عوالم نجيب محفوظ (3)... "زقاق المدق" وكيف لقننا حكمة الحب

الخميس 26 سبتمبر 201904:31 م

الزقاق هو الطريق الضيق، بالكاد يسمح بمرور سيارة صغيرة، وهو أكبر قليلاً من "الزنقة"، وأصغر من الحارة، ولم يكن اختيار محفوظ لإسم "زقاق المدق" لروايته الشهيرة التي كتبها في العام 1947، أمراً اعتباطياً، فالبطل بالفعل هو المكان، الزقاق، ومنه تستمد الشخصيات قوتها أو ضعفها، هو المسرح الأساسي الذي أراد محفوظ لأبطاله أن يسيروا عليه أمام الجمهور، هو العالم المصغر الذي يعبر عن مصر في أربعينيات القرن العشرين.

ما الأهمية الأدبية لرواية "زقاق المدق"؟ وما أهمية المكان (الزقاق) فيها؟ هل هو مكان حقيقي في مصر أم هو من وحي خيال محفوظ؟ ولو كان حقيقياً فهل لا يزال يشبه الرواية التي كُتبت قبل أكثر من نصف قرن أم تغيرت معالمه؟ رصيف22 في رحلة إلى أحد أجمل عوالم نجيب محفوظ.

كان الزقاق في الأصل إسطبلاً للخيول، أما تسميته فجاءت بسبب وجود الدقاقين الذين كانوا يقومون بطحن العطارة بالهون (مدق) النحاس والحجارة.

يقول الباحث الأدبي عبد الرحمن ناصر لرصيف22 إن رواية "زقاق المدق" تحكي عن الحياة داخل شارع صغير سكانه ورواده من البسطاء، في أوضاعهم المادية، وفي طموحاتهم أيضاً، ما عدا بطلة الرواية، مضيفاً أن محفوظ نجح في وصف المكان بدقة مدهشة، تجعل القارئ يرى منازل الزقاق وأهله ومحالّه التجارية، والمقهى القديم الذي يقع فيه، وكأن الصفحات شريط سينمائي لا مجرد صفحات مطبوعة.

عبر صفحات الرواية تطل علينا البطلة حميدة، وهي فتاة يتيمة في ريعان شبابها، تربت على يد صديقة لأمها، ولم تكن سعيدة في الزقاق، بل كانت تعتبره سجناً مملاً، لا جديد فيه، وكان لديها طموح أن تعيش حياة مختلفة، أكثر حرية، ترتدي ملابس غالية، وتعيش حياة ملأى بالرفاهية، فهي تعتبر نفسها أجمل من “الهوانم" التي تسمع عنهن وهي بالفعل كانت كذلك.

وجدت حميدة المخرج من حياتها في الزقاق عبر عباس الحلو، أحد شباب الزقاق، الذي وقع أسيراً لجمالها، وكانت هي تعتبره مجرد وسيلة يمكن أن تساعدها في أن تحيا حياة أفضل، خصوصاً أنه شاب "كسيب"، لديه صالون للحلاقة بجانب محل البسبوسة الذي يمتلكه عم كامل، وهو إحدى شخصيات الرواية التي سئمت هي الأخرى الحياة في الزقاق، إذ كان يقضي أغلب وقته نائماً أمام محله في انتظار زبون يوقظه.

بعد أن تقدم لحميدة، قرر عباس الحلو ترك صالون الحلاقة والالتحاق بمعسكر الإنكليز، في محاولة للبحث عن فرصة عمل أفضل تجعل حميدة ترضى عنه، لكن كان لدى حميدة طموح أكبر، فلم تنتظر عودته، وبدأت تفكر في البحث عن شخص أغنى ينتشلها من الحياة في الزقاق الصغير، وبعد محاولاتها المُتعددة كان لها ما أرادت، إذ أوقعت غريباً عن الزقاق كان يجلس على مقهى المعلم كرشة، أمام منزلها، وجعلته يقع في حبها، بعد أن بهره جمالها وهي تطل عليه من شباك منزلها.

ينتهي سعي حميدة إلى فرج، وهو قواد يساعدها على أن تصبح فتاة متعة لعساكر الإنكليز، يقضون معها لياليهم مقابل أموال طائلة، وفي هذه المرحلة غيرت اسمها إلى تيتي، ليناسب حياتها المقبلة، لكنها بعد فترة كرهت حياتها الجديدة، ووجدت أنها تعيش "بلا كرامة".

زقاق المدق كان المسرح الذي عرض عليه محفوظ صورة مصغرة لانهيار أخلاقيات المجتمع المصري في الأربعينيات من القرن العشرين، تأثراً بالحرب العالمية الثانية والأزمات الناجمة عنها.

في كتابه "نجيب محفوظ.. المكان الشعبي"، يقول الباحث شريف الشافعي، إن زقاق المدق كان المسرح الذي عرض عليه محفوظ صورة مصغرة لانهيار أخلاقيات المجتمع المصري في الأربعينيات من القرن العشرين، تأثراً بالحرب العالمية الثانية والأزمات الناجمة عنها، ويضيف الشافعي أن شخوص الرواية آلت جميعاً إلى حالة من الضياع في آخر الأمر، والمقصود بذلك بحسب الشافعي هو تصوير ضياع المجتمع كله بصفة عامة، والبرجوازية الصغرى والطبقات الدنيا تحديداً، في تلك الفترة التاريخية الدقيقة.

ومثل أغلب روايات نجيب محفوظ، تحولت رواية زقاق المدق إلى فيلم سينمائي ناجح، أنتج في العام 1963، وأدت فيه الممثلة الراحلة شادية دور حميدة، وقام بدور عباس الحلو الممثل الراحل صلاح قابيل، أما القواد المحترف فرج، فأدى دوره الممثل يوسف شعبان، وعلى عكس خاتمة الرواية التي جعل محفوظ فيها حميدة تشعر بالندم على حياتها السابقة، وتكره حياتها الجديدة، جعل صناع الفيلم الذي حمل نفس الإسم، حميدة تموت برصاصة طائشة، ويحملها عباس الحلو ويتجه بها إلى الزقاق ليحاول إنقاذها هناك، لكنها تلفظ نفسها الأخير في قلب الزقاق الذي خرجت منه. لكن هذه النهاية مختلفة عن النهاية التي كتبها محفوظ في روايته، فحميدة لا تموت بل يموت عباس وفي موته رمزية مقصودة.

يقول عبد الرحمن ناصر لرصيف22 إن زقاق المدق هي أحد أهم روايات نجيب محفوظ على الإطلاق، شارحاً أن أديب نوبل نجح في رسم شخصيات الرواية بدقة متناهية، وبيّن فترة مهمة من فترات مصر بطريقة غاية في الرشاقة، لذلك لم يكن غريباً أن تصبح زقاق المدق في عداد الأسباب التي أدت إلى حصوله على جائزة نوبل في الآداب في العام 1988.

"أما المصائب فلنصمد لها بالحب وسنقهرها به، الحب أشفى علاج، وفي مطاوي المصائب تكمن السعادة كفصوص الألماس في المناجم الصخرية، فلنلقن أنفسنا حكمة الحب"… هكذا يقول محفوظ في زقاق المدق، مخلداً المكان الذي تحول من إسطبل للخيول إلى عالم فريد يختزل وجدان مصر في ظل الاحتلال بكل هناته
هل زقاق المدق مكان حقيقي في مصر أم هو من وحي خيال نجيب محفوظ؟ ولو كان المكان حقيقياً فهل يشبه زقاق الرواية التي كُتبت قبل أكثر من نصف قرن أم تغيرت معالمه؟ رصيف22 في رحلة إلى أحد أجمل عوالم محفوظ، لكن ننبهكم إلى أن لا أحد من أصحاب المقهى يدعى "المعلم كرشة"

وقد ورد في النص الرسمي لحيثيات منح محفوظ جائزة نوبل أن أحداث رواياته "قد صورت البيئة الشعبية القاهرية في العصر الحديث، وإلى هذه الروايات تنتمي زقاق المدق، (1947)، إذ يصبح الزقاق مسرحاً يجمع حشداً متبايناً من الشخوص يشدهم الحديث عن واقعية نفسية".

ويقول الباحث المصري هاشم النحاس في كتابه "نجيب محفوظ على الشاشة" إن الأحداث في زقاق المدق "تسير مستعرضة في أغلبها، والعامل الأساسي في الربط بين الشخصيات هو المكان، أكثر من أي شيء آخر".

عن زقاق المدق الحقيقي

زقاق المدق هو منطقة حقيقية تقع بقلب القاهرة القديمة، وبالتحديد بالقرب من منطقة الصنادقية بحي الجمالية في القاهرة الفاطمية، والزقاق جعلته رواية نجيب محفوظ "أشهر من النار على العلم" كما يقول المصريون، وكان الزقاق في الأصل إسطبلاً للخيول، أما تسميته فجاءت بسبب وجود الدقاقين الذين كانوا يقومون بطحن العطارة بالهون (مدق) النحاس والحجارة.

في الزقاق ستشعرون بأن الزمن عاد بكم إلى سنوات مضت، فلا يزال العديد من الأماكن التي وصفها محفوظ موجودة لم تتغير، منها المقهى المملوك للمعلم كرشة، والذي وصفه محفوظ في الصفحة 7 من الرواية بأنه "حجرة مربعة الشكل في حكم البالية، ولكنها على عفائها تزدان جدرانها بالأرابيسك، فليس لها من مطارح المجد إلا تاريخها، وعدة أرائك تحيط بها، وعند مدخلها كان يكب عامل على تركيب مذياع نصف عمر بجدارها".

لا بزال المقهى نفسه موجوداً في الزقاق، تماماً كما وصفه محفوظ، مقهى مربع الشكل، قديم، تزدان جدرانه بالأرابيسك، لكن لم يكن من أصحاب المقهى أي شخص يدعى المعلم كرشة، كما كتب محفوظ. يقول الحاج عبد الجليل حفيد صاحب المقهى ومؤسسها لرصيف22، إنه يعود إلى جده الحاج على يوسف، الذي أسسه في العام 1901، وهو يعد من طليعة المقاهي في القاهرة، والأول في حي الجمالية، بحسب الحاج عبد الجليل، الذي يحصل على تصريح من الإنكليز بالعمل إلى وقت متأخر.

أما في يومنا هذا، أصبح المقهى يغلق أبوابه مبكراً، فيما اختفى جهاز الراديو الذي كتب عنه محفوظ في الرواية وحل محله تلفزيون يعرض مباريات كرة القدم والأفلام التي تبثها الفضائيات. وظلت هناك صورة داخل المقهى لنجيب محفوظ بجانب صورة مؤسس المقهى.

وبينما كان المقهى في رواية محفوظ ملتقى لسكان زقاق المدق، صار اليوم ملتقى للتجار، فقد قل السكان كثيراً، بعد أن هجروا الزقاق لأماكن أخرى، فيما تحولت أغلب منازله إلى مخازن للتجار في حي الجمالية.

المدهش أن هناك منزلاً يطل على المقهى، به شباك قديم، يشبه النافذة التي كانت تطل منها حميدة في أحداث رواية محفوظ على الزقاق، لكن لم يعد هناك سكان في هذا المنزل، إذ صار مخزناً لأحد التجار، ويؤمن بعض سكان الحي من كبار السن أن هذا هو نفسه المنزل الذي تخيل محفوظ وجود حميدة داخله في روايته.

ومن الأشياء التي تغيرت كثيراً في الزقاق نوعية متاجره، إذ لا يوجد هناك اليوم محل لبيع البسبوسة كما جاء في الرواية، ولا صالون حلاقة. يقول أحد سكان الحي لرصيف22 إنه كان هناك في الماضى بائع بسبوسة، لكنه توفى قبل سنوات طويلة وصار محله مخزناً لتجار الوكالات القريبة من الزقاق، فيما لم يكن هناك أي صالون حلاقة، إذ كان هناك في الماضي حلاق يمر بالبيوت ولم يكن له محل ثابت.

أما أرضية الزقاق التي كانت في الماضي من الأحجار، فقد أصبحت اليوم من البلاط.

"أما المصائب فلنصمد لها بالحب وسنقهرها به، الحب أشفى علاج، وفي مطاوي المصائب تكمن السعادة كفصوص الألماس في المناجم الصخرية، فلنلقن أنفسنا حكمة الحب”… هكذا يقول محفوظ في أجمل مقطع ربما من زقاق المدق، مخلداً المكان الذي تحول من إسطبل للخيول إلى عالم فريد يختزل وجدان مصر في ظل الاحتلال بكل هناته.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard