الشريف الإدريسي... رحلة حفيد النبي من الكرة الفضية إلى كوكب بلوتو

الاثنين 23 سبتمبر 201904:00 م

لم يخطر ببال الفاطميين حين اجتاحوا مراكش عن بكرة أبيها، بهدف القضاء على مملكة الأدارسة عام 926م، أن تلك العائلة التي قضت على سد الحكم أكثر من مائة عام، سيخرج من صلبها رجل يساهم في التأسيس لعلم الجغرافيا في بلاد الإسلام، ويرسم خارطة الأرض كلها، ويسير جغرافيو العرب والعجم على نهجه، ثمّ تمر قرون وتكرّمه وكالة "ناسا" الفضائية عام 2015 بإطلاق اسمه على سلسلة جبال في كوكب "بلوتو"؛ هذا الرجل هو الرحالة والطبيب والشاعر أبو عبد الله الإدريسي.

الإدريسي... حفيد النبي وسليل دولتين عريقتين

سنة 493 هـ/1100م وُلد أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس الحمودي الحسني، المعروف بالشريف الإدريسي في سبتة بمراكش، أو بتطوان بحسب بعض الروايات. أتمّ دراسته بمدينة قرطبة، "وقد حُبِّبت إليه الأسفار منذ صغره، فبدأ أسفاره وهو في السادسة عشرة، وسافر إلى البلدان الواقعة على البحر الأبيض المتوسط، وتغلغل في شمال إفريقيا، ودرس خصائص أهل هذه البلاد وعوائدهم، وإضافة إلى ذلك سافر إلى سواحل فرنسا في المحيط الأطلانطي، وإلى سواحل إنكلترا"، حسبما ذكر المستشرق الألماني كونراد ميلر، في موسوعته الأطلسية الصادرة عام 1929م.

وكثيرًا ما يُضاف إلى الإدريسي لقب الهاشمي، كونه يرجع نسبه إلى الحسن بن علي بن أبي طالب، ومن هذا النسل خرجت عائلتان لهما بالغ الأثر في مراكش والأندلس، فجدّه الأعلى إدريس الأول، هو الذي فرّ من قبضة العباسيين بعد اشتراكه في ثورة العلويين على ولاية موسى الهادي، واستقرّ به الحال في المغرب، وهناك أسس مملكة الأدارسة، التي حكمت مراكش 135 عامًا، قبل أن ينتزع ملكهم الفاطميون عام 926م، وفقًا لقول الأستاذ محمد عبد الله ماضي، في مقاله بمجلة "الرسالة" المصرية، المنشور في سبتمبر من عام 1934.

أما جدّه السادس، فهو حمود بن ميمون، مؤسس الدولة الحمودية في جنوبي الأندلس عام 407 هـ، بحسب رواية ابن خلدون.

"نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" على يد الملك النورماندي

ستة عشر عامًا قضاها الإدريسي بين قرطبة التي أخذ منها العلوم، وسبتة التي ولد بها ونشأ بين أقرانه، فقد مكنه وجوده بالأولى من الطواف في بلاد الأندلس، والثانية جعلها نقطة انطلاق للكثير من جولاته في بلاد المغرب، ومن كلتا المدينيتن تجوّل في شبه الجزيرة الأيبيرية، وزار سواحل فرنسا وإنكلترا، واتجه غربًا إلى جزر الكناري، وجزيرة ماديرا، ثم ولّى وجهه نحو الجنوب والشرق، مُرتحلًا إلى الشمال الإفريقي حتى مصر، وأتبعها ببلاد الشام، ووصل إلى آسيا الصغرى، وزار القسطنطينية عاصمة البيزنطيين، وكذلك اليونان.

طلب روجر الثاني من الإدريسي أن يضع له كتابًا في الجغرافيا، فكان المؤلف الأشهر له "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"، الذي كان شرحًا لسبعين خريطة وضعها مُفصِّلة لسبعة أقاليم، بواقع عشر خرائط لكل إقليم

وخلال رحلاته زارصقلية مرتين، وفي الثانية التقى بملكها النورماندي روجر الثاني، الذي علم بخبرته وولعه وحبّه للتجوال، فأقنعه بالإقامة بمملكته، والالتحاق ببلاطه في باليرمو؛ لكن هناك من يرى، أن لقاءهما لم يكن إلا مجرد صدفة، وتُجمِع الروايات على العلاقة الوطيدة بين الملك والعالم الجغرافي، وعلى إثرها طلب روجر الثاني من الإدريسي أن يضع له كتابًا في الجغرافيا، فكان المؤلف الأشهر له "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"، الذي كان شرحًا لسبعين خريطة وضعها مُفصِّلة لسبعة أقاليم، بواقع عشر خرائط لكل إقليم.

ويروي الإدريسي لحظة طلب فيها روجر منه رسم صورة خريطة للأرض، قائلًا: "أحبّ أن يعرف كيفيات بلاده حقيقة، ويقتلها يقينًا وخبرة، ويعلم حدودها ومسالكها برًا وبحرًا (...) وما لكل إقليم منها من قسم بلاد يحتوي عليه، ويرجع إليه، ويعد منه بطلب ما في الكتب المؤلفة في هذا الفنّ من علم ذلك كلّه، مثل كتاب العجائب للمسعودي، وكتاب أبي نصر سعيد الجيهاني، وكتاب أبي القاسم عبيد الله بن خرداذبة، وكتاب خاناخ بن خاقان الكيميائي، وكتاب موسى بن قاسم القردي، وكتاب أحمد بن يعقوب المعروف باليعقوبي، وكتاب إسحق بن الحسن المنجم، وكتاب قدامة البصري، وكتاب بطليموس الأقلودي، وكتاب أرسيوس الأنطاكي".

العالَم بأنهاره وبحاره على كرة من الفضة

حين كُلف الإدريسي بالمهمّة، اطلّع على كل ما سبق من كتب الأقدمين، وعمل على كتابه ثمانية عشر عامًا كاملة، أو خمسة عشر عامًا بحسب بعض الروايات، وفّر له الملك النورماني بصقلية كافةَ التسهيلات المادية والعلمية لاستكمال الأبحاث والبيانات متمثلة في جلب الكتب وتمويل البعثات الكشفية إلى المناطق المختلفة لجمع المادة العلمية، ووضع الرسومات تحت إشرافه.

ويقول محمد عبد الله ماضي: "بعد أكثر من خمس عشر سنة قضاها بلا انقطاع في هذا العمل الخطير والبحث الشاقّ، استقرّ الرأي على تقييد ما وصلوا إليه ــ يقصد الجغرافيين السابقين ـ ورسمه في خريطة عالمية كاملة، تبيّن فيها مواقع البلدان والبحار والأنهار والجبال إلى غير ذلك".

وبعدها أراد روجر الثاني أن تُحفر هذه الخريطة على لوح من الفضة، فأحضر الصنّاع المَهَرَة لإعداد ذلك اللّوح تحت إشراف الإدريسي، وقدّر لذلك أربعمائة ألف درهم من الفضة، بحسب رواية صلاح الدين خليل الصفدي في كتابه "الوافي بالوفيات"، والذي قال فيه، إن الشريف الإدريسي، اتخذ من ثلث ذلك المقدار مائدة مستطيلة يبلغ طولها ثلاثة أمتار ونصف متر وارتفاعها مترًا ونصف متر، ثمّ حفر الصنّاعُ الخريطة عليها، وفرغوا من ذلك في يناير عام 1154م.

بعد فتور خيّم على الجغرافيا في المشرق في أواخر القرن الخامس وأوائل القرن السادس الهجري، برزت جغرافيا الإدريسي في منتصف القرن السادس الهجري، وهي تعدّ نقطة تحول في النشاط الجغرافي والكارتوغرافي في العالم

وبعد أربعة أعوام فقط، فُقدت الكرة الفضية في زمن الملك غاليالم الأول، الذي خلف روجر الثاني، على إثر ثورة نشبت في البلد.

الإدريسي جغرافي مُتوّج على قلوب الباحثين

يحظى الإدريسي ومُنتَجه ــ الذي يميل أغلب الباحثين إلى تسميته بالأطلس ــ بحفاوة بالغة من كلّ متناوليه، فيقول عنه الباحث العراقي أحمد سوسة في كتابه "الشريف الإدريسي في الجغرافية العربية" الصادر في سبعينيات القرن الماضي: "بعد فتور خيّم على الجغرافيا في المشرق في أواخر القرن الخامس وأوائل القرن السادس الهجري، برزت جغرافيا الإدريسي في منتصف القرن السادس الهجري، وهي تعدّ نقطة تحول في النشاط الجغرافي والكارتوغرافي في العالم".

وارتكزت منهجية الإدريسي في خرائطه على أربعة أسس، هي: القراءة في كتب السابقين، مثل بطليموس، والمشاهدة الشخصية من خلال جولاته، ومقابلات الرحالة والتجار الذين يرسون على سواحل صقلية، وأخيرًا البعثات الاستكشافية

ويُضيف سوسة: "انتقلت حركة الدراسات الجغرافية والكارتوغرافية من المشرق العربي إلى المغرب العربي على ساحل البحر المتوسط، ذلك ما جعل بعض الباحثين يطلقون على فترة الانتقال هذه بـ(عصر الإدريسي) باعتباره يمثل جغرافيي المغرب"، مشيرًا إلى أنه: "طوّر أطلس الإسلام إلى أطلس العالم، فهو أوّل جغرافي عربيّ يسمو إلى مفهوم عالمي للعلم الجغرافي، إذ جمع معلومات جغرافية مهمة عن مناطق أوروبا المسيحية".

وارتكزت منهجية الإدريسي في خرائطه على أربعة أسس، وفقًا لما أورده الدكتور أحمد بن محمد الشبعان، الباحث في جامعة القصيم، وهي: القراءة في كتب السابقين، مثل بطليموس، والمشاهدة الشخصية من خلال جولاته، ومقابلات الرحالة والتجار الذين يرسون على سواحل صقلية، وأخيرًا البعثات الاستكشافية.

الحديث عن دقّة خرائط الإدريسي لم يغفله ويل ديورانت في كتابه "قصة الحضارة"، عندما وصفها قائلًا: "كانت هذه الخرائط أعظم ما أنتجه علم رسم الخرائط في العصور الوسطى. لم تُرسم قبلها خرائط أتمّ منها، أو أدقّ، أو أوسع وأعظم تفصيلًا. وكان الإدريسي يجزم كما تجزم الكثرة الغالبة من علماء المسلمين بكرويَّة الأرض، ويرى أن هذه حقيقة مُسلَّم بصحتها".

ولعلّ أبرز ما خلَّفه الإدريسي هو اهتمامه بالجغرافيا كعلم قائم بذاته، وتنزيهه عن حكايات غيره من الرحالة التي تميل إلى الأدب وبعض الأساطير، فيقول الدكتور حسين مؤنس في كتابه "تاريخ الجغرافيا والجغرافيين في الأندلس": "والإدريسي هنا جغرافي موضوعي يذكر الحقائق كما تَصوّرها واضحة مجردة ويضعها في أسلوب بسيط منطقي لا تكلُّف فيه ولا تظاهر بالعلم".

الإدريسي شاعرًا وطبيبًا

إسهامات الشريف الإدريسي في مجال الجغرافيا عَنِيَ بها المستشرقون والباحثون في ذلك العلم؛ لكن كُتّاب السيَر في العالم الإسلامي على كثرتهم أغفلوا ذكر مآثره في علوم آخرى كالطبّ والنبات، ففي الأول ألّف كتاب "الأدوية المُفرَدة"، وفي الثاني وضع كتاب "الجامع لصفات أشتات النبات".

ولعل ذلك الإغفال يعود إلى العصر الحَرِج الذي عاش به الإدريسي، فالرّجلُ قضى أكثرَ من عِقد من الزمان في كنَف روجر الثاني في باليرمو، وهي الفترة التي شهدت صراعًا بين العالمين الإسلامي والمسيحي على خلفية ما عُرف بالحروب الصليبية.

تلك الاضطرابات ألقت بظلالها على نهاية الشريف الإدريسي، حيث يرى عدد من المؤرخين أنه لقي حتفه إبان المذابح التي تعرض لها المسلمون في صقلية، في حين يرى آخرون أنه عاد إلى سبتة ومات فيها بين عامي 560 هـ و561 هـ على اختلاف الروايات، وذلك بعد أن أهدى كتابه الثاني "روض الأنس ونزهة النفس" لويليام الأول، الذي خلف أباه روجر الثاني في حكم صقلية.

أما في الشعر فيروي الصفدي بعض الأبيات للإدريسي، منها: "دعني أجل ما بَدَت لي/ سفينة أو مطية/ لا بد يقطع سفري/ أمنية أو مَنية"، و"ليت شعري أين قبري/ ضاع في الغربة عمري".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard