عاشوا فيه بين القرنين التاسع عشر والعشرين... لماذا هاجر اليهود إلى الخليج العربي؟

الاثنين 2 ديسمبر 201905:02 م

خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، كان الخليج العربي مقصداً لجاليات يهودية فرّت من مناطق مجاورة بسبب سوء معاملة بعض الحكام، أو من كوارث طبيعية وقعت حيث تقيم، أو رغبة منها في تحسين أحوالها المعيشية.

بدءاً يجدر الالتفات إلى أن المصادر الإسلامية لم تذكر الوجود اليهودي في تلك المنطقة منذ عهد الخلفاء الراشدين حتى القرن العاشر الميلادي، لكن وُجدت إشارات لتواجدهم  في بعض المناطق مثل عمان والبحرين وخيبر ووادي القرى وتيماء، وهذا ما أشار له الرحالة اليهودي الأندلسي بنيامين التطيلي، حسب ما ذكر وسام حسين عبد الرازق وعصام خليل محمد إبراهيم في دراستهما "الأصول التاريخية للوجود اليهودي في الخليج العربي في العصر الحديث".

منذ النصف الثاني من القرن الثاني عشر حتى نهاية القرن الخامس عشر، صمتت المصادر التاريخية عن ذكر هذا الوجود، بسبب الاختفاء الفعلي لليهود في هذه المناطق وهجرتهم إلى الهند وبعض مناطق بلاد فارس.

بنيامين التطيلي

ومع الغزو البرتغالي للخليج العربي، خلال العقد الأول من القرن السادس عشر، عاد اليهود للظهور مرة أخرى، فجاء تجار منهم ومترجمون مع القادة البرتغاليين، وبعد رحيل القوات البرتغالية، استقر هؤلاء على السواحل الشرقية والغربية للخليج، مثل هرمز وجزيرة قيس ولارا وسيراف ومسقط والبحرين وصحار.

اضطهاد سياسي

مع بدايات القرن التاسع عشر حتى بدايات القرن العشرين، توافدت أقليات يهودية من مناطق مجاورة إلى الخليج العربي، وذلك لأسباب مختلفة، منها التعرض للاضطهاد السياسي، كما حدث في بغداد من قبل الوالي العثماني داوود باشا الكرجي (1816- 1831).

يروي عبد العزيز سليمان نوار في كتابه "داوود باشا والي بغداد" أن الأخير عندما تولى الحكم كان عليه أن يرسل بعض الأموال للباب العالي في الآستانة، وأن يؤمّن مبالغ كافية لسد حاجاته، فلم يكن أمامه سوى أثرياء اليهود. طلب داوود باشا منهم أن يمدوه بالأموال من خلال "كمبيالات" مستحقة الدفع في مواعيد محددة، ولكنهم امتنعوا، فقبض على عدد منهم، ما اضطرهم إلى تقديم الأموال المطلوبة بينما هرب عدد منهم إلى مناطق الخليج.

بعد ذلك، عمل داوود باشا على الانتقام من اليهود الذين كانوا يدينون بالولاء للسلطات البريطانية لأنهم كانوا تحت حمايتها، فصادر أموال كثر منهم، حتى فرّ بعضهم عام 1828 من بغداد إلى مسقط، بحسب نوار.

وخلال الربع الأخير من القرن الثامن عشر، هاجرت بعض الأسر اليهودية من صنعاء في اليمن إلى عُمان ، بسبب اضطهادها دينياً، وعدم السماح لها بالعيش خارج القرية المخصصة لها، إضافة إلى هدم 12 كنيساً يهودياً من أصل 14، حسب ما ذكر عبد الرازق وإبراهيم في دراستهما.

وفي بلاد فارس، عانى اليهود من سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية خلال القرن التاسع عشر، ولا سيما تحت حكم الأسرة القاجارية (1795 – 1925)، إذ فُرض عليهم الإسلام قسراً، فاعتنقه البعض لكن الآخرين هاجروا إلى الكويت والبحرين.

كوارث طبيعية وخدمة إلزامية

كان للكوارث الطبيعية دور في هجرة الأقليات اليهودية إلى الخليج. وفي صيف 1830، ظهر مرض الطاعون في بغداد، وأودى بحياة الآلاف من سكانها، فغادرها عدد كبير من الناس.

كان للكوارث الطبيعية دور في هجرة الأقليات اليهودية إلى الخليج. وفي صيف 1830، ظهر مرض الطاعون في بغداد، وأودى بحياة الآلاف من سكانها، فغادرها عدد كبير من الناس.

وفي نيسان/ أبريل 1831، فاض نهر دجلة على بغداد وغمرت المياه محلة اليهود، ما أدى إلى هدم 200 منزل. وبحسب دراسة عبد الرازق وإبراهيم، دفعت هذه الكوارث بالكثير من الأسر اليهودية للهجرة إلى الكويت والأحساء والبحرين.

وكان الهروب من الخدمة العسكرية الإلزامية في الجيش العثماني في بغداد والبصرة سبباً إضافياً لهجرة اليهود إلى الخليج العربي.

حتى عام 1908، كانت الحكومة العثمانية تفرض مبلغاً سنوياً محدداً يُعرف بـ"بدل العسكرية" تدفعه الطائفة اليهودية كمجموعة، لكن الأمر اختلف خلال العقد الثاني من القرن العشرين، حيث أصبح لزاماً على كل يهودي بالغ أداء الخدمة العسكرية، باستثناء حالات قليلة جداً، وهذا ما دفع باليهود المشمولين بالخدمة للهرب إلى الخليج العربي، لا سيما الكويت والبحرين.

محفّزات مكانية وسياسية واقتصادية

في المقابل، وُجدت أسباب حفزّت اليهود على الهجرة إلى مناطق الخليج تحديداً دون غيرها، منها القرب المكاني الذي سهّل عملية النزوح إلى المناطق الجديدة، وربما العودة إلى المناطق القديمة في حالة انتفاء أسباب النزوح، فضلاً عن الاستقرار السياسي والأمني مقارنة بالمناطق المحيطة، لا سيما العراق وبلاد فارس.

يهود في العراق

وبحسب الدراسة، كانت الكويت والبحرين مرتبطتين باتفاقات وعهود مع بريطانيا، لذلك أصبحت هذه المناطق ملاذاً للهاربين من الخدمة العسكرية الإلزامية أو سوء المعاملة، كما وفّرت السلطات الاستعمارية الأوروبية في الخليج الحماية لليهود، بسبب نفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي في المنطقة، وهذا ما شجعهم على الإقامة والاستقرار هناك والتمتع بحرية العمل والتجارة والتنقل وممارسة الشعائر والطقوس الدينية.

تمتعت معظم مناطق الخليج العربي كذلك بنشاط تجاري مزدهر، وهذا ما شجع الأقلية اليهودية على الهجرة إليها بحثاً عن فرص أوسع للعمل والتجارة.

في الكويت... عائلات شهيرة

تباينت ظروف معيشة اليهود في مناطق الخليج وفقاً للمتغيرات السياسية والاقتصادية الخاصة بكل منطقة. ففي الكويت، وصل عدد العائلات اليهودية خلال القرن التاسع عشر إلى 100، بنت كنيسين.

ويذكر مأمون كيوان، في كتابه "اليهود في الشرق الأوسط: الخروج الأخير من الغيتو الجديد"، أن معظم يهود الكويت كانوا رجال أعمال عاد بعضهم إلى العراق، وبعضهم الآخر هاجر إلى إسرائيل ومنهم الموسيقيان الشقيقان صلاح وداوود الكويتي اللذان اشتهرا في أنحاء الشرق الأوسط.

ويذكر عبد الرازق وإبراهيم أشهر الأسر اليهودية الكويتية التي استقرت في الكويت، منها أسرة صالح ساسون محلب، وكان من الأثرياء المعروفين، وأسرة يعقوب بن عزرا وهو والد الفنانين صالح وداوود الكويتي، وأسرة يوسف الكويتي التي عملت في مجال المقاولات. وقد عملت هذه الأسر جميعها في المجال النفطي.

خلال القرن التاسع عشر، كان الخليج العربي مقصداً لجاليات يهودية فرّت من مناطق مجاورة بسبب سوء معاملة بعض الحكام، أو من كوارث طبيعية وقعت حيث تقيم، أو رغبة منها في تحسين أحوالها المعيشية

وُجدت أسباب عدة حفّزت اليهود على الهجرة إلى مناطق الخليج تحديداً، ولم تكن تلك المناطق ملجأً لهم فحسب، وإنما أصبحت في مرحلة تالية هدفاً لإقامة وطن قومي لليهود... فلماذا وكيف عاش اليهود في الخليج العربي؟

من جهته، لفت كيوان -نقلاً عن المستشرق الإسرائيلي البروفيسور إسحق أفيشور- إلى أربع عائلات يهودية في الكويت لم يُعرف شيئاً عن مصيرها عقب حرب الخليج الثانية.

في عمان... "أبناء سارة"

يرجع وجود اليهود في عُمان إلى ما قبل النصف الثاني من القرن الثامن عشر، حين هاجرت إلى مدينة صحار على الساحل العُماني مجموعة من يهود اليمن والهند تراوح عدد أفرادها بين تسعة وعشرة آلاف، بنوا معبداً صغيراً وسماهم العرب "أبناء سارة (نسبة إلى زوجة النبي إبراهيم)"، وفق ما روى عبد الرازق وإبراهيم.

بعد ذلك، هاجر يهود من العراق إلى عمان في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وكذلك خلال العقد الثالث من القرن التاسع عشر، بسبب الشدة التي استخدمها معهم والي بغداد داوود باشا، وتلتها هجرات أخرى عام 1830 بسبب تفشي مرض الطاعون، وعام 1831 بسبب فيضان نهر دجلة.

السلطان سعيد بن سلطان

وتعد فترة حكم السلطان سعيد بن سلطان عهد ازدهار الأقلية اليهودية في عُمان، والتي استقرت في مدن مسقط وصحار ومطرح، حيث وصل عدد أفرادها عام 1835 إلى 1400 تقريباً، ثم بدأ العدد يقل تدريجياً بسبب الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي لم تكن ملائمة للوجود اليهودي في عُمان، وهاجر كثر إلى بلاد فارس والهند حتى بات عددهم في العقد الأول من القرن العشرين في مسقط ستة أفراد، كما ذكرت الدراسة.

في الأحساء.. وظائف إدارية ومالية

ارتبط وجود الأقلية اليهودية في منطقة الأحساء خلال القرن التاسع عشر بالحملة العثمانية على الأخيرة عام 1871، بحسب عبد الرازق وإبراهيم.

وكان قد رافق العثمانيين عند احتلالهم منطقة الأحساء عددٌ من يهود العراق لتولي الوظائف الإدارية والمالية فيها، فاستقروا في منطقة الهفوف التي تُعد أكبر مدن المنطقة وأهمها اقتصادياً، كما اتخذتها السلطات العثمانية مركزاً إدارياً وعسكرياً. أما القطيف، ثانية أكبر مدن الأحساء، فلم تستقر فيها سوى أعداد قليلة من اليهود.

يهود في الأحساء

ويعد داوود بن شنطوب أشهر الشخصيات اليهودية التي استقرت في المنطقة، حيث تولى عدداً من الوظائف الرسمية المهمة، منها أمين صندوق اللواء وملتزم الاحتساب. وبعد أن أصبح شخصية بارزة، عمل على تعزيز الوجود اليهودي عبر استقدام مجموعة من يهود بغداد للعمل معه تراوح عددهم بين 30 و40 فرداً.

ومع نهاية القرن التاسع عشر، بدأت أعداد اليهود التي لم تتجاوز المئتين بالتناقص نتيجة الأوضاع الداخلية السيئة، فضلاً عن توفر فرص تجارية وسياسية وأمنية أفضل في البحرين التي هاجر إليها معظم يهود الأحساء. ولم يبق في الأخيرة، عام 1893، سوى 6 أفراد.

في البحرين.. علاقات وثيقة بالحكام

تشجعت الطائفة اليهودية على الاستقرار في البحرين، في نهاية الثمانينيات من القرن التاسع عشر، لكونها آنذاك محمية بريطانية، ووصل عدد عائلاتها أواخر عام 1948 إلى سبعين، تعدادها 422 فرداً.

ويذكر علي إبراهيم عبده وخيرية قاسمية، في كتابهما "يهود البلاد العربية"، أن أفراد الطائفة كانوا يعملون في التجارة البحرية والحِرف اليدوية، وكان بينهم عشر عائلات ذات ثروة كبيرة، وثلاث عشرة عائلة فقيرة تعيش على الصدقة، والبقية من الطبقة المتوسطة.

تهدّد وجود اليهود في البحرين مع صدور قرار تقسيم فلسطين عام 1947، إذ تحولت مسرحاً لتظاهرات عديدة هوجم خلالها بعض اليهود.

ولم توجد في البحرين مدرسة يهودية، ولكن كان فيها كنيس يتولى أحد أعضاء الطائفة إقامة الصلوات فيه.

تهدد وجود اليهود في البحرين مع صدور قرار تقسيم فلسطين عام 1947، إذ تحولت مسرحاً لتظاهرات عديدة هوجم خلالها بعض اليهود. وبحلول عام 1967، تراجع العدد إلى 150 يهودياً، وعقب حرب حزيران/ يونيو من العام نفسه هاجر إلى بريطانيا حوالي ثلاثين يهودياً.

وتعد عائلة صالح إلياهو يادكارن من أشهر الأسر اليهودية التي هاجرت إلى البحرين. وبحسب عبد الرازق وإبراهيم، كان يادكارن من أوائل الذين استوطنوا هناك قادماً من البصرة في نهاية الثمانينيات من القرن التاسع عشر.

كذلك حصل لعائلة سويري التي هاجرت من بغداد في العقد الأول من القرن العشرين، ومنها صالح سويري الذي بقي عضواً في بلدية المنامة حتى وفاته عام 1938.

عائلة إبراهيم النونو في البحرين

هناك أيضاً عائلة النونو ذات الأصول العراقية، وبرز منها عضو مجلس شورى المملكة إبراهيم النونو، وسفيرة البحرين في الولايات المتحدة الأمريكية (2008-2013) هدى النونو.

ومن عائلة خضوري، برز يوسف خضوري الذي كان عضواً في بلدية المنامة، وكان له علاقات وثيقة مع حكام البحرين والمعتمدين السياسيين والمستشارين البريطانيين في البحرين.

دولة لليهود في الخليج

لم تكن منطقة الخليج العربي ملجأً لأقليات يهودية استقرت فيها فحسب، وإنما أصبحت في مرحلة تالية هدفاً لإقامة وطن قومي لليهود.

في كتابه "الصهيونية: الغرب والمقدس والسياسة"، يروي عبدالكريم الحسني أن طبيباً يهودياً فرنسياً يُدعى إم. ل. رششتاين تقدم بمقترح للحكومة البريطانية في سبتمبر 1917 يقضي بإقامة دولة يهودية في البحرين ومنطقة الأحساء.

ولتنفيذ الفكرة، ذكر رششتاين - في رسالته التي سلمها للحكومة البريطانية عبر سفيرها في باريس فرنسيس بارتي - ضرورة تجنيد جيش قوامه ثلاثين ألف جندي من شباب اليهود الروس، وأن تقوم بتدريب هذا الجيش دول الحلفاء بريطانيا وفرنسا وروسيا، وتمده بالمستشارين والأسلحة والعتاد، وأن يكون إعداد هذا الجيش سرياً حتى أن أفراده لا يعلمون بالمهمة التي ستوكل إليهم، وتكون قاعدته في البحرين.

وبحسب الخطة، ينقضّ الجيش في الوقت المناسب على المنطقة ويمسك بها، لتكون نواة لقيام الدولة اليهودية التي يجب أن تديرها مجموعة من حاخامات اليهود.

حاول رششتاين أن يُسيّل لعاب الإنكليز لقبول المقترح، فذكر أن هذا الجيش سيكون طوع أوامرهم في قمع التمردات المحلية التي قد تحدث ضدهم، ويتصدى للهجمات التي قد تقوم بها ألمانيا وتركيا في المنطقة، ويدخل الحرب العالمية بجانب بريطانيا ضد أعدائها.

وبحسب الحسني، تطرق الطبيب اليهودي إلى تكاليف إقامة هذا الجيش، فذكر أنها ستكون ديناً على الدولة اليهودية تسدده فور إعلانها، كما يتعهد هو شخصياً ذلك.

رفضت بريطانيا المشروع بعدما أحيل إلى وزير المستعمرات البريطاني إدوين مونتاغو لدراسته، بحجة أن العرب لن يقبلوا الدولة اليهودية في هذه المنطقة، وأن ذلك سيثير متاعب لبريطانيا، خاصة أن البحرين كانت خاضعة للنفوذ البريطاني وحكامها مرتبطون بمعاهدة مع بريطانيا منذ عام 1820.

أما الأحساء، فكانت تحت سيطرة أمير نجد عبد العزيز بن سعود منذ سنة 1913، والذي تربطه ببريطانيا معاهدة تحالف (عام 1915) تحمي بمقتضاها بلاده في حال تعرضها لأي هجوم.

وبحسب الحسني، خشيت بريطانيا من وجود شركاء روس وفرنسيين لتدريب الجيش اليهودي، خوفاً من قيام منافسة استعمارية في المنطقة.

على أي حال، كما يذكر أمين عبدالله محمود في كتابه "مشاريع الاستيطان اليهودي منذ قيام الثورة الفرنسية حتى نهاية الحرب العالمية الأولى"، تهاوى المشروع نهائياً عقب صدور وعد بلفور في الثاني من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1917، إذ تسلم رششتاين رد الحكومة البريطانية المتضمن ضرورة توجيه الجهد اليهودي في هذه المرحلة نحو بناء وطن قومي لليهود في فلسطين، وليس في غيرها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard