رحلة لمحبي الأساطير... هل عرج الأسد المجنح من بلاد الرافدين إلى الصين؟

السبت 28 سبتمبر 201906:18 م

"تصافح الآلهة، آنو صعد إلى السماء، إنليل سكن الأرض، والبحار المغلقة كحلقة مُنحت إلى إنكي"

(بداية الكون- من لوح سومري)

هذا الثالوث المقدس لدى السومريين، سمّي تريمورتي في الديانة الهندوسية فكان الخالق براهما والحامي فيشو والمدمّر شيفا، وتجسّد عند المصريين في ثالوث أوريسيس وحورس وإيزيس، وبقي مستمراً حتى الثالوث المسيحي.

يندرج التشابه بين الديانات تحت مصطلح "الميثولوجيا المقارنة" الذي تكوّن عام 1856 من قبل اللغوي البريطاني فريدريك مولر، واستند في نظريته على دراسته للغات الهند-أوروبية التي اشتقت من جذرٍ لغوي واحد. وقارن بين معاني الرموز المقدسة لدى حضارات مختلفة وضمن جغرافيا شاسعة، فضبط تشابهاً جليّاً في المسميات الدينية. فظهرت نظريات بخلفيات اجتماعية ولغوية وتاريخية عديدة، لتفسير تشابه الأساطير والديانات لدى حضارات مختلفة.

أوجدت الميثولوجيا المقارنة علائق بين أساطير الشعوب ولغاتها لتتبّع تطورها الديني والحضاري، إضافة إلى دعم نظريات علم النفس في إطارها التاريخي الاجتماعي من خلال الفرضيات التي وضعت لتبرير التكرار الميثولوجي في الحضارات.

 لماذا تصور القصص التوراتية الأنبياء أبطالاً بين أقوامهم؟

لماذا تتمتع الآلهة القديمة بصفات جسمانية خيالية كالأجنحة وسيوف البرق؟ ولماذا تصور القصص التوراتية الأنبياء أبطالاً بين أقوامهم؟ والرموز الدينية في الميثولوجيا كالعذراوات والثعابين، هل هي متوارثة أم متناقلة؟

إن الثعبان الشافي في الأسطورة التوراتية أو الثعبان العملاق في الأسطورة المصرية القديمة الذي خرج منه الإله رع وإله الشمس وباقي الوجود، يمثلان نموذجاً بدائياً، بالنسبة لكارل يونغ يعبّر عنه برمز "الظل" الذي يلحق الإنسان كذيلٍ خفيّ، ليصبح بذلك الثعبان الذي يملك حلّ الألغاز الغامضة أو ثعبان المعرفة.

في محاضرته التي ألقيت في لندن تحت عنوان "مبادئ اللاوعي الجمعي" اعتبر يونغ هذه النماذج ميولاً فطرية تعكس أنماط السلوك البشري. قسّم بناءً على ذلك النفس البشرية لمكونات ثلاثة: الأنا، اللاوعي، واللاوعي الجمعي الذي مثَّل عنده الميراث النفسي للجماعة. في مؤلفه "البنية النفسية" يذكر يونغ أن "كل الأفكار العظيمة في التاريخ تعود للنموذج البدائي [...] وخاصةً الأفكار الدينية." ويعتبر شخوص الأسطورة تجسيداً لدوافع وقيم بشرية سامية أو دنيئة مثل الأم، الإله، الشيطان، البطل، إلخ...

يعتبر نقاد يونغ أن الأدوار التي عيّنها تخضع حالياً لتأثير التكنولوجيا وتنتج أشكالاً مختلفة للتفاعل مع نماذجه التي تبدو الآن محدودة وغير مُلمّة بالمنطق الجديد للعالم، فالبطل الأنموذج الذي صوّره ليس قوي البنية ولا مقاتلاً، قد يدعى "بطلاً" شابٌ هزيل يمتشق حاسوبه الشخصي ويخترق المواقع الالكترونية للأعداء.

"أضعفت الحكمة جسد إنكيدو، لأن قلبه أثقل بأفكار البشر"

تمثل ثنائية الحكمة والقدرة في ملحمة جلجامش تضاد الطبيعة والحضارة، فعندما تحلى إنكيدو البريّ بالمعرفة الحضرية خسر قدرته الجسمانية المتوائمة مع الطبيعة.

تستند دراسة البلجيكي الفرنسي ليفاي شتراوس للأسطورة على تصنيف عواملها ضمن ثنائيات متضادة، مثل العتم والضوء، الخير والشر، الآلهة والبشر، ويفترض أن صراع القوى المتقابلة في حبكة الأسطورة الدينية يوجد رابطاً منطقياً قائماً على التناقض، ويكوّن مفهوماً أممياً لطبيعة الفكر الإنساني يفسّر التلاقي بين أساطير الشعوب المختلفة.

في مقاله الدراسة البنيوية للميثولوجيا، يعتقد شتراوس "أن الفكر الميثولوجي دائماً ما يقوم على وعي المتناقضات تجاه وسيطها" فيصبح عاملا الزمن والوراثة في تكوين السلوك مهمَلين أمام ثنائيات متناقضة تبرز بعضها البعض. من أهم هذه الثنائيات في الميثولوجيا ثنائية الخلود والفناء بدايةً من جلجامش، ومروراً بالأساطير اليونانية والرومانية وحتى أسطورة الطوفان التوراتية.

أسد مجنح من 550 ق.م.، من الحضارة الإتروسكانية، من منطقة توسكانا الإيطالية، من مقتنيات متحف المتروبوليتان (الرابط)

التناصّ الأسطوري والجذر اللغوي المشترك

خلق التناصّ الأسطوري، ومن أمثلته "إندرا" ملك الآلهة في الهندوسية ونظيره "زيوس" اليوناني بسلاحهما سوط الصاعقة وعدوّهما الثعبان، أو "ياما" و"هاديس" إلهتا الموت اللتان تحكمان العالم السفلي وتعنيان بالعدالة، نظريات تعارض بنيوية شتراوس.

في كتابه "الشعر والأسطورة الهند-أوروبيين" يقترح مارتن ويست أن الحضارتين الرومانية واليونانية يجمعهما جذر لغوي واحد، وأن الهجرات التي بدأت من العصر البرونزي ضمن قارة يوراسيا (أوروبا وآسيا قبل انفصالهما إلى قارتين) هي سبب انتشارها ضمن نطاق جغرافي ممتدّ. سمح هذا الانتشار بتشابه الفكر الديني والحبكة الأسطورية، الذي نجده يتمثّل في التشابه الاسمي والوظيفي للآلهة الهندية والرومانية والإغريقية.

ماذا لو أن تشابه اللغات ليس محض مصادفة؟ وأنه ينضوي على قرابة بين الأعراق؟

يقترح عالم الأنثروبولوجيا مايكل ويتزل أنّ البشر ينحدرون من عرق واحد، وأنّ تعدد الأعراق نتج عن الهجرة الرئيسية من القارة الإفريقية قبل 65 ألف سنة، ويعزي لهذا تشابه الميثولوجيا بين الشعوب المنتشرة على المساحات الممتدة من جنوب غرب آسيا وحتى الأمريكيّتين.

لكن، ألا تبدو كل النظريات السابقة مفرطةً في التحليل لبنيوية الأسطورة، والعمق النفسي للشعوب؟

برغم كون نظرية ويتزل إحدى الفرضيات المرجحة، إلا أن عمليات التنقيب التي أجريت منذ عشرينيات القرن الماضي وحتى الآن، في شمال هانون في الصين، أدت إلى كشوفات أثرية تعود للعام الميلادي 400، ورجّحت نظرية تجعل كل الفرضيات السابقة تبدو وكأنها تكهنات يصعب إثباتها.

في محاضرته التي ألقيت عام 2017 في متحف بنسلفانيا بأمريكا تحت عنوان حراس الضريح: الأسود المجنحة في الصين، أعدّ د.سام سميث (أحد القيمين على المتحف وبروفيسور مساعد في علم الآثار) بحثاً درس فيه تماثيل حجرية لأسود مجنحة من شمال هانون في الصين.

أشار د.سميث إلى أن هذه التماثيل وجدت بشكل ثنائي أمام مقابر الطبقات الاجتماعية الرفيعة في المنطقة سعياً منهم للاقتداء بالأباطرة الذين أحاطوا أضرحتهم بتمثالين، ذكر وأنثى. وبالعودة للتاريخ اكتشف دخول هذا التقليد إلى الصين تزامناً مع انتشار البوذية فيها.


أسد مجنح برأس بشري، من حضارة الحيثيين (بلاد الرافدين)، القرن التاسع ق. م.، من مقتنيات متحف المتروبوليتان في نيويورك (رابط

كيف وصل الأسد المجنح إلى الهند وعرج منها إلى الصين؟

ينسب المؤرخ السويدي أوزفالد سايرن أصول الأسد المجنح في المنحوتات الصينية إلى حضارة ما بين النهرين عند البابليين والآشوريين، ومنهم إلى الصين وبلاد فارس، بواسطة البدو الرحل الذين حملوا نماذج مصغرة عن فنون النحت في البلاد التي حلوا بها في الشرق الأوسط.

لمحبي تواريخ حضارة بلاد ما بين النهرين، هنا قصة الأسد المجنح، الذي"يمثل فيه الرأس البشري الحكمة، والتاج ذو القرنين القداسة الإلهية، أما اللحية من صفات الملك، والجناحان قوة الرياح، وهذه صورة الملك/الإله الآشوري الذي لا يُقهر"

كيف وصل الأسد المجنح الذي عرفه السومريون والفرس والأكاديون كإله يحمي شعوبها، إلى الهند وعرج منها إلى الصين؟ هنا إطلالة على أبرز التفاسير من خبراء الآثار والتاريخ القديم 

غير أن د.سميث يرجّح أن هذه ليست سوى واحدة من النظريات فقط، وأن انتشار الديانة البوذية في الصين كان له الأثر الأكبر في انتقال تلك التماثيل إلى المنطقة، عن طريق شهود عيان وصفوها ملاحظاتهم عنها بدقة. أسهمت رحلات التبشير البوذية التي كانت تلقن تعاليم الديانة من الهند وآسيا الوسطى في نقل مشاهداتهم لمدينة نيرايا الهندية، فقد تمتع معلمي البوذية بمصداقيةٍ علميةٍ وفكرية مكنتهم من نقل أثرهم إلى ممارسات الأباطرة في الصين.

من فترة الإمبراطور الأكادي-الآشوري الشهير آشور ناصربال (ناصر بعل) الثاني الذي حكم بين عامي 883 و859 ق. م. وضمّ من مركز حكمه في شمال العراق بلاد ما بين النهرين ولبنان، القطعة من مقتنيات متحف المتروبولتيان (رابط)

استندت هذه النظرية القائلة بالاحتكاك الفعلي للحضارات على نصوص قديمة لرهبان بوذيين وصفوا توضع الأسود الحجرية حول المعابد البوذية وعلى أعمدة صخرية، في حين كانت التماثيل والأعمدة في الصين مصنوعة من الخشب قبل ذلك: "خلف المعبد توضّع عمود حجري يبلغ طوله عشرين متر مكعب وعلى رأسه أسد مجنح. نحتت صور لبوذا على جهاته الأربع."

يذكر البروفيسور أن القصص الميثولوجية في المنطقة وجدت بعد المنحوتات وتيمناً بها. فمثلاً قد يروي السكان المحليون أن أحد هذه الأسود الحجرية قد بُعث الى الحياة، أو أن أسداً زأر في وجه أحد المهرطقين لحماية المعبد ورهبانه. بعكس الحضارات التي نقلت منها هذه المنحوتات، فإن الأسد المجنح عند السومريين والفرس والأكاديين جسّد الآلهة التي تحمي الشعب.

في هذه الحضارات كانت صورة الإله المجنح تنقش على لوح طيني وتدفن عند عتبة الباب لحماية المنازل. كذلك فإن "هاربي" اليونانية وحش مجنح بهيئة بشر، تمثل قوة الرياح التي أرسلها زيوس لعقاب المخطئين.

تشرح إيما ديورانت، مديرة إبداعية في باريس ميوز، عن "لاماسو" تمثال الروح الحامية في المملكة الآشورية الذي يعود للقرن الثامن قبل الميلاد، والمعروض في متحف اللوفر في باريس:

"يمثل الرأس البشري الحكمة، والتاج ذو القرنين القداسة الإلهية، أما اللحية من صفات الملك، والجناحان قوة الرياح، وهذه صورة الملك/الإله الآشوري الذي لا يُقهر"

ويشير د.سميث إلى أن شرق آسيا ليس موطناً طبيعياً لفصيلة الأسود، لكن الأسد كحيوان بات معروفاً بسبب الهدايا الغريبة والمثيرة التي حملها الرّحالة والتجار من بلاد فارس والهند.

سواء كانت الحضارات المتشابهة في الميثولوجيا تعود لسلف واحد، أو تشابه الشروط البيئية أدى الى تكرار القصص والأساطير أو النموذج النفسي والعقلي للإنسان يمكن التعبير عنه بالرموز ذاتها في أي مكان؛ إلا أن الاحتكاك الفعلي للشعوب ببعضها وتشربها للآداب والحضارات المختلفة عبر التجارة-كتلك التي قامت عبر طريق الحرير من الصين إلى الصحراء العربية- أو الرحالة الذين نقلوا مشاهداتهم أو التبشيريات البوذية تبدو النظرية الأبسط والأقرب للمنطق.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard