"نجم عنخ"… قصة تابوت كاهن مصري نجحت القاهرة في استعادته من نيويورك

الأحد 29 سبتمبر 201904:41 م

هي قطعة فنية مصرية تعود إلى القرن الأول قبل الميلاد، مصنوعة من الخشب ومطلية بالذهب الخالص، تميزها عينان محددتان باللون الأزرق، مليئة بتفاصيل دقيقة رسمتها أنامل مصرية قبل آلاف السنين، إنه التابوت المصري الخاص بالكاهن المصري نجم عنخ، الذي نجحت السلطات المصرية في استعادته في الآونة الأخيرة من متحف أمريكي.

ما الذي نعرفه عن هذا الكاهن؟ وكيف نجحت القاهرة في استعادة تابوته المسروق منذ العام 2011؟ وهل عودة هذا التابوت إلى وطنه ستشجع السلطات المصرية على التحرك أكثر لاستعادة آثار أخرى نهبت إبان الفوضى التي تلت أحداث يناير 2011؟

رحلة عودة

صباح يوم 28 أيلول/سبتمبر وصل إلى مطار القاهرة الدولي تابوت الكاهن نجم عنخ الذي كان معروضاً لدى متحف متروبوليتان في نيويورك، بعد أن اعترفت إدارة المتحف بأنه سرق من مصر.

كان متروبوليتان قد اشترى التابوت من تاجر قطع فنية بباريس في العام 2017 مقابل نحو 4 ملايين دولار، وجعله القطعة الرئيسية في أحد المعارض التي أقامها قبل عدة أشهر، لكن التابوت أزيل من العرض في شهر شباط/فبراير الماضي.

وكان متروبوليتان قد اشترى التابوت من تاجر قطع فنية بباريس في العام 2017 مقابل نحو 4 ملايين دولار، وجعله القطعة الرئيسية في أحد المعارض التي أقامها قبل عدة أشهر، لكن التابوت أزيل من العرض في شهر شباط/فبراير الماضي، بعد أن تأكدت إدارته من أن الوثيقة التي قدمها لها بائع الآثار والتي تزعم أن التابوت خرج من مصر بشكل شرعي في العام 1971 مزورة.

وقبل العام 1983 كان القانون المصري يسمح باستصدار تصاريح بخروج بعض القطع الأثرية خارج مصر بطريقة شرعية، وهو ما يفسر وجود قطع أثرية مصرية في متاحف عالمية عدة.

ووفق بيان رسمي للسلطات المصرية فإن جهود وزارتي الآثار والخارجية المصرية "نجحت في إثبات أحقية مصر في استعادة التابوت"، وتابع البيان أنه بعد التحقيقات التي قام بها مكتب المدعي العام لمدينة منهاتن بنيويورك، واستمرت لأكثر من 20 شهراً، قدمت خلالها الإدارة العامة للآثار المستردة بوزارة الآثار المصرية بالتنسيق مع وزارة الخارجية المصرية "كافة الأدلة والإثباتات" التي تثبت أن الوثيقة التي قدمها بائع الآثار للمتحف الأمريكي مزورة، وأن مصر لم تصدر تصريح خروج لهذه القطعة إطلاقاً.



وبعد أن راجع مكتب المدعي العام لمدينة منهاتن بنيويورك المستندات المرسلة من قبل وزارة الآثار المصرية، انتهى مكتب التحقيقات التابع له لأحقية مصر في استعادة هذا التابوت الأثري، وأن تصريح التصدير له كان مزوراً ومتحف المتروبوليتان قد تعرض لعملية نصب عند شرائه.

وبحسب بيان وزارة الآثار فإن مدير عام متحف المتروبوليتان، أرسل في شباط/فبراير الماضي، خطاباً إلى وزارة الآثار المصرية يقدم من خلاله اعتذار المتحف للوزارة والحكومة والشعب المصري عن الواقعة، مؤكداً أن المتحف اتخذ كافة الإجراءات لعودة القطعة إلى بلدها الأم مصر.

كان مدفوناً في محافظة المنيا، حتى سرقه تجار آثار بعد ثورة 25 يناير، سافر من مصر إلى الإمارات، ومنها توجه إلى ألمانيا، ثم فرنسا، قبل أن يستقر في نيويورك... القصة الكاملة لتابوت الكاهن المصري "نجم عنخ" الذي استعادته مصر، مثلما يرويها لرصيف22 مصطفى وزيري، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار في مصر

"تابوت "نجم عنخ" يعود إلى القرن الأول قبل الميلاد، ويتكون من قاعدة مثبت عليها غطاء تزينه عشرات النقوش الدقيقة المطلية بالذهب، التي يؤمن المصريون القدماء بأنها تساعد المتوفي في لحظة انتقاله من الحياة إلى الحياة الأخرى الخالدة" هكذا يقول لنا خبير آثار مصري

وكان وزير الخارجية المصري سامح شكري، قد شارك الأسبوع الماضي، في حفل استلام التابوت بمكتب المدعي العام الأمريكي بولاية نيويورك، وتوقيع البروتوكول الخاص باستعادته مع المدعى العام الأمريكى في نيويورك.

كيف خرج التابوت من مصر؟

يقول مصطفى وزيري، الأمين العام للمجلس الأعلي للآثار في مصر لرصيف22 إن مصر نجحت في استعادة التابوت بفضل صحة موقفها القانوني، وإصرارها على جمع كل آثارها المنهوبة في كل الدول، مؤكداً أن الدولة المصرية "لن تترك أي قطعة أثرية منهوبة في أي بلد في العالم".

وكشف وزيري أن مصر شككت في مستندات ملكية التابوت المصري، وقدمت دعاوى إلى المحكمة العليا في مانهاتن بنيويورك للطّعن في صحة مستندات ملكية هذا التابوت الذي تم نهبه وتهريبه بطريقة غير قانونية خارج البلاد، مضيفاً أن المحكمة الأمريكية حكمت بأحقية مصر في استعادة التابوت.

ووفق وزيري فإن المتحف الأمريكي أكد للسلطات المصرية أنه سيتواصل معها قبل أن يشتري أي قطعة أثرية مصرية من أي بائع آثار للتأكد من صحة الوثائق التي معه، وأنه لن يقبل بعرض قطع أثرية مسروقة من مصر، وأنه سيعرض فقط ما خرج من مصر بطريقة شرعية.



وبحسب وزيري فإن التابوت لم يكن في مخازن الآثار المصرية قبل سرقته، بل كان مدفوناً في محافظة المنيا جنوبي مصر، وأنه تعرض للسرقة خلال فترة الفوضى التي أعقبت ثورة 25 يناير، وأنه انتقل من مصر إلى الإمارات، وبعدها توجه إلى ألمانيا، ثم فرنسا، قبل أن يستقر في نيويورك.

وعن الطريقة التي ستستفيد بها مصر من هذا التابوت قال وزيري إن مصر ستقوم بعرضه منتصف الأسبوع في متحف الحضارة المصرية بمنطقة الفسطاط بمصر القديمة، مرجحاً أن يجذب أكبر عدد من السياح للمتحف، وهذا من وجهة نظره سيساهم في أن تستعيد السياحة المصرية بريقها الذي خفت في السنوات الأخيرة.

"كاهن الحياة"

يقول خبير الآثار المصري نصر سلامة لرصيف22 إن التابوت يعود إلى القرن الأول قبل الميلاد، شارحاً أن تلك الفترة كانت تتميز بوجود مدارس فنية عدة منها البطلمية والرومانية، مضيفاً أن القطعة الأثرية تتكون من قاعدة مثبت عليها غطاء تزينه عشرات النقوش الدقيقة التي يؤمن المصريون القدماء بأنها تساعد المتوفي في لحظة انتقاله من الحياة إلى ما نسميه نحن الموت، ويسميه قدماء المصريون الحياة الأخرى الخالدة.

قدس قدماء المصريين اللون الذهبي لأنه يرمز إلى آشعة الشمس، التي تهب الحياة للجميع، ويعبر الذهب عن إيمانهم بالخلود لأن هذا المعدن لا يتغير لونه بمرور الزمن.

ووفق سلامة فإن كلمة عنخ تعني الحياة في اللغة الهيروغليفية القديمة، مضيفاً أن نجم عنخ كان كاهناً بارزاً للإله الرمزي "حري شف" الذي كان يعبد في تلك الفترة من قبل المصريين.

ويفسر سلامة سر طلاء التابوت بالذهب بأن قدماء المصريين قدسوا اللون الذهبي لأنه يرمز إلى آشعة الشمس، التي تهب الحياة للجميع، ويعبر الذهب عن إيمانهم بالخلود لأن هذا المعدن لا يتغير لونه بمرور الزمن.

وفي السنوات الأخيرة، قامت السلطات المصرية بعدة خطوات في محاولة لاستعادة آثارها المنهوبة، للحفاظ على تراثها وتاريخها الحضاري. وتُعد الولايات المتحدة من أكثر الدول التي تتعاون مع مصر لإعادة القطع الأثرية المهربة من مصر، خصوصاً بعد توقيع مذكرة تفاهم بين وزيري خارجية البلدين في تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2016 بشأن حماية الآثار المصرية من التهريب.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard