الأنظار شاخصة إلى الكونغرس... ماذا يعني إجراء عزل ترامب؟

الأربعاء 25 سبتمبر 201906:03 م

في أواخر أيار/ مايو الماضي، استعر الخلاف بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي بعدما دعت النواب الديموقراطيين إلى اجتماع طارىء مغلق للبحث في إمكانية عزل الرئيس على خلفية اتهام حملته الانتخابية بالتورط مع روسيا.

سبقت هذا الخلاف حربٌ كلامية حادة على تويتر تبادل فيها الطرفان الاتهامات، فوصفته بيلوسي بـ"القائد الأعلى للتشتيت" ودعاها هو لـ"تنظيف شوارع سان فرانسيسكو المقززة"، باعتبارها نائباً عن الولاية، لكن يمكن القول إن اجتماع مايو الماضي، كان بمنزلة البداية في تحويل البيت الأبيض إلى حلبة صراع شرسة بين زعيمة الأكثرية الديمقراطية والرئيس الجمهوري.

اليوم تتجه أنظار كثيرين إلى تلك الحلبة، منهم من كان قد وضع كل محصوله في سلة ترامب، ومنهم من يعوّل على رحيل الأخير قبل انتهاء ولايته أو أقله على ضرب حظوظه في الانتخابات المقبلة عام 2020.

جاء قرار الديمقراطيين الدخول في إجراءات عزل الرئيس الجمهوري على خلفية ما باتت تُعرف بـ"فضيحة أوكرانيا"، فأمرت بيلوسي بفتح تحقيق رسمي لعزل ترامب بسبب "الحقائق الشائنة".

هذه المرة، جاء قرار الديمقراطيين الدخول في إجراءات عزل الرئيس الجمهوري على خلفية ما باتت تُعرف بـ"فضيحة أوكرانيا"، فأمرت بيلوسي بفتح تحقيق رسمي لعزل ترامب بسبب "الحقائق الشائنة لخيانة الرئيس لقسمه وخيانته لأمننا القومي وخيانته لنزاهة الانتخابات".

خلفيات "فضيحة أوكرانيا"

ترجع حيثيات القضية إلى محادثة هاتفية بين ترامب ونظيره الأوكراني فلاديمير زيلنسكي في تموز/ يوليو الماضي، سرّبها مخبر تقدم بشكوى لادعاء الاستخبارات في الولايات المتحدة، منتصف آب/ أغسطس الماضي، ضد فحوى المكالمة، قبل نقلها إلى لجنتي الاستخبارات في مجلسي النواب والشيوخ، ليكشف عن أمرها خلال الشهر الجاري عدد من وسائل الإعلام الأمريكية.

وفي الاتصال المذكور، ساوم ترامب زيلنسكي على مساعدة عسكرية أمريكية مخصصة لأوكرانيا مقابل فتح تحقيق لتشويه سمعة منافسه في الانتخابات المقبلة جو بايدن وابنه هانتر، اللذين يملكان مجموعة من الأعمال في مجال الطاقة في كييف.

وهذا التهديد يصبّ في قلب النقاش بشأن إمكانية بدء إجراءات عزل ترامب لاستخدامه صلاحيات الرئيس لأغراض شخصية، علماً أن هذه الإجراءات تواجه سلسلة من الخطوات الدستورية والتقنية، التي ترجّح سيناريو عدم وصول العزل إلى خواتيمه، في حين تترك النقاش مفتوحاً بشأن تأثير هذه الخطوة على حظوظ الرئيس في الانتخابات المقبلة.

إجراءات العزل

تحضر في سياق الحديث عن إجراءات العزل المادتان الأولى والثانية من الدستور الأمريكي.

تنص الفقرة الثانية من المادة الأولى على أن مجلس النواب "يختار رئيسه والمسؤولين الآخرين، وتكون لهذا المجلس وحده سلطة اتهام المسؤولين"، وعليه فإن مجلس النواب هو من يبدأ بالعزل.

ووفقاً للدستور، يخوّل المجلس إحدى لجانه، وعادةً تكون القضائية، للتحقيق، وفي حال توفر مواد العزل الموجبة تُطرح على المجلس الذي يصوّت بأغلبية بسيطة. وبما أن الديمقراطيين هم الأكثرية في مجلس النواب حالياً، يمكن توقع أن يتمكنوا من تحقيق هذه الخطوة.

تواجه إجراءات عزل الرئيس الأمريكي سلسلة من الخطوات الدستورية والتقنيّة ترجّح سيناريو عدم وصول الخطوة إلى خواتيمها، في حين تترك النقاش مفتوحاً بشأن تأثيرها على حظوظ الرئيس في انتخابات 2020
تبدو إجراءات عزل الرئيس التي أعلن عنها مجلس النواب مختلفة من وجهة نظر ترامب، إذ شبّهها بـ"مطاردة الساحرات" حيث الاتهامات من دون دليل واعتبرها "تحرشاً رئاسياً"، وصولاً إلى التغريد قائلاً: "الجميع يقولون إن هذا الأمر سيكون إيجابياً لي في الانتخابات"

وللعلم، فإن حصول مواد العزل على تصويت مجلس النواب ليس سوى الخطوة الأولى، إذ تقضي الفقرة الثالثة من المادة الثانية في الدستور بوجوب إرسال القضية برمتها إلى مجلس الشيوخ، الذي له وحده "سلطة إجراء محاكمة في جميع تهم المسؤولين".

و"عندما ينعقد مجلس الشيوخ لذلك الغرض، يقسم جميع أعضائه اليمين أو بالإقرار. وعندما تتم محاكمة رئيس الولايات المتحدة، يترأس رئيس القضاة الجلسات: ولا تجوز إدانة أي شخص بدون موافقة ثلثي الأعضاء الحاضرين"، حسب تقرير لـ"سي أن أن". 

ويتضمن الجزء الخاص بمجلس الشيوخ في عملية العزل محاكمة يكون فيها النواب مدّعين عامّين ومجلس الشيوخ أعضاء في هيئة المحلفين، ويجب أن يصوّت ثلثا هؤلاء بالإدانة، وبعملية حسابية ذكرتها "سي أن أن" يجب أن يكون العدد 67 سيناتوراً على أقل تقدير، و"بالتقسيم الحالي للحزب يعني هذا أن على 20 سيناتوراً جمهورياً أن يصوت لإدانة ترامب، على افتراض أن كل الديمقراطيين سيصوتون لمصلحة ذلك أيضاً".

تحقيقات تُضاف إلى تحقيقات

لم تقدم بيلوسي إطاراً زمنياً لانتهاء إجراءات عزل ترامب، لكنها صرّحت بأن الأمر سيجري "على وجه السرعة"، في حين أمل رئيس اللجنة القضائية لمجلس النواب جيري نادلر الانتهاء من ذلك مع نهاية العام الجاري.

لم تقدم بيلوسي إطاراً زمنياً لانتهاء إجراءات عزل ترامب، لكنها صرّحت بأن الأمر سيجري "على وجه السرعة"، في حين أمل رئيس اللجنة القضائية لمجلس النواب جيري نادلر الانتهاء من ذلك مع نهاية العام الجاري.

التحقيقات في "فضيحة أوكرانيا" تُضاف إلى مجموعة من التحقيقات السابقة التي تستهدف الرئيس، منها دفع أموال بطرائق غير قانونية لستورمي دانيلز وكارن ماكدوغال اللتين قيل إنهما كانتا عشيقتين سابقتين للرئيس، مقابل التزامهما الصمت خلال الحملة الانتخابية الرئاسية عام 2016.

أما التحقيق الآخر فمتعلق بـ"عمليات احتيال" ممكنة في شركة "منظمة ترامب" العائلية التي ترعى أعمال أولاده.

تُضاف لما سبق عمليات اختلاس محتملة، وتحديداً في تمويل حفل التنصيب في كانون الثاني/ يناير 2017، فضلاً عن التورط الشهير مع روسيا، وتضارب المصالح خاصة في انتهاك "بند المكافآت" الذي يمنع أي شخص يشغل منصباً عاماً من قبول هدية أو مكافأة من دولة أو شخصية رسمية أجنبية.

قبل ترامب... جونسون ونيكسون وكلينتون

إن كان ترامب هو الرئيس الوحيد في تاريخ أمريكا الذي طاله هذا العدد من التهديدات بالعزل، حتى قبل حفل تنصيبه، إلا أن هناك رؤساء آخرين واجهوا هذا الإجراء خلال فترة وجودهم في البيت الأبيض.

الأول كان الرئيس الديمقراطي أندرو جونسون الذي تولى الرئاسة بعد اغتيال أبراهام لينكولن لكونه نائباً للرئيس.

سعى جونسون لإعادة الولايات المنفصلة عن الاتحاد الأمريكي بعد الحرب الأهلية بشكل سريع، لكن خططه استثنت العبيد السابقين الذين حصلوا على حريتهم ونالوا الجنسية الأمريكية، وهذا ما أدخله في صراع مع الجمهوريين داخل الكونغرس.

تفاقمت الأزمة لكن الرئيس الديمقراطي نجح في تجنب إدانة مجلس الشيوخ له وعزله من منصبه، بفرق صوت واحد.

الرئيس الثاني كان الجمهوري ريتشارد نيكسون بعد فضيحة "ووترغيت" الشهيرة التي يستحضرها البعض حالياً في إطار المقارنة بينها وبين فضيحة ترامب. واجه نيكسون الإدانة بثلاث تهم، هي إساءة استخدام السلطة وتحدي قرار المحكمة باستدعائه في قضية التجسس على المقر الرئيس للحزب الديمقراطي الأمريكي وعرقلة سير العدالة.

وبرغم محاولات نيكسون التنصل من فضيحة التجسس ونفي صلته بها، اضطر مع تقديم جهاز "أف بي آي" لمجموعة من الأدلة إلى الاستقالة عام 1974، وذلك قبل الانتهاء من إجراءات العزل.

أما الثالث فكان الديمقراطي بيل كلينتون الذي واجه فضيحة سياسية على خلفية علاقته الجنسية بالمتدربة في البيت الأبيض آنذاك مونيكا لوينسكي. وعام 1998، أصدر مجلس النواب قراراً بإقالته بعد إدانته بعرقلة سير القانون، لكن مجلس الشيوخ برأه في العام التالي وأكمل فترة الرئاسة حتى النهاية.

"تحرش رئاسي"

بالعودة إلى ترامب، فما يجري اليوم كان "متوقعاً أو بالأحرى لم يكن هناك مناص من حصوله"، على حد تعبير بيتر بيكر في "نيويورك تايمز".

وقال بيكر إن ترامب بدا مستعداً للمعركة، على الرغم من سوريالية المشهد حيث كان يستعرض قوته أمام زعماء العالم خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في حين يصارع أعداء الداخل. فما. فـ"في لحظة كان يتحدث عن الحرب والسلام والتجارة مع الزعماء، وفي لحظة أخرى يشارك مباشرةً في صراع خلفي لإنقاذ رئاسته".

"يقولون إن الأمر سيكون إيجابياً لي"

الأمور من وجهة نظر ترامب تبدو مختلفة، أقله في تصريحاته التي تراوحت بين تشبيه ما قامت به بيلوسي بـ"مطاردة الساحرات" حيث الاتهامات من دون دليل وبين اعتبار الإجراء "تحرشاً رئاسياً"، وصولاً إلى التغريد قائلاً: "الجميع يقولون إن هذا الأمر سيكون إيجابياً لي في الانتخابات".

في هذا السياق، هناك من أيدوا رأي ترامب باستبعاد تأثير هذا الإجراء على حملته الانتخابية المقبلة، ومن هؤلاء رئيس مجلس النواب السابق نيوت غيغريتش (1995 - 1999) الذي دعم ترامب، وقال إن الأخير لديه إمكانية البقاء بأمان.

وذكّر غينغريتش، وفقاً لـ"نيويورك تايمز"، بما حصل أيام كلينتون، قائلاً إن الأمور وقتها انقلبت ضده كرئيس لمجلس النواب وصبّت في مصلحة الرئيس، متوقعاً أن تواجه بيلوسي المصير نفسه.

ولفت غينغريتش كذلك إلى أن الديمقراطيين سينشغلون بأمر يُرجَّح أن يُفقدهم شعبيتهم ويُمكّن الجمهوريين أن يصبوا اهتماماً أكبر على خصمهم بايدن.

في المقابل، تتحدث استطلاعات عن نظرة "معظم الأمريكيين" لترامب باعتباره "عنصرياً"، وعن انقسام حاد بشأن سياساته من المهاجرين وحول فضائحه الداخلية، لكن في الوقت ذاته لا يمكن الحكم باعتبار ذلك مؤشرات إلى ضعف موقفه الانتخابي إذا ما قيست الأمور بمنطق فوزه في الولاية الأولى وبمنطق النظام الانتخابي الأمريكي.

من ناحية أخرى، يشير الرأي المشكك في قدرة ترامب على الصمود إزاء هذه الفضائح - برغم محاولته إظهار قدرته عليها - إلى أن نيكسون وكلينتون واجها إمكانية العزل بعد الفوز بالولاية الثانية وليس قبلها، وبالتالي فإن ولاية ترامب الثانية في حال فوزه ستكون أكثر حساسية بالنسبة إلى الرئيس من الولاية الأولى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard