دروس دينية في حي الفاتح... تنظيم القبيسيات يصل إلى إسطنبول

الجمعة 4 أكتوبر 201903:24 م

عندما قدمَت خالتي القبيسية قبل عدة سنوات إلى تركيا لزيارة ابنها البكر، رفضت التخلي عن حجابها الأزرق الغامق ومعطفها الطويل كحلي اللون، رغم أن زيّها كان يثير استغراب بعض المارة، خاصة أن ابنها يقيم في حي "كورتولوش" ذي الأكثرية الأرمنية.

رفضت خالتي تغيير لون حجابها، وتمسكت به حتى عندما أهداها ابنها حجابات ملونة حسب الموضة التركية.

واليوم، لم يعد "المانطو" (المعطف الطويل) الكحلي والحجاب الأزرق زياً مستهجناً، بعدما بدأ ينتشر خلال الأشهر الأخيرة في بعض أحياء إسطنبول التي يكثر فيها اللاجئون السوريون، وبعدما بدأت بعض محلات الألبسة السورية في عرض الزي القيبسي المكون من مانطو كحلي وحجاب أزرق على واجهاتها.

وينتشر الزي القبيسي بصورة خاصة بين الصبايا السوريات اللواتي تتراوح أعمارهن بين الـ15 ومنتصف العشرينات، أي اللواتي نشأن في تركيا، ولم يجلبن اللباس والانتماء القبيسي معهنّ من سوريا.

"الارتقاء الديني" بمستوى الطالبات

مركز الهدى للقرآن الكريم وعلومه، وقف أهل القرآن، دار دعاة الخير، جمعية الحكمة، وغيرها هي مراكز وجمعيات دينية افتتحت في إسطنبول مع لجوء السوريين إلى تركيا.

تمتلك معظم هذه المراكز السورية صفحات على فيسبوك تنشر عليها بشفافية برامج دروسها الدينية المرتكزة على علوم تجويد القرآن الكريم والسنّة النبوية. وبحسب إعلاناتها، تستهدف الفتيات اليافعات وبصورة خاصة اللواتي تتراوح أعمارهن ما بين السبع سنوات والـ16، وتهدف إلى الارتقاء الديني والعلمي والاجتماعي بمستوى الطالبات.

كما تنشر المراكز الدينية عناوينها على فيسبوك بشكل واضح، وهي تتواجد بشكل أساسي في ثلاثة أحياء: الفاتح، إسنيورت، وبيليك دوزو، وتقدّم الدروس الدينية مقابل مبلغ رمزي لا يكاد يتجاوز الـ50 ليرة تركية شهرياً.

لا يقتصر تقديم الدروس في هذه المراكز على الشيخات بل يترأس بعض الدروات شيوخ يحاضرون بالفتيات، ما يعني أنها لا ترتبط بتنظيم القبيسيات الذي يتوخى السرية ويستبعد الرجال.

الاحتماء بجدران السرّية

استغرق وصولي إلى إحدى الآنسات القبيسيات عدة أيام من البحث عما يوجد خلف جدران السرية والتكتم التي تحيط القبيسيات بها مواعيد وعناوين اجتماعاتهنّ.

حتى عندما أخفيت رغبتي في كتابة تقرير صحافي عن الموضوع، أثار كوني غير محجبة إشارات استفهام دفعت الصبايا إلى التهرب من إعطائي رقم أو معلومة تمكنني من حضور درس ديني يساعدني على استكشاف عالم القبيسيات الغامض.

بعد محاولات كثيرة، تمكنت من الحصول على رقم الآنسة نور الهدى التي كانت بمنتهى اللطف والحذر خلال حديثي معها.

لم تعطيني موعد وعنوان الدرس قبل أن أجيبها على عدد من الأسئلة، بداية اسم الفتاة التي أعطتني رقمها، رغم أن الصبية أخبرتني سابقاً بأنها أعلمت الآنسة بأني سأتصل بها، ثم مستواي العلمي والاجتماعي، وبالطبع مدى معرفتي بالعلوم الدينية ومكان إقامتي في إسطنبول، وأيضاً مكان إقامة أهلي في سوريا، وكذلك هدفي من حضور الدرس.

الآنسة... "أمنا الثانية"

بعد الكثير من الأخذ والرد، حددت الآنسة نور الهدى لي موعد ومكان الدرس الذي ستحضره معي صبيتان جديدتان، حسب وصفها، والمكان في منزل يقع في أحد أبنية حي الفاتح الراقية، بعيداً عن الحارات الشعبية والأبنية الفقيرة والعشوائية.

متجاهلةً نظرات الحاضرات اللواتي كان من الواضح أن لباسي (بنطال جينز وتيشيرت) لم ينل رضاهن، لاقتني "الآنسة" بالكثير من الترحيب والتودد والمحبة، حتى أنها ميّزتني عن الصبيتين الأخريين الجديدتين، رغم أنهما كانتا على خلافي محجبتين.

عرّفنا عن أنفسنا وتعرفنا سريعاً على بقية الفتيات الحاضرات الست، واللواتي كن صبايا لم يتجاوزن العشرينات من عمرهن: أميرة، الصبية الأكثر تميزاً وهي طالبة في كلية الشريعة في إسطنبول، أسماء ونور، وتعملان في عيادة سورية، جنات، مدرسة لغة عربية، والباقيات ربات بيوت.

كنّا تسع طالبات أو "أخوات بالله"، حسب وصف الآنسة لنا. أعدت ذات المعلومات التي قلتها على الهاتف، وحاولت قدر المستطاع تقديم إجابات مغلقة تجنبني التساؤلات والإحراج خوفاً من انكشاف أمري.

بعد الترحيب بنا، تحدثت "الآنسة" التي كانت محاطة بهالة من الاحترام والهيبة عن ضرورة تكافل الصبايا مع بعضهن في الغربة، وعن الثواب الذي يُكتب لنا في حال تمكنّا من دعوة المزيد من الفتيات إلى هذه الدروس، فـ"القوة في الزيادة"، كما أن ذلك يمكننا من الاستفادة من خبرات وإمكانيات بعضنا، وأشارت إلى أن عدداً كبيراً من الصبايا السوريات "أضعن البوصلة في الغربة"، فمنهن مَن تركن دروس الدين ومنهن مَن خلعن الحجاب و"تشبهن بالغرب".

كما أخبرتنا "الآنسة" أنها بمثابة أمنا الثانية، وأنها مرجعنا الأول والأخير في حال احتجنا أي شيء أو واجهتنا مشكلة، وكانت تدعم أقوالها بأحاديث نبوية تحث على التكافل والتعاضد، خاصة أننا كما كانت تؤكد "صرنا لقمة سهلة لأننا صبايا خارج بلدنا".

أسرار وحفلة حجاب

في نهاية حديثها، أخبرت "الآنسة" المريدات الجديدات أنه يمكننا الحديث معها على انفراد، وقتما نشاء في حال أردنا إخبارها بتفاصيل سرية عن ذنوبنا وحياتنا، أو عن مشاكلنا، وأنها مستعدة للاستماع إلينا مهما بدا الذنب الذي ارتكبناه كبيراً، وأنها بإذن الله ستكون عوناً لنا على التوبة وسنداً يمكن الاعتماد عليه لمواجهة المشاكل.

"أشارت ‘الآنسة’ إلى أن عدداً كبيراً من الصبايا السوريات ‘أضعن البوصلة في الغربة’، فمنهن مَن تركن دروس الدين ومنهن مَن خلعن الحجاب و’تشبهن بالغرب’، ودعتنا إلى التكافل والتعاضد، خاصة أننا كما أكدت ‘صرنا لقمة سهلة لأننا صبايا خارج بلدنا’"
اليوم، لم يعد "المانطو" (المعطف الطويل) الكحلي والحجاب الأزرق زياً مستهجناً في إسطنبول، بعدما بدأ ينتشر في بعض أحيائها التي يكثر فيها اللاجئون السوريون، وبعدما بدأت بعض محلات الألبسة السورية في عرضه... القبيسيات في تركيا

وبعدما تحدثت عن التوبة والمغفرة حددت موعد حفلة ارتدائي الحجاب دون الرجوع إليّ، موضحة أنني طالما قررت حضور هذه الدروس فإن الله هداني، وأنني في الثلاثينات من عمري أي في سن لا يسمح لي بالتفكير كثيراً قبل الموافقة على ارتداء الحجاب. أبديت موافقتي على الموعد الذي حددته، وتلقيت تهاني ومباركة الحاضرات اللواتي بدين خاضعات بالكامل لكلام وأوامر "الآنسة".

"أميرة"... آنسة قبيسية للتركيات

كان من الواضح أن "أميرة" هي الأعلى مرتبة في مجلس "الآنسة". كانت تجلس إلى يمينها مباشرة، تصب لها الماء وتقدمه لها كلما أشارت بيدها قائلة "نشف ريقي".

و"أميرة"، حسبما عرّفتنا بها "الآنسة"، طالبة قديمة كانت تحضر الدروس عندها في دمشق، وهي الآن من حفظة القرآن الكريم، ومن المتفوقات في كلية الشريعة في إسطنبول. وللدلالة على تقدمها في المرتبة على زميلاتها كانت أميرة تضع حجاباً أزرق، في حين وضعت بقية الفتيات حجاباً أبيض.

جعلت "الآنسة" من أميرة مثالاً يجب على الجميع الاحتذاء به، ونموذجاً للفتاة الصالحة التي ستجذب زميلاتها التركيات في الكلية "إلينا" (إلى تنظيم القبيسيات). وختمت التعريف بها بنبرة فيها الكثير من الزهو الذي ارتسم أيضاً على وجه الفتاة: "مَن يعلم؟ فقد تكون أميرة سبباً في هداية زميلاتها التركيات، وتصبح آنسة ترأس دروسهن".

علّقتُ أسوة بالباقيات بتمني أن يحصل ذلك، أي أن تكون أميرة سبباً في انتشار الفكر القبيسي بين الفتيات التركيات.

كان من الواضح إصرار "الآنسة" على دفع الفتيات للاندماج والتوغل في المجتمع التركي. أكدت في أكثر من مناسبة على أهمية تعلم اللغة التركية، وعدم التهاون في حضور دروس اللغة التركية التي تُنظم في منزلها، أسبوعياً، موضحةً أن التدين واللغة التركية والخلق الحسن هي أدوات الذوبان في المجتمع التركي والتأثير فيه.

رغم أن "الآنسة" كانت تدعو الفتيات إلى تعلم اللغة التركية والتوغل في المجتمع التركي، إلا أنها أكدت مراراً على خطر التخلي عن عادات وتقاليد مجتمعنا، وعلى ضرورة عدم التأثر بالأفكار التركية عن الدين الإسلامي، ضاربة مرة أخرى بأميرة مثالاً للفتاة الذكية التي بدأت باستمالة زميلاتها التركيات دون السماح لهن بتغيير أفكارها أو التأثير على معتقداتها.

من المهاجرين إلى الفاتح

بينما كانت "الآنسة" تتكلم عن حلم نشر التنظيم القبيسي في تركيا، تساءلتُ إنْ كانت مؤسسة التنظيم منيرة القبيسي قد خطر لها عند تأسيسها للجماعة في بداية الستينيات أنه سيكون لتنظيمها أذرعٌ تمتد إلى عدة دول عربية وأوروبية وإلى بعض أحياء كندا ذات الأكثرية العربية.

وبحسب تقرير نشره موقع دويتشه فيله الألماني عام 2010، يزيد عدد المنتميات إلى تنظيم القبيسيات عن 75 ألف تلميذة في سوريا وخارجها ويطلق عليهن في الأردن الطّباعيات نسبة إلى شيختهن فادية الطباع، وفي لبنان السحريات نسبة إلى شيختهن سحر حلبي، وفي الكويت يسمين "بنات البيادر"، ولهن انتشار في بلاد الاغتراب الأوروبية والأمريكية وفي وأستراليا بحكم زواجهن من مغتربين هناك.

كما تسألت إنْ كانت منيرة القبيسي تتابع عن بعد عمل "الآنسة" نور الهدى، وإنْ كان التنظيم يُدار بمركزية، تجعل التبشير به في تركيا أمراً صادراً من دمشق بالتنسيق مع منيرة القبيسي، مُدرّسة العلوم الطبيعية التي تجاوزت الثمانين من عمرها، والتي بدأت بتدريس طريقتها الصوفية النقشبندية من منزلها في حي المهاجرين الدمشقي ووصلت أفكارها اليوم إلى أهم عواصم العالم.

ورغم أن التنظيم كان يعلن ابتعاده عن السياسة، إلا أن قبيسيات سوريا أيّدن النظام بعد ثورة 2011، وشاركن في انتخابات مجلس الشعب عام 2016، ما دفع بكثيرين إلى اعتبارهنّ حركة سياسية تساند النظام، عبر الترويج لمبدأ عدم الخروج على الحاكم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard