ذكريات سينمائية بين أوانٍ من الفخار... حين نتحدث عن "النزلة" المصرية

الأحد 29 سبتمبر 201901:11 ص

مع موسيقى أندريه رايدروالنخيل الذي كان متراصًا في المشاهد بتشكيلاته الحاضرة، وأفران حرق الطين الصلصال التي تراصت في المنخفض كبيوت للنمل، أخذني صوت الراحلة القديرة أمينة رزق الذي كان يبحث معها عن ابنتها آمنة التي فرّت هربًا إلى البيت الذي منه ذهبتْ هنادي.

فقرّرت أن أحزم حقيبتي وأجهز معدات التصوير الفوتوغرافي الخاصة بي لأجل الارتحال إلى هذا المكان الذي ترجمتْ فيه رواية "دعاء الكروان" إلى عمل سينمائي عام 1959 على يد المخرج هنري بركات، ليصبح من أهمّ الأعمال السينمائية المصرية على مدار 100 عام، حيث جاء في الترتيب الرابع عشر نتيجة استفتاء شارك فيه العديد من النقاد المصريين عام 1996 لاختيار أفضل 100 فيلم مصري في القرن العشرين، ضمن فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته العشرين، وذلك بمناسبة مئوية السينما المصرية التي توافق أول عرض سينمائي في مصر عام 1896.



كنت مندوهًا مثلي مثل الفنان الراحل شكري سرحان الذي ندهته نداهة العمل لينُقل حديثًا من القاهرة إلى قرية كوم النحل بأسيوط ليعمل ناظرًا لمكتب البريد، والتي هي في الواقع قرية النزلة موطن صناعة الفخار بالفيوم وصاحبة أفران حرق الطين والصلصال المشكل التي ذكرت مُسبقًا، وظهر ذلك جليًا في كلّ مشاهد فيلم البوسطجي 1968 للمخرج حسين كمال عن رائعة يحيى حقي، رواية "البوسطجي".


ولكنها نفس الإنسان، ترغب فيما تجهل حتى تعرف، الشغف هو ما حركني للانطلاق والانتقال بمواصلات متنوعة مثل: التوكتوك/الدراجات البخارية/سيارات النقل الصغيرة التي أصبحت سيارات أجرة/سيارات ميكروباص لأجل الوصول. كنتُ أبحث عن طريقي إلى القرية حتى ظهرت معالم واديها المنخفض بمزروعاته ومياهه العذبة الهادئة.

نظرًا لانخفاضها عن كافة مدن وقرى المحافظة بحوالي 20 مترًا تقريبًا، ولأن الوصول إليها لا يتمّ إلا عبر المنحدرات الصعبة التي تكسو جانبيها مزروعات الأراضي الطينية وحدائق أشجار الفاكهة، فقد أطلق عليها اسم "النزلة"؛ وهو أمر ملفت للانتباه، جذب إليها صناع السينما من القاهرة

ثلاثون كيلو متر هي المسافة التي تبعد بين مدينة الفيوم ووادي قرية النزلة، إحدى قرى مركز يوسف الصديق الذي استحدث في مطلع القرن الحالي بعدما انفصلت عن مركز إبشواي لتتبع الأول إداريًا، وهي واحدة من أقدم قرى الفيوم، تضرب فيها صناعة الفخار اليدوية ضرب القدم، حيث توارثها الأبناء عن الآباء وعن الأجداد.

الفيوم وحضورها في السينما

ونظرًا لانخفاضها عن كافة مدن وقرى المحافظة بحوالي 20 مترًا تقريبًا، ولأن الوصول إليها لا يتمّ إلا عبر المنحدرات الصعبة التي تكسو جانبيها مزروعات الأراضي الطينية وحدائق أشجار الفاكهة، فقد أطلق عليها اسم "النزلة"؛ وهو أمر ملفت للانتباه، جذب إليها صناع السينما من العاصمة والتي يبعد عنها إقليم الفيوم الأمّ بمسافة تقدّر بـ120كم ليخرجوا منها بتصوير روائع السينما المصرية: فيلم دعاء الكروان 1959، فيلم البوسطجي 1968، والمسلسل التلفزيوني: كابتن جودة 1986، وذلك وفق ما ذُكر في كتاب "الفيوم استوديوهات سينمائية مفتوحة"، لإبراهيم مسيحة.



الفيوم وصناعة الفخار

طبيعة القرية وجغرافيتها ومع صناعة الفخار التي يتحول الطين فيها إلى أشكال ومنتجات فنية الطابع تخدم الكثير من الأهالي حيث تعتبر تراث القرية الأشهر، وهو ما جعلها مصدر جذب للسائحين القادمين من دول أوروبا ومقصدًا للمصورين الفوتوغرافين المهتمين بتصوير معالم القرية وصناعة الفخار والقائمين عليها، والتي يجيدها الأجدادُ منذ عهد الحضارة المصرية القديمة.

لاحظتُ أنه منذ أن وجدت صناعة الفخار ومنتجاته بالقرية لم يستمر في العمل فيها إلا عائلات معدودة وقليلة، ربما السبب في ذلك تغير الأحوال، وصعوبة الحياة اليوم بمتطلباتها المادية؛ أشهر هذه العائلات عائلة تسمى الفرخ والتي أكد لي البعض أن أجيالها توارثت العمل فيه واستمرت ولازالت، فأصبحت هي حياتهم ليخرجوا لنا بتشكيلات يدوية ممزوجة بالعرَق والصبر مثل: الأزيار، القلل، التنور، الزلع، بيوت الحمام، الأباجورات الطينية، وغيرها من المنتجات الأخرى.

تجوّلت في القرية قليلاً، ورغم تغير ملامحها عن خمسينيات وستينيات القرن الماضي إلا أنني حاولتُ بذاكرتي استرجاع بعض المشاهد من فيلميْ "دعاء الكروان" و"البوسطجي" ومسلسل "كابتن جودة"، ربما قد أعود قليلاً إلى زمن ولّى ومضى، فالحنين لذلك مجهول المصدر لكنه محبّب

خمسة أجيال ساروا في دروب تلك الصناعة، جيلًا بعد جيل، حتى أصبحت منتجات أيديهم الفاعلة سفيرًا لهم في بعض دول العالم التي تعي أهمية وقيمة هذا الفن اليدوي الممزوج بالتعب والشقاء، ورغم أنها صناعة لها هامشُ ربح بسيط، إلا أنها بالنسبة لهم مهنة الآباء والأجداد.

فصناعة الفخار التي تعدّ من أقدم الصناعات التي تعلّمها الإنسان منذ البدء تعتمد في الأساس على الطمي الناتج عن تجريف الأراضي، وقش الأرز، وبعض نشارة الخشب، إضافة إلى ماكينات الخرط اليدوية ودواليب تشكيل الطين البسيطة والأهم مهارة الصانع الذي بيديه يتحول الطين بعد عملية التخمير والعجن، إلى منتجات الفخار المرادة التي تحتاج إلى 3 أيام صيفًا و7 أيام شتاءً حتى تجفّ طينتها ليوقد عليها في أفران الحرق البدائية التي تعتمد على الخوص والحطب حتى الصباح الباكر، لتفتح الأبواب وتخرج المنتجات للتهوية والنور، لكي تكون إحدى مقتنيات من يقدّر قيمة العمل اليدوي المولود على يد فنان بسيط بأدوات بدائية من رحم الطبيعة.



تجوّلت في القرية قليلاً، ورغم تغير ملامحها عن خمسينيات وستينيات القرن الماضي إلا أنني حاولتُ بذاكرتي استرجاع بعض المشاهد من فيلميْ "دعاء الكروان" و"البوسطجي" ومسلسل "كابتن جودة"، ربما قد أعود قليلاً إلى زمن ولّى ومضى، فالحنين لذلك مجهول المصدر لكنه محبّب.

لا أعرف لماذا، ولكن ما أعرفه جيدًا أنني ومع دخولي أماكنَ مراحل صناعة الفخار تلقّيتُ العون والمساعدة من أهل المكان والقرية الذين كانوا وللأمانة مرحّبين بكلّ من هو غريب وطئت قدميه القرية، ودودين في معاملاتهم، مبتسمين دومًا رغم ما في حياتهم من تعب وشقاء، يقدمون المساعدة والخدمة متى طلبت منهم بترحاب وكرم شديد.



دخلتُ ورش التخمير المصنوعة من الطوب الطيني وجريد النخل، وتنقّلت ما بينها وبين ورش العجن ودواليب تشكيل الفخار، وكانت محطتي الأخيرة داخل أحد أفران الحرق الطينية. دخلت من فتحته وساعدتُ أحد العاملين الموجود بداخله في تناول المنتجات لصفّها داخله استعدادًا لعملية الحرق التي تتمّ مع آخر ضوء للنهار، لتنتهي في الصباح الباكر لليوم التالي؛ تجربة عظيمة الآثر فيّ، كلما تذكرتُها ابتسمت.



الشاهد في الأمر أنه وبالملاحظة وأنا في داخل المكان وجدتُ بعض الإنشاءات الحديثة والتجديدات وبالسؤال عرفت من البعض أنها من ضمن خطة تطوير منطقة قرية صناعة الفخار بالنزلة بخامات تتناسب مع طبيعة المكان وبيئته حيث يجرى الآن تحديث غرف التصنيع وبناء فرن بالطوب الحراري جنبًا إلى جنب الأفران القديمة المبنية بالطوب الطينيّ تطويرًا للصناعة وحفاظًأ على القديم منها من الاندثار، إضافة إلى معرض للمنتجات المصنوعة واستراحات لتقديم الخدمات لزوار قرية الفخار من السائحين الذين أتى بهم شغف المعرفة وحبُّ الاستطلاع إلى هذا المكان العظيم. يوم من الأيام المحببة القليلة كان وكنت معه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard