201908:07 م

تقدّم رواية "الحبس كذاب والحي يروح" (2009) للكاتب فتحي بالحاج يحيى، وعلاقتها بالمثلية الجنسية والسياسية، مثالاً هاماً عن الهوية الجندرية، لهذا تستحق أن نعيد تقييمها.

ذلك أن كتابات اليساريين الأرثوذكسيين والماركسيين نادراً ما اتجهت للكتابة حول المثلية، على الرغم من أن أنجلز قدّم بحثاً مفتاحياً ضمن الدراسات المناهضة للبطريركية في كتاب "أصل العائلة، الملكية الخاصة والدولة".

تتناول الرواية عدة تفاصيل سياسية ونضالية لطلبة اليسار في السبعينيات ضدَّ النظام البورقيبي، كما تفصح عن سر علاقة الجندر بالسجن كمؤسسة سياسية عميقة المدلولات، تهدف لتطبيع الأفراد بما يتطابق مع الجسم الاجتماعي المؤنث والمذكر.

"الحبس كذاب والحي يروح" هي العبارة الأخيرة لزينوبة، وهو مثلي جنسي مسجون، في أول لقاء لها مع الكاتب في سجن 9 أفريل لتعلمه أن أعلاماً من المناضلين اليساريين علموا بقدومه إلى السجن (سيتبين للقراء/القارئات أنّ كاتب المقال تعمّد استخدام المؤنث وجمعه احتراماً لشخصيات فضّلت التعريف عن نفسها بالمؤنث).

المثلي لعب دور المساعد لليساري الثائر على السلطة. لم يكن سجن 9 أفريل مفرط الذكورية، لأنه ممتلئ أيضا بما يسمى الكَارْيُكَاتْ أو المثليين. اعتبرهنَّ الكاتب حليفاً استراتيجياً يتشارك معه العداء لنظام القمع والدكتاتورية، أي أن المثلية الجنسية هي من أشكال الديمقراطية اللامعيارية، فالاختلاف جوهر العدل والمساواة.

لكن كيف نفسّر علاقة الجندر بنظام الحكم وبالتمثلات الجماعية والتراتبية الاجتماعية؟

لم يكن للسجن التونسي خلال السبعينيات لوناً واحداً

يعتبر الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو ضمن كتابه "المراقبة والمعاقبة"، أن القرنين الثامن عشر والتاسع عشر عبرا إلى عقوبة الاحتجاز ومأسسة السجن، وفقاً لتصور فلسفي أباح "أنسنة" القمع ليخلق بديلاً مؤسساتياً هو السجن، وولد نوعاً جديداً من العقاب. السجن إذا هو "عقوبة المجتمعات المتحضرة". وينسحب هذا على المجتمع التونسي في السبعينيات: أتت ولادة الجمهورية التونسية بعد الاستعمار، بقيادة جديدة، حاملةً معها القوانين الديمقراطية المتمثلة في مجلة الأحوال الشخصية وتشريك المرأة في الحياة الاجتماعية وإرساء قيم المساواة.

إلا أن القيادة البورقيبية افتقدت النضج الكافي لفهم مقولة الحرية، بدليل الممارسات المستوحاة من تطور المعارضة وبروز جيل من الماركسيين والقوميين يقاطعون السلطة، وينادون بالثورة الشعبية والانخراط في النضال ضد الصهيونية، مقابل أقلية إسلامية ترى في علمنة المجتمع التونسي تشبّهاً بالنموذج الغربي وتخلياً عن الثوابت الإسلامية.

تترجم الزنزانة الانفرادية الضيقة في السجن التونسي وغير المؤهلة لاستقبال كائن بشري "فكرة أن المخالفة قد أضرت، متجاوزة الضحية، بالمجتمع بأكمله"، والأخطر أن السجن يعني حرمان الفرد من الحرية "وتحويل الأشخاص تقنياً".

إن السجن كمؤسسة ضبط اجتماعي "يتكفل بكل أوجه الفرد وحالاته: تقويمه الجسدي، استعداده للعمل، سلوكه اليومي، موقفه الأخلاقي، كفاءاته؛ [...] هو انضباطي كامل شامل". لم يكن للسجن التونسي خلال السبعينيات لوناً واحداً، فحسب الراوي "علاوة على سجناء الحق العام من جميع الطبقات والفئات الاجتماعية، نجد السجناء السياسيين من شباب يساري وقومي وغيرهم من الفنانين من أهل الأغنية والمسرح"، والسجن هنا علاج لما يُعتبر داء الاختلاف، فيضم أهل المعارضة السياسية وأهل الفنون: أي أهل التحرر والإبداع.

لكن أي دور للمثلي الجنسي في هذه الفسيفساء؟ وكيف نفهم تواجده خلال فترة السبعينات داخل السجن؟

قدمت رواية "الحبس كذاب والحي يروح" للكاتب فتحي بالحاج يحيى مثالاً هاماً عن الهوية الجندرية، بتتبعها المثلية الجنسية والسياسية في فترة السبعينات داخل السجن في تونس... هنا نعيد تقييمها

المثلية الجنسية التونسية

تعتبر المثلية من أشكال هدم البناء الهرمي الاجتماعي القائم على إعلاء مكانة المذكّر مقابل دونية المؤنث. وبتغذّيه على الخطاب الديني المحافظ يظل قاموسنا اللغوي "محكوماً بزمننا الديني المتواصل". وأمام اندثار الهوية الفردية يصبح الفرد مطالباً بالانصهار ضمن التصورات القيمية والأخلاقية للمنظومة الدينية. لذلك يُسجن المثلي، فهو الصورة المناقضة للدين والنظام السياسي.

تقوم بطرياركية النظام البورقيبي في جوهرها على صورة الأب الراعي والمهندس لحياة "الأمة" تلبيةً لمتطلبات الحكم شبه الديمقراطي، الذي يفترض سطوة "الرجل الفحل" المتجذّر في الذهنية العامة. ونجد ما يقابل ذلك في مداورة النظام السياسي للخطاب الديني، فذلك لا يخدم الدكتاتورية فقط، بل يحرّم "التّلاعب بنظام الجنسانية الموثقة توراةً فإنجيلاً فقرآناً". الدين تماماً كالسجن أداة ضبط تقوم على تراتبية تغلّب الذكورة على الأنوثة، وما قوامة الرجال على النساء إلا إعلان لذلك.

المثلي مرفوض اجتماعياً و سياسياً، وربما ما يتقاسمه السياسي المعارض (أي كاتب الرواية) [الذي تدرب في معسكرات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين إلى جانب رفاقه] يتعلق بلامعيارتيهم، فالنظام البورقيبي يعتبرهم الآخر المختلف، اللامعياري سياسيا. يتعدد القاموس الذي يشير إلى المثلي اجتماعياً فهو يمثل "اللّواط والسّحاق والمأبنة والتخنث والتأنث والشذوذ وهلم جرّاً" كما جاء في الرواية.

لكن ما وجه العلاقة بين الأنوثة والمثلي؟

لا يتعلق الأمر بالطبائع أو السلوكيات، بل بهامشية المرأة والمثلي في المجتمعات العربية: الاثنان في بالوعة الغُربة l’aliénation. اللامساواة بين الجنسين تحتّم كون المرأة مواطنة بدرجة ثانية، و"التخنّث" هو نزول من العلاء الذكوري إلى الدونية كمغادرة بيت الطاعة، ولأن السياسة تتغذى من الدين "تؤسس للذكورة فينا وتحيل إلى قرآنية المعنى في استنكار مثل هذه الحالات والظواهر".

الكاريوكة: شكل المثلي

كلمة كريوكة هي "إشارة إلى الرجل المتشبّه بالأنثى"، ويرجح الكاتب كفتين لهذا التعريف: الأول فعل في العامية التونسية ينضوي على دلالة دينية وهو " كَرْكَرَ" أي "كمن يمشي وهو يحمل وزراً ثقيلاً وذنباً عظيماً على أكتافه لا يُغتفر، أو فعل "تكْركير" الذي يعني في اللغة العامية التونسية المراوغة في الكلام والفعل، أي المخاتلة والخداع. وهذا يندرج ضمن الشتائم التي تحتقر مجتمعات الميم والنساء على حد السواء.

و"الكركرة" تعني تدوير الشيء، ولأن الدوران يرتبط بحركة حزام المرأة أثناء الرقص، فيمكن أيضاً ربط تسمية كريوكة بالراقصة المصرية تحية كريوكة. ويعتبر الرقص الشرقي من التابوات الاجتماعية والدينية الدامغة في عمق شيزوفرينية المجتمعات العربية.

إن تشبيه المثلي الجنسي بالمخاتل تجعله محل رفض اجتماعي، وتشبيهه بـ"كريوكة" يلصق به صفة "الاحتقار" التي تلتصق في الخيال الشعبي مع الراقصة. والراقصة هي الوحيدة التي تقتحم الفضاء الذكوري بكل أنوثته لأجل اللذة البصرية وإثارة الشهوات، والذكورة التي لا تستفيد من هذه الأنوثة تفرط في قمعها، ما يجعل المثلي في مكانة الاحتقار، بدرجة احتقار "المرأة".

زينوبة الكريوكة... هدم للفضاء الجندري في سجن 9 أفريل المدني

يقول الراوي: "كنت حكيت على هاته الصّديقات اللاتي ساعدننا في أحلك فترات السجن الضيق، وبينت أسباب حرصي على إلحاقهن صرفياً بجمع المؤنث السالم احتراماً مني لهوية اخترنها لأنفسهنَّ".

إذن، المثلية الجنسية هي الهوية الجندرية المُغايرة التي تقتحم أحلك السجون كشكل من أشكال الذكورة المعممة... فضاء عنف يحتوي على سجناء الحق العام الذين بارتكابهم جرماً يتطلب "الشجاعة" يتحلون بالفحولة في أقصى درجاتها. تواجد المثلي في السجن يهدم الصورة النمطية للمجتمع الذكوري، خاصة وأنهن اخترن هوية جندرية لا تطابق هوياتهن البيولوجية، وهذا تأنيث للسجن الذكوري ومقاومة للهوية الجندرية التي اختارها النظام السياسي.

يذكر الكاتب أن زينوبة "ستحتفل قريباً بعيد ميلادها واستحلفتني أن أهديها ما يقابل رايتنا الحمراء عندها"، فطلب من والدته إحضار "كيلوت" وخبّأه في قاع صحن "كسكي، فسلمت الكلّ إلى زينوبة ليتم الفرح ملبساً ومأكلاً (...) الكريوكات حافلات في زنزانتهن وصدى زغاريدهنَّ يخترق رواق الجناح وأتحفتنا بكلّ ما يحفظن من أغانٍ حلوة ماجنة".

إن الموسيقى والإيقاع والعروض هي من ميكانيزمات قلب النظام الجندري في السجن، لأنها تكسر الحواجز الانضباطية لمثل هكذا مكان، وتؤنث السجن تحدياً للمعيارية الاجتماعية.

اللغة الفرنسية والعامية التونسية في وجه "الفحولة" 

إن المثليين يلعبون الصورة الأبوية المقابلة ما ينفي الصور البطريركية السياسية. وبتعرضهم/ن "إلى العنف المعنوي والمادي من قبل السجناء وحراس القلعة"،إنَّ كلمة "الحبس كذاب والحي يروح" تعني أن المثلي مدرك للحرية دون استئناس بالمراجع السياسية والفلسفية ومتفائل بانقضاء الدكتاتورية القائمة. وقد يعني رغبة مستبطنة في قلب التراتبية الاجتماعية للاعتراف بهن وبفضلهن لأنهم/ن يلعبون دور الحامي، فيذكر الكاتب أنهم/ن: "(...) ينبهننا، لاستراتيجية موقعهن عند المدخل، إلى تفتيش مفاجئ لحراس الليل". لا يختلفون/ن عن بقية المساجين السياسيين اليسارين بنضالهم.

ميل زينوبة إلى الفرنسية هو أيضاً هدم الصورة النمطية الذكورية، فعندما تتوجه إلى الكاتب بقولها: "يا حسرة على أيامات رشيد وبابي (papi) ونورة ورزوقة ... كانوا ما يحكيوا كان بالفرونسي، فينو برشا عليكم... هزوا المستوى شوية.." إذن من الواضح أن اللغة تلعب دوراً مهماً في بناء الهوية الجندرية.

تمتص رقة اللغة الفرنسية الغضب والصوت العالي، وهي ملامح تتواتر في الفحولة المبالغ فيها، والتي تجد ملاذاً في العامية التونسية. ربما أيضاً لأن زينوبة ترى في تواتر الكلام باللغة العربية "زحفاً هلاليّاً طال اليسار التونسي بعد عزه ودلاله، ونظراً لحرصها على مآل اليسار من العروبة". يقع رفض اللغة لما تكتنزه من رمزيات تدفع برهاب المثلية واحتقارها، وربما لأن الديمقراطية عند زينوبة تتكلم الفرنسية الصرفة، بالرغم من أن فرنسا آنذاك لم تلغ بعد "جريمة المثلية الجنسية".

ومن جهة أخرى فإن اللغة العربية تلعب قطعياً دوراً في تشكيل الهويات الجندرية، وما تقابل الجندر والسياسة في هذا المجال بالذات إلا للصراع على إعادة هيكلة الهوية وبعثها كطائر الفينيق من الرماد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard