بَصَّاتُ مغربيٍّ على مصر (1)... تاكسي"بما يرضي الله!"

الثلاثاء 24 سبتمبر 201906:00 م

"يللا نركب عشان أخلص يا باشا. الليل كلّه مانمتش!"، كان الأسطى حسن هو من توقفت عليه اختياراتي ليوصلني من مطار القاهرة الدولي إلى وسط البلد، بعد محاولات باءت بالفشل مع سائقين آخرين، إذ أصرّ كلّ واحد منهم أن يقنعني بأن سعره معقول، و "بما يرضي الله! "

يحاول حسن أن يستعرض - ما أمكن- الصورة المتدينة ليكسب ثقتي، شرع في تشغيل أغاني الراديو بعد أن تمتم تراتيل دينية، محمد منير يتسيد المشهد الغنائي حتى على حساب عمرو دياب،الشاب الخمسيني الذي لا تقهره التجاعيد!

في الطريق تظهر معالم المدينة. في كلّ ركن وزاوية، توجد لافتات إشهارية. القاهرة مسيجة بالإعلانات. صاخبة ومدعية وحالمة كالعادة، أو بمعنى أصحّ "مخدّرٌ مصنوعٌ من صورٍ وكلماتٍ وأصواتٍ مجنونة" على حدّ تعبير الباحث الفرنسي بيرنار بوشان.

"وفّر، اكسب، غني، افتح، افرح...."؛ تحاول الإعلانات أن تستميل فئة من المصريين الكادحين العائشين في ندرة المعيشة في متخيل (فانتازم) الوفرة. ذاكرتي تستحضر -في خضمّ كتابة هذه السطور- مشهدَ لافتة ضخمة مثبتة في أحد شوارع محافظة الجيزة، توجز خطاباً معناه أننا مؤسسة نفتخر بإسكاننا لملايين المصرين طيلة الخمسين سنة، والمفارقة ان أسفل اللافتة الباذخة ينام شخصان بلا مأوى!

سيارة التاكسي تمضي بلا هوادة؛ أغنية "شمندورة" تصدح عالياً و تزاحم كلاكسونات السيارات،نسائم ريحية جافة تبعثر شعري. أحسست بلحظة تاريخية؛ هذه أول مرة أرى فيها مصر على الطبيعة خارج كادرات الشاشات، تذكرت مقولة صديقي تامر (اسم مستعار): "كـ... أم المسلسلات المصرية!".

على طول الطريق السريع المسمى بـ"صلاح سالم" و مايجاوره من محاور طرقية، يحاول أسطى حسن أن يكسر تأملاتي للأمكنة، ويعرفني على ما يثير انتباهه: "شوف ده الازهر الشريف... الطريق دي بتودي للسيدة زينب... شوف شوف ده من بعيد... المئذنة... هو ده مسجد الحسين..."

لا تغريني بعض المشاهد المسلسلاتية التي تختزل الحالة المصرية بكونها جدية وتطبعها حياة بسيطة، سهلة الهضم مع كثير من "الإكزوتيك" في تصدير أنماط معينة خلال العقود الماضية، أو حتى مسلسلات "الكاومباوندات" (نسبة الى المدن الجديدة)، وما يعتريها من استعراض فج وسطحي للحياة المرفهة، ولكن أرى بأن السينما تلامس واقع الأمكنة أكثر وزخمها المركب (أقصد سينما الواقعية الجديدة وليس إنتاجات السبكي).

بعض النوافذ تميل إلى الخصوصية. لا توجد قواعد، كلّ شقة لها مِسحتها وتصميم يخصّ صاحبها. النوافذ والشرفات بحدّ ذاتها تعبر عن اختلاف وتمييز طبقي

انتهت الأغنية، والآن جاء دور أغنية تامر حسن. الأسطى بدا على وجهه الامتعاض؛ أغنية "الشاب المدهنن" (على حد تعبير أخ كبير) لم ترُقه. يغيّر المحطة الإذاعية. يد في زرّ المذياع و أخرى على المقود. لن يهدأ بال الاسطى حتى تصادف أقداره أغاني مطربِه المفضل.

السيارة تمضي. تكلمت مع الاسطى عن الاحتيالات. كان يحدثني عن إحدى شركات توصيل الركاب ومشاكل المهنة. سرحت قليلاً في فضاء المدينة. لم أركز كثيراً على حديثه؛ المورفولوجيا و الشكل الهندسي للمباني أثارا انتباهي، بُنِّيّ و ميّال للتكدس. "الكباري" (الجسور) تكاد أن تلتهم المساكن. بعض النوافذ تميل إلى الخصوصية. لا توجد قواعد، كلّ شقة لها مِسحتها وتصميم يخصّ صاحبها. النوافذ والشرفات بحدّ ذاتها تعبر عن اختلاف وتمييز طبقي.

هكذا تحاول القاهرة أن تتحدّى الملل، و تتطاول على القواعد؛ هي كذلك حتى في الطرقات وسير السيارات؛ تمضي بسرعة غريبة تعبر عن هواجس معينة أكثر من فكرة السرعة خوفاً من الزحمة في أوقات الذروة، أو عندما تحصل بشكل مفاجئ و بدون سابق إنذار

هكذا تحاول القاهرة أن تتحدّى الملل، و تتطاول على القواعد؛ هي كذلك حتى في الطرقات وسير السيارات؛ تمضي بسرعة غريبة تعبر عن هواجس معينة أكثر من فكرة السرعة خوفاً من الزحمة في أوقات الذروة، أو عندما تحصل بشكل مفاجئ و بدون سابق إنذار.

سيارة التاكسي ما زالت تمضي. تراوغ هذه المرة وتقاوم، وتسارع الخطى بين مئات المركبات المتسابقة. نظري ما زال يسرح في المدينة ودخلتها؛ تبدو كئيبة، متربة، والجدران أكبر شاهد، فقد تراكم عليها غبار الزمن، بقليل من الصباغات مطلية بشكل محتشم هنا و هناك، والقاهرة المدينة الأم (النواة الرئيسية و ماجاورها من احياء) تبدو -أو تكاد- وكأنها محنطة بشوارعها وبناياتها منذ عقود الثمانينات وما قبلها. لا تغيير حاصل على الشكل المورفولوجي، لكن التفاصيل الأخرى تغيرت بحكم الواقع.

على طول الطريق السريع المسمى بـ"صلاح سالم" و مايجاوره من محاور طرقية، يحاول أسطى حسن أن يكسر تأملاتي للأمكنة، ويعرفني على ما يثير انتباهه: "شوف ده الازهر الشريف... و ده مسجد كذا و ده مسجد ابو كده... الطريق دي بتودي للسيدة زينب... شوف شوف ده من بعيد... المئذنة... هو ده مسجد الحسين....".

تركيز الأسطى كان دينياً، مع أنه أغفل أن يشير بسبابته لإحدى الكنائس. الأسطى ميال لديانته، وبناءً على هذا المعطى، يختار ويتعاطف مع انتمائه. الأسطى نسي كذلك ذكر الأماكن ذات الطابع التاريخي أو الاستهلاكي، أو حتى العسكري، فالطريق بالكاد تعتريه أماكن تابعة إلى هذه المؤسسة التي تتسيد المشهد العام في البلد، من أكل عيش المصريين إلى القرارات السيادية، كلّ شيء محتكر، و"اللي حينطق حيضيع" كما يسخر المطرب حمزة نمرة في إحدى أغانيه.

اقتربنا من وسط البلد، "سواق" التاكسي مازال يغير من محطة إذاعية إلى أخرى بحثاً عن أغاني محمد منير. يحاول حسن ألّا يُصَدِّرَ صورة نمطية جاهزة؛ متدين، يضع آية الكرسي على واجهة التاكسي، مع قليل من "الأصنام" الفرعونية، وعاشق للمزيكا المستهلكة لدى عموم المصريين التي تنعش ذاكرة الحنين لمشاعر يرونها صادقة وبريئة.

ها أنذا قد وصلت، لكن بشقّ الأنفس، بعد حوار طويل دام بين صديقي تامر والأسطى عن المكان الذي سأنزل فيه. قرر السائق أن يركن سيارته في شارع القصر العيني. أعطيته المبلغ. كان أكثر من المتفق عليه. "ماعنديش فكة يا استاذ! وأنا في النهاية بوصلك من المطار بسعر كويس بما يرضي الله... آه و الله!".

يتبع...

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard