"خزانة ستّي"... إعادة إحياء الذاكرة الفلسطينية عن طريق صبغ الأقمشة بمواد طبيعية

الجمعة 27 سبتمبر 201907:07 م

"الموضة ليست فقط في الفساتين والأزياء، بل هي موجودة كذلك في طريقة التفكير والأفكار، والطريقة التي نعيش بها"، قد تبدو هذه المقولة لمصممة الأزياء الفرنسية الشهيرة كوكو شانيل، الحافز الرئيسي وراء دخول المصممة الفلسطينية مروة ابو عصبة عالم الموضة والأزياء.

فقد ارتأت هذه الشابة، التي تعمل بين قرية جت المثلث والقدس، السير عكس التيار وابتكار تقنيات فريدة من نوعها في تصاميمها، وذلك حرصاً منها على الحفاظ على البيئة دون أن يؤثر ذلك على معايير الأناقة والجمال.

وعليه يمكن القول إن طبيعة عمل مروة ابو عصبة تتمحور حول إعادة إنتاج ما علق في الذاكرة من أزياء فلسطينية للرجال والنساء، بالاستناد إلى سردية الروايات الفلسطينية، وذلك عن طريق دمج التقنيات القديمة والحديثة في عالم الأقمشة، أما أهم التقنيات التي تتبعها فهي صباغة الأقمشة بمواد طبيعية وذلك بهدف الحدّ من حجم التلوث الكارثي.

الملابس... أكثر صناعة ملوِّثة للبيئة

من خلال بحث قامت به خلال الفترة التعليمية حول الأثر البيئي لصناعة الأزياء، استنتجت مروة ابو عصبة، الحاصلة على لقب أول في تصميم الأزياء والفنون من أكاديمية بتسيلئيل في العام 2017، أن صناعة الملابس تعتبر أكثر صناعة ملوثة للبيئة في العالم، وعن هذه النقطة تقول لرصيف22: "إن الألياف والأصباغ الصناعية التي يتم استخدامها في هذا العصر تسهم جميعها في تلوث المياة والهواء والتربة"، مشيرةً إلى أن الأصباغ التي يتم استعمالها لصباغة الأقمشة الصناعية تعد ثاني أكبر ملوث للمياه العذبة في العالم.

طبيعة عمل مروة ابو عصبة تتمحور حول إعادة إنتاج ما علق في الذاكرة من أزياء فلسطينية للرجال والنساء، بالاستناد إلى سردية الروايات الفلسطينية، وذلك عن طريق دمج التقنيات القديمة والحديثة في عالم الأقمشة

بالإضافة إلى أن استهلاك الإنسان المفرط للملابس يؤدي إلى إنتاج مفرط لألياف اصطناعية وتلوث زراعي للمحاصيل المستخدمة مثل القطن، بحسب ما شرحته بالقول: "اليوم نحن نستهلك كميات كبيرة من  الملابس والتزايد مستمر يوماً بعد يوم"، مشيرةً إلى أن المشكلة الأكبر تتمثل في أن هذه الملابس لم تعد تصنع من مواد طبيعية، مثل الصوف الحرير والقطن كما في السابق: "اليوم يتم استبدال هذه المواد بالألياف الاصطناعية الأرخص ثمناً، مثل البوليستر أو النايلون، وتعتبر عملية تصنيع البوليستر مصدراً للتلوث كما أنه غير قابل للتحلل الحيوي".

هذا وأوضحت مروة بأن صباغة وغسيل هذه المواد الصناعية كلها أمور تؤدي إلى تلوث المياة من خلال تصريف مياه الصبغ والغسل في المحيطات والبحار، كما أن المحاصيل الطبيعية المستخرجة منها الألياف تساهم بدورها في التلوث الزراعي، إذ إن إنتاج القطن مثلاً يتطلب استخدام كميات ضخمة من المبيدات والمياه، على حدّ تأكيدها.

هذه المخاوف التي تحدثت عنها مروة ابو عصبة عززتها ظاهرة "الأزياء المعلّبة" التي اجتاحت عالمنا الساعي وراء العروضات المغرية والأسعار الرخيصة ولو كان ذلك على حساب الجودة والبيئة، فاليوم باتت أذواق المستهلكين تتغيّر بسرعة، وعليه أصبح الاهتمام كله منصباً على "الملابس السريعة" التي تتميز بأسعارها التنافسية وبمشوارها "القصير"، بحيث إن متوسط عمر كل قطعة نشتريها قد لا يتجاوز ال53 يوماً، لتُرمى بعدها في القمامة، ما يشكل كارثة بيئية.

وبالفعل كشفت العديد من التقارير أن الموضة هي واحدة من الصناعات الأكثر تلويثاً للبيئة على هذا الكوكب، إذ ينبعث منها في كل عام حوالي 1.2 مليار طن من الغازات المسببة للاحتباس الحراري، وهذا يضاهي الرحلات الدولية وحركة النقل البحري مجتمعة.

العودة إلى الجذور

منذ حوالي 6 سنوات، بدأت مروة ابو عصبة العمل في مجال الأزياء والبحث في التقنيات القديمة لصباغة الأقمشة، وذلك منذ السنة الأولى من دراستها الجامعية.

من هنا قررت المصممة الفلسطينية العودة إلى الجذور لإيجاد وسيلة فعالة من شأنها الحدّ من حجم التلوث الكارثي الذي نشهده في الآونة الأخيرة، فتقول لرصيف22: "يمكن الحدّ من هذه الظاهرة عن طريق الحدّ من استهلاك البشر للملابس والعودة إلى الملابس والأقمشة التي يكون مصدرها من الطبيعة، من هنا بدأت البحث في الطريقة التي كانت جدتي تصبغ فيها ملابسها قبل اكتشاف الألياف والمواد الصناعية".

وعندها وجدت مروة أنه في السابق كان يتم استخدام أقمشة مصنعة من مواد طبيعية، وهو حال الصبغة التي كانت تستخرج أيضاً من الطبيعة، أما عن أكثر مادة شائعة للصبغة، فتشير إلى أنها كانت النيلة، وهي عبارة عن نبتة تمتاز بلونها الأزرق وتنمو في المناطق الحارة.

وبعد هذا الاكتشاف المثير للاهتمام، أوضحت ابو عصبة أنها بدأت تقوم بتجارب صباغة لأقمشة الحرير، الصوف والقطن، وذلك عن طريق نباتات وأزهار تقطفها من حديقة بيتها، وهو ما ساهم في ولادة مشروعها "سعدة" أو "خزانة ستّي".

إعادة إحياء الذاكرة الفلسطينية

توضح مروة ابو عصبة أنّ مشروع "سعدة" يتمحور حول الذاكرة الفلسطینیة الجماعیّة، فتقول: "يأتي هذا المشروع في محاولة منّي لنفي المقولة الصھیونیة: "الكبار يموتون والصغار ینسون"، بحیث أستعرض ھذه الذاكرة، التي استوحیتھا من جدتي التي رقدت طوال عشر سنین على نفس السریر، بلا حراك، وبلا كلام، وبلا وعي".

وتؤكد ابو عصبة أنها تحاول، من خلال عملها هذا، استرجاع الحالة الشعوریة ذاتھا، عبر خلق الرائحة التي رافقت جدتها ودمج الأغاني التي غنّتھا لها قبل النوم، مع الملابس التي ارتدتھا، بحيث تضیف لها أبعاداً جديدة لتلائم روح العصر.

واللافت أن مشروع "خزانة ستّي" شمل تقنیات عمل متنوعة، مثل التطریز الفلسطیني التقلیدي وصبغ خامات الحرير بالورد بطرق تقليدية قديمة، بالإضافة إلى استعمال أقمشة ذات الألوان المجرّدة، كالقطن والكتّان والصوف والمخمل.

تحاول مروة ابو عصبة استرجاع الحالة الشعوریة ذاتھا، عبر خلق الرائحة التي رافقت جدتها ودمج الأغاني التي غنّتھا لها قبل النوم، مع الملابس التي ارتدتھا، بحيث تضیف لها أبعاداً جديدة لتلائم روح العصر

وأوضحت مروة أن هذه الأقمشة لم تعبر مراحل التصنيع الصناعي "لكنها اشتُغلت يدوياً لتسهيل عملية التواصل مع الذاكرة، واسترجاع الحقبة الزمنية والحالة الشعورية للرائحة، من خلال صبغ خامات الحرير بأزهار ونباتات من الحديقة، وترجمة كلمات أغاني ما قبل النوم إلى رسومات، ومن ثم تطريزها بخيط الحرير والإبرة على قماش الكتّان، في محاولة لاسترجاع وقع حنية الكلمات واللحن"، على حدّ قولها، وأضافت: "بالنسبة لتقنية التطريز الفلسطيني المتعارف عليها فقد عملت على تجريدها من الألوان كلياً، وذلك بهدف عدم لفت الانتباه فقط من خلال النظر إنما من خلال حاسة اللمس".

الخريف والإبداع

من يحب الموضة ويتابع آخر صيحاتها يلاحظ أن موسم الخريف هو من أكثر المواسم التي يبدع فيها المصممون ويخرجون بأفكار خلّاقة، فما الذي يجعل فصل الخريف أفضل موسم للموضة والأزياء؟

بالنسبة إلى مروة أبو عصبة فإن فصل الخريف هو من أفضل فترات السنة لجهة حالة الطقس، وفق ما تقوله لرصيف22: "بالرغم من حالات تقلب الطقس إلا أنه يعتبر حالة وسط ما بين الصيف والشتاء، لهيك بنستعد لأله وبننتقل من نشاط وألوان الصيف إلى سكون وهدوء الشتاء".

وأشارت ابو عصبة إلى أن هناك اعتقاداً سائداً منذ قديم الأزل أن الشتاء هو موسم الملابس داكنة اللون، وخاصة الأسود والبني والرمادي، إلا أن عروض الأزياء العالمية غيرت مؤخراً هذه الصورة النمطية، وجعلت ملابس الشتاء تنبض بالحيوية والألوان الجذابة، سواء كانت فاتحة أو داكنة، كاشفةً أن موضة ألوان شتاء 2019/2020، مليئة بدرجات الألوان الجريئة والمُميزة، كالزهري والفوشيا والذهبي والأخضر بجميع تدرجاته.

أما عن كيفية تحويل الملابس إلى إطلالة خريفية، قدمت مروة أبو عصبة بعض النصائح التي تساعد المرأة على مواكبة فصل الخريف من خلال ملابس أنيقة وعملية:

-اختاري إطلالة تعتمد على ارتداء قطعتين من الملابس مع بعضهما البعض، بحيث يمكنك التخلي عن إحداها عند الشعور بالحرارة وارتداؤها عند الشعور بالبرد.

-احرصي على ارتداء "تي شيرت" قطني داخلي، سيساعدك هذا على الشعور بالراحة في النهار والإحساس بالدفء مع قدوم المساء.

-ملابس الكتّان تعتبر من أفضل ملابس الخريف.

-ضعي شالاً كبيراً عند الصباح أو اربطيه في يد حقيبتك، وحين يأتي المساء ضعيه على كتفيك أو حول رقبتك للشعور بالدفء.

-ارتدي قميصاً بأكمام طويلة.

-ابقي في السيارة أو في حقيبتك جاكيت بسيطاً أو بليزر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard