توماس كوك… نهاية رائد أسطوري وبداية تسونامي سياحي فهل تصمد مصر وتونس والمغرب؟

الأربعاء 25 سبتمبر 201905:29 م

بجهود 22 ألف موظف في أنحاء العالم، ونحو 20 مليون سائح من 16 دولة، حافظت توماس كوك، مجموعة السياحة والسفر الأقدم في العالم، عملاق شركات السياحة على مدى عقود طويلة من الزمن على ريادتها في المجال، لكن حتى الشركات العملاقة يمكن أن تتعرض للإفلاس في زمن متغير، البقاء فيه للأكثر قدرة على التطور ومواكبة العصر. ويرى مراقبون أن توماس كوك لم تنجح في ذلك، فاضطرت لإعلان إفلاسها في 21 أيلول/سبتمبر الجاري، وهو الخبر الذي نزل كالصاعقة على فنادق ومنشآت سياحية وحكومات عربية كذلك لطالما ارتبط العديد من فنادقها بكوك.

كيف ستتأثر دول عربية كمصر وتونس والمغرب بإفلاس الشركة؟ ولماذا أفلست توماس كوك أصلاً؟ وماذا عن أرشيفها العريق والمهم الذي يتضمن كتيبات سياحية وعقوداً مع دول عربية عمرها عشرات السنين؟

علّم كوك شعبه وشعوباً أخرى فن السفر عبر العالم قبل أن تخبو أسطورته.

لن ينسى آلاف العاملين في توماس كوك يوم 21 أيلول/سبتمبر من العام 2019، فهو اليوم الذي أعلنت فيه مجموعة السياحة والسفر البريطانية إفلاسها، بعد فشلها نهاية الأسبوع الماضي في الحصول على تمويل من الحكومة البريطانية ينقذها لبعض الوقت، معلنة أنها ستدخل في عملية "تصفية فورية” أي إفلاسها.

في هذا اليوم قالت المجموعة في بيان: "برغم الجهود الكبيرة، لم تسفر المناقشات عن اتفاق" بين المساهمين والممولين الجدد المحتملين، مضيفةً: "لذلك، خلص مجلس إدارة الشركة إلى أنه ليس لديه خيار سوى اتخاذ خطوات للدخول في تصفية إلزامية بمفعول فوري".

لكن ليس الأمر بالسهولة نفسها التي كتبت بها الشركة البيان، إذ يتعين على توماس كوك أن تنظم فوراً عملية إعادة 600 ألف سائح من المتعاملين معها حول العالم، بينهم 150 ألف سائح بريطاني، وهذا ما سيشكل أكبر عملية من هذا النوع منذ الحرب العالمية الثانية.

وتعاني توماس كوك التي تدير فنادق ومنتجعات وشركات طيران وسفناً سياحية، من ديون متراكمة قدرها 1.7 مليار جنيه إسترليني (2.12 مليار دولار أمريكي).

ويبدو أن إفلاس توماس كوك البريطانية شجع فروعاً أخرى للشركة على اتخاذ الخطوة نفسها، إذ أعلنت شركة توماس كوك الألمانية للسياحة هي أيضاً يوم 25 أيلول/سبتمبر، أنها تقدمت بطلب إشهار إفلاسها، مثلها مثل الشركة الأم.

لماذا أفلست توماس كوك؟

"لم تستطع الشركة مواكبة التغيرات المهمة في سوق السياحة العالمية" بهذه الجملة بدأ هشام زعزوع، وزير السياحة المصري الأسبق، حديثه مع رصيف22، شارحاً أن الشركة كانت تتعامل بطريقة تقليدية وقديمة مع سوق السياحة لم تتغير منذ عشرات السنين، وتجاهلت أن هناك شركات أصغر منها بكثير تستخدم التكنولوجيا بطريقة أفضل منها، مضيفاً أن هناك شركات تتيح لعملائها تعاملاً كاملاً معها عن طريق تطبيقات الهاتف التي تتيح البحث عن فنادق وحجز تذاكر سفر وتنظيم رحلات، في حين ظلت توماس كوك بعيدة عن هذه التطورات، وتستخدم النشرات المطبوعة والكتيبات.

يضيف زعزوع أن هناك أسباباً أخرى أدت لإفلاس الشركة، منها المشاكل الاقتصادية الكبيرة التي تعانيها السوق الدولية، والتي أدت بدورها إلى تضاؤل حركة الحجوزات السياحية، وهذا ما أدى إلى تراكم أعباء مالية كبيرة على المجموعة التي لديها آلاف العاملين ويجب عليها دفع مرتباتهم، إلى جانب الديون المترتبة عليها والتي لم تنجح إدارتها الحالية في الوصول لخطة عملية للتخلص منها.

ويرى زعزوع أن نهاية توماس كوك ستكون بداية نجاح شركات أخرى صغيرة، إذ سيتحول عملاء توماس كوك إلى هذه الشركات التي توفر لعملائها كل ما يحتاجون إليه بضغطة زر واحدة من دون أن يتوجهوا لمقارها.

في ما يتعلق بالأرشيف الضخم الذي تمتلكه الشركة البريطانية ويتضمن كتيبات سياحية أصدرتها، ونشرات سياحية، وعقوداً قديمة مع دول عربية وقعت قبل سنوات طويلة، يقول زعزوع إنه على الدول العربية التواصل مع الشركة للحصول على ما يخصها من هذا الأرشيف، وعرضه لشعوبها باعتباره تاريخاً يجب أن لا ينتهي نتيجة إفلاس الشركة.

وكان خبير الآثار المصري زياد مرسي أطلق وسماً على وسائل التواصل الاجتماعي يحمل اسم انقذوا أرشيف توماس كوك، دعا من خلاله الدول العربية إلى التواصل مع الشركة للحصول على نسخ من التعاقدات ورسائل الشركة إلى الحكومات العربية، والمطبوعات التي أصدرتها، على أن توضع في متاحف أو مكتبات باعتبار أنها تراث إنساني مهم.

ولم تعلن توماس كوك حتى الآن خطتها للتعامل مع أرشيفها الذي لا توجد منه نسخة رقمية.

صدمة في مصر

ووقع خبر إفلاس توماس كوك كالصدمة على شركات السياحة المصرية التي تتعامل مع الشركة البريطانية. فقد قالت شركة بلو سكاي، الوكيل المشغل لشركة توماس كوك في مصر، في بيان يوم 21 أيلول/سبتمبر، إنه تم إلغاء 25 ألف حجز للسياح في مصر حتى أبريل 2020 عقب إعلان الشركة إفلاسها.

ووفق حسام الشاعر رئيس مجلس إدارة بلو سكاي، فإنه لدى الشركة 1600 سائح في منتجع الغردقة بمصر حالياً، شرعوا في العودة إلى بلدانهم، وكانت الأعداد المتوقعة حتى العام 2020 تبلغ 100 ألف سائح كانوا سيسافرون إلى مصر من خلال توماس كوك.

ووفق مصادر في قطاع السياحة المصري تحدثت لرصيف22، فإن مدينتي الغردقة ومرسى علم الواقعتين على شواطئ البحر الأحمر في مصر هما الأكثر تضرراً من إفلاس توماس كوك، بسبب وجود آلاف من السياح قدموا إليهما عبر الشركة.

ونقلت وسائل إعلام محلية عن الخبير السياحي المصري أبو الحجاج العماري، قوله إن توماس كوك كانت تسيّر 22 رحلة طيران أسبوعية إلى مطار الغردقة، ورحلة أسبوعية إلى مطار مرسى علم، مشيراً إلى أن بريطانيا بدأت التنسيق مع وكلاء توماس كوك المصريين لنقل السياح البريطانيين من المدينتين إلى بلادهم.

ويرى العماري أنه من المتوقع أن تتأثر شركات مصرية على نحو متفاوت وفقاً لحجم استقبالها سياح توماس كوك.

خسائر تونس تتخطى الـ 73 مليون دولار

في سياق متصل، اعتبر وزير السياحة والصناعات التقليدية التونسي روني الطرابلسي يوم 24 أيلول/سبتمبر، أن تونس تأثرت بإفلاس توماس كوك، مشيراً إلى أن بلاده تلقت تأكيداً من بلجيكا أنها تتحمّل ديون سياحها الذين زاروا تونس عن طريق توماس كوك، متوقعاً أن تخطو بقية الدول على غرار فرنسا وهولندا وألمانيا وبريطانيا الخطوة نفسها.

ووفق وسائل إعلام تونسية، فقد تضرر بين 40 و54 نزلاً تونسياً من إفلاس توماس كوك، في حين قدرت الخسائر عامة بحوالى 220 مليون دينار (نحو 73 مليون دولار).

كيف ستتأثر مصر وتونس والمغرب بإفلاس شركة توماس كوك البريطانية؟ ولماذا أفلست؟ وماذا عن أرشيفها العريق والثمين الذي يتضمن كتيبات سياحية وعقوداً مع دول عربية عمرها عشرات السنين؟
خبير آثار مصري يطلق وسم #انقذوا أرشيف توماس كوك، يدعو من خلاله الدول العربية إلى التواصل مع الشركة للحصول على نسخ من التعاقدات ورسائل الشركة إلى الحكومات العربية، والمطبوعات التي أصدرتها، على أن توضع في متاحف و مكتبات لاحقاً

وأعلن الطرابلسي أنه طلب المساعدة من سفيرة بريطانيا في تونس "لأن وضع الفنادق التونسية لا يسمح بديون كبيرة كالتي خلّفها إفلاس توماس كوك".

وكانت بريطانيا قد أعلنت أنها ستتحمل مصاريف عودة السياح الذين جاؤوا إلى تونس عن طريق الشركة المفلسة، إذ خصّصت طائرات لتنقل حوالى 900 سائح كل يوم حتى 6 تشرين الأول/أكتوبر المقبل.

وكانت صحيفة الإندبندنت البريطانية، قد ذكرت في 21 أيلول/سبتمبر، أن فندقاً تونسياً احتجز مجموعة من السياح البريطانيين رهائن لإجبارهم على دفع مقابل إقامتهم مرة ثانية بعدما دفعوا أولاً في بريطانيا لتوماس كوك، لكن وزارة السياحة التونسية أصدرت بياناً بعد ذلك بساعات قالت فيه إن هذا الخبر مبالغ فيه والسياح لم يتم احتجازهم بل تعطلت إجراءات خروجهم من الفندق لمدة وجيزة بطلب من صاحب الفندق إلى حين التثبت من بعض الأمور مع منظم الرحلات الذي يتعامل مع توماس كوك.

خلية أزمة في المغرب

أما الحكومة المغربية فلم تنتظر كثيراً بعد إعلان توماس كوك إفلاسها، إذ شكلت خلية أزمة تتكون من وزارة السياحة، والمكتب الوطني المغربي للسياحة، والفيدرالية الوطنية للسياحة، بهدف جمع معلومات عن الأمر، والعمل على إنجاح عملية ترحيل عملاء الشركة، إضافةً إلى دراسة الأضرار المحتملة على الاقتصاد السياحي المغربي.

وبحسب ما نشرته وسائل إعلام، هناك بين 1300 و1500 سائح من عملاء الشركة البريطانية قصدوا المغرب لتمضية عطلاتهم، غالبيتهم من البريطانيين. ويُتوقع تنظيم رحلات لإعادتهم إلى بلادهم على أربع دفعات، ابتداء من اليوم 25 أيلول/سبتمبر حتى 5 من الشهر المقبل، ويشكل هؤلاء 5 في المئة من مجموع السياح البريطانيين في مدينة مراكش، التي تُعتبر أهم وجهة سياحية في البلاد.

وقلّل المكتب الوطني المغربي للسياحة من مدى تأثير إفلاس توماس كوك المحتمل في القطاع السياحي، معتبراً أنه على الرغم من أنّ الشركة شريك تاريخي، فإنّ حصتها شهدت تقلصاً في السوق السياحية المغربية خلال السنوات الماضية، كباقي الشركات التقليدية، وذلك لمصلحة أطراف جديدة ومنظمي الرحلات السياحية عبر الإنترنت.

من ناحية أخرى يرى مراقبون أن الأمر ليس بهذه السهولة، إذ يجمع بين الشركة المفلسة والمكتب المغربي للسياحة عقد كان يهدف إلى جلب نحو مئة ألف سائح خلال عام 2019، مع ضمان 50 ألف مقعد في الطائرات، مخصّص حصرياً لعملائها البريطانيين والبلجيكيين. وعليه، يؤدي إعلان إفلاسها إلى وقف سريان الاتفاق. ويُتوقّع أن يتسبب هذا الوضع بخسارة في قطاع السياحة، باعتبار أن الشركة أنجزت 60 في المئة من أهداف العقد من حيث عدد السياح و90 في المئة من حجوزات الطائرات.

وتأسست شركة توماس كوك في العام 1841، واندمجت في العام 2007 مع شركة ماي ترافل، لتكون توماس كوك جروب بي إل سي. كان كوك رجلاً بسيطاً لم يذهب إلى المدرسة مطلقاً لكنه استطاع أن يخلق فكرة الرحلات المنظمة للمئات من الناس في القرن 19، فكانت على متن القطار في البداية، ثم خرج من دائرة بريطانيا نحو فرنسا وألمانيا وبلجيكا، وكان أول من صمم الدليل السياحي (ما يعرف بالمطويات السياحية اليوم) للتعريف بالوجهات السياحية.

علّم كوك شعبه وشعوباً أخرى فن السفر عبر العالم قبل أن تخبو أسطورته.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard