هل يمكن إسقاط الهويات القومية في سوريا؟

الثلاثاء 24 سبتمبر 201901:41 م

لا يزال سؤال الهوية، كأحد الخيارات الرئيسية للمكوّنات التي تعيش في سوريا، يعيش أزمته الوجودية، علماً أن هذه الأزمة لا تختص بمحدَّدٍ جغرافي فحسب، إنما هو تفاضل اختيار الانتماء في عموم الوطن العربي لدى القوميات والأقليات والشعوب الموجودة، ما بين الهوية الخاصة أو العامة، وسببه غياب أي مشروع يقي الأقليات من مخاوف الصهر والإلغاء. مع علم أنه لم تتعرف الشعوب على مصطلح الانقسام أو التقسيم أو الانفصال، إلا عبر الحكومات والأنظمة التي أصرّت على نسف أي إمكانية للعيش المشترك والهوية الجامعة.

ثمة إغفال متعمد لبناء الهوية المزدوجة بين الجامعة والهوية الخاصة، من قبل جميع الأنظمة المتعاقبة على سدة الحكم في سوريا، وحتى الحركات والأجسام السياسية الكردية، وكل وفق موقعه. فلا الأنظمة سعت لخلق هوية ينظر من خلالها السوريون إلى أنفسهم كحملة هوية تقاربٍ مجتمعي فيما بينهم، ولا الأحزاب الكُردية حدّدت هويتها بدقة ما بين القومية البحتة، أو الوطنية العامة أو المشتركة، وربما تشفع لهم ذلك عقود الاضطهاد الذي عاشوه، ومخاوفهم من صهرهم ضمن الهوية العربية.

السؤال الاختياري الموجه للكُردي: هل أنت كُردي أم سوري؟ هو عينه السؤال المُعمم على باقي القوميات والشعوب في جميع الدول العربية، مع تغيير اسم القومية. والمفارقة أن الجواب هو نفسه لدى الجميع، أنا هذا وذاك منطلقاً من واعز الرضا بالعيش وفق ما رسمته مصالح الدول العظمى. بيد أن المشكلة الأساسية تكمن في إصرار الأنظمة القمعية على تفتيت القوميات التي انتشرت بين أكثر من دولة، وهو ما خلق ردات فعل عنيفة من قبلهم.

لم تتعرف الشعوب على مصطلح الانقسام أو التقسيم أو الانفصال، إلا عبر الحكومات والأنظمة التي أصرّت على نسف أي إمكانية للعيش المشترك والهوية الجامعة

ففي ظل غياب الهوية الوطنية السورية الواضحة والمحددة سواء في المركز أو الأطراف فإن الواعز النفسي والذات المقموعة تلعبان الدور الأساسي في التشييد الهوياتي، كما أن الزمر الاجتماعية/التربوية: المدرسة، الأحزاب، الدين...إلخ تلعب دوراً رئيسياً في مسخ أو خلق التوازن الداخلي ما بين الهويات الخاصة والعامة، وتلعب الذاكرة والمعتقدات والثقافة الدارجة الدور الأبرز كحوامل للتنشئة الاجتماعية ولتشكيل هوية أفراد، وتأسيس الهويات القومية والشخصية وتأثير المعايير الاجتماعية في خلقها وإيجادها.

مع كل محاولة من الحكومات المستبدة لتأطير الهويات الخاصة في سوريا، تقابلها نفسياً محاولات القوميات المغايرة للقومية السائدة، الحفاظ على خصوصيتها وتأمين مكانة للهويات الفرعية مقابل الهوية الجماعية الماسخة للآخر. إحدى الأدوات التي تُستخدم عادة في تفعيل مبدأ إلغاء الهويات الخاصة هي دور المؤسسات وهياكل الحكم، والتحكم بمسار تحديد الهويات عبر الجانب الاقتصادي، فهذه المؤسسات تقوم بدور الموجه والمسوغ، بل وحتى المبرر لتنازل أبناء القوميات عن هوياتهم الخاصة، وهذه نتيجة حتمية لأربعة عوامل مركبة، الأول: انعدام الموارد الاقتصادية إلا عبر تلك المؤسسات، وتحكم أجهزة الأمن بمصائر وحيوات الناس، ما يعني تفاضل تلك الهويات بين أربع خيارات هي: المقاومة، الهجرة، التماهي دون اقتناع، عدم الاكتراث بمصائر التخلي عن الهوية الخاصة. العامل الثاني: عدم اهتمام المنظمات الدولية والمجتمع الدولي والنخب المحلية غير المنتمية لمجتمع الأقلية بمصائر غيرهم، والاكتفاء بما يخصهم وحدهم، وكانت إحدى نتائجها تفاقم الوضع السياسي وزيادة الشروخات الحاصلة. وثالثتها فهي حتمية تراجع وتراخي الدور المحوري لمؤسسات وزمر التنشئة الاجتماعية وتشكُّل الهوية مثل: العائلة التقليدية، الحزب السياسي، الدين، مقابل حفاظ الدولة على موقعها المركزي. أما الرابعة: فهي قضية الثقافة الدارجة ودورها في خلق مؤيدين أو معارضين لمفهوم خصوصية الهوية القومية.

أكبر الجرائم التي ارتكبت بحق الكُرد، تجلت في منعهم من تدريس لغتهم وثقافتهم وإن في مراكز خاصة، أو حظر استعمال اللغة الكُردية بين الأفراد الكُرد في المدارس أو المراكز الحكومية خلال عقود من القرن الماضي، وهي المواقف التي لا زال معاصروها يرددون دوماً عن كمية الحقد والغل الذي سُكِب عليهم بسبب التحدث باللغة الكُردية. هذا النوع من الأفعال تحديداً يتسبب بضاغط نفسي للسعي صوب التخلص من رواسب هذه التواريخ والذكريات، عبر الإصرار على هوية خاصة. وسعت الحكومات السورية من وراء منعها لمحاولة منع وتفتيت الهوية الكردية، عبر الضرب على العمود الفقري المتمثل باللغة والثقافة الخاصة بالقوميات.

وهو ما يؤثر مباشرة على العمق والانتماء الوطني، فمثلاً في الدول المركبة فإن الموقف من الثقافة الوطنية مديد وخفي غالباً من قبل "الآخر"، وهو قائم على نوعية العلاقات والصلات أو القهر الموجود في المجتمع، والموقف من الثقافة واللغة الخاصة بأبناء القوميات. ولطالما أن تشكل الهوية الثقافية يخضع للون واحد فحسب، فإن الانضواء ضمن الجسد الأكبر والانتماء له يبقى غائباً. إذ أن الزمر الحكومية لم تعد وحدها قادرة على الاحتفاظ بالأفراد لطالما غابت حالات كسب الولاء، عبر تقديم ما يثبت لهم حقوقهم الهوياتية والثقافية. وأبرز المؤثرات هي التاريخ الوطني والتعريف الثقافي له ومدى تمثيله للشرائح كافة. فأما التركيز على فردانية الهوية والذات، أو أن نزعات فردية راديكالية بين الطبقات ستكبر رويداً رويداً.

للمؤسسات الوطنية دور بارز في إعداد الهوية الفردية أو الجماعية، خاصة مع صعود الدمقرطة والنزعة الفردية في التنشئة الهوياتية، أصبح الطرق يضيق أكثر أمام دور المؤسسات الدينية والسياسية الحاكمة في ترسيم الهوية، أمام دور المؤسسات الوطنية الديمقراطية والنزعات الفردية والانفجار النفسي للقوميات والهويات الخاصة، لهذا فإن العنف الممارس من قبل جميع الأنظمة القمعية تهدف إلى صرف الأذهان عن حقها الهوياتي، ومع علمها ومعرفتها بالفشل، فإنها، وكنفسية جميع الطغاة، تستمر في القضم والعنف. علماً أن بنية الهويات وكتلها الصلبة تتحين وتنتهز الفرص دوماً لنيل المزيد من المكاسب، أو رفع الحظر عن نفسها، فليس من الضروري أن يمتد الوعي بالهوية الخاصة للشعوب المتمايزة والمقموعة عبر سلسلة التاريخ كله أو عبر آلاف السنين على المستويين الفردي والجماعي، كلحظةٍ متصلة دوماً، فمسألة الهوية تُطرح على مستوى الأفراد وعلى مستوى الشعوب والأمم، كلما كان هناك تحدٍّ أو تهديد خارجي أو شعور بالتهميش والإحباط، وهو يدخل في خانة تأكيد الذات الفردية أو الجماعية وبغية إعادة ترتيب علاقاتها بمحيطها، من أجل أثبات الوجود وتحقيق الاستقرار والطمأنينة.

بل وأن هذا الوعي إنما يتحرك وينمو داخل حركة التاريخ ويستمر حياً في نفوس أبنائها، طالما وجدت أدنى فرصة للتعبير، أو تستمر في ممارسة طقوسها سرّاً، كأحد الأدوات الفاعلة في المواجهة المخفية ضد حملة صهرها وإنكارها. ولم تشهد الهويات حراكاً مثلما تشهده في الأزمات التي تُهدد شعبها في نهضتها ووجودها الخاص وكيانها كوجود.

مع كل محاولة من الحكومات المستبدة لتأطير الهويات الخاصة في سوريا، تقابلها نفسياً محاولات القوميات المغايرة للقومية السائدة، الحفاظ على خصوصيتها وتأمين مكانة للهويات الفرعية مقابل الهوية الجماعية الماسخة للآخر

إن سؤال الهوية: من أنت؟ إنما يُراد منه أن يقول أصحاب تلك الهويات عن أنفسهم: من أنا؟ ليكون سؤالاً يتعلق فقط باللحظة الراهنة دون أنساقٍ أو عُمقٍ للوجود الأصلي. في الوقت الذي تتعلق الهويات بالماضي وصراعتها المستقبلية

لهذا فإن سؤال الهوية الموجه للشعوب: من نحن؟ من أنت؟ إنما يُراد منه أن يقول أصحاب تلك الهويات عن أنفسهم: من أنا؟ ليكون سؤالاً يتعلق فقط باللحظة الراهنة دون أنساقٍ أو عُمقٍ للوجود الأصلي. في الوقت الذي تتعلق الهويات بالماضي وصراعتها المستقبلية.

والصراع الذي تعيشه الهويات في سوريا هي ضمن مجالات للإفلات من استراتيجيات السلطة، فما أن يظهر فضاء ديمقراطي حتى يتزايد تأكيد الهوية على فردانيتها أمام جبروت السلطة واحتياجاتها، ومحاولات السلطة إعادة تشكيل وضبط الهويات وفق مزاجها العام. لذا فإن الخطاب السياسي للكتل البشرية الساعي نحو فضاء سياسي ديمقراطي تعددي، لا مفر من أن يكون مسكوناً بخطاب الهوية مباشرة، وهي شيء من الحتمية لاستمرار التيارات القومية السياسية، والهوية الخاصة بها هي إحدى الوسائل أما لمعارضة السلطة أو للتوصل إليها، والإتيان بطروحات هوياتية جديدة تتناسب وحجم التنوع والتعدد السياسي والإثني الموجود.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard