الخوف من الحماسة الزائدة والشعارات الحالمة

السبت 21 سبتمبر 201904:23 م


ألهب مشهد التظاهرات الصغيرة التي خرجت في أماكن متفرّقة من مصر، ليل 20 أيلول/ سبتمبر، حماسة كثيرين. المشهد ضبابي على أصعد كثيرة ومن غير المعلوم ماذا ستحمل لنا الأيام القادمة، ولكن المؤكد أن أيّة تظاهرات جديدة ستلهب حماسة الكثيرين مجدداً، وإذا زاد عدد المتظاهرين سيخرج إلى النور أصحاب نظرية شعلة الربيع التي لا تنطفئ.

المتحمسون بلا حدود لا يسألون ما الذي يجري وما الخطوات القادمة التي يجب اتخاذها. صاروا يكتفون ببناء "النظريات" على مجرد رؤية متظاهرين في الشوارع، وكأنه يمكن عزل هذه المشهدية عن عوامل كثيرة محيطة بها. وهذا من إرث الربيع العربي الذي بدأت تحركاته بدون مقدمات، وألهبت حماسة كل التواقين إلى التغيير مباشرة عبر مشهد الشوارع. لا قبل، لا بعد، فقط ميادين.

أفضى الربيع العربي إلى ما أفضى إليه. يُفترض أن يكون درسنا الأول منه الاقتصاد في الحماسة وعدم الإفراط فيها. ولكن لا يبدو أننا تعلمنا الدرس. وهنالك أسباب لذلك دون ريب على رأسها تسلّط الأنظمة وتضييقها على الحركات السياسية إلى درجة خنقها، و"الغريق يتعلّق بقشة"، كما يقال. أجل. أمام هكذا واقع يمكن تفهم رومانسية المتحمسين ونواياهم الخيّرة ولكن ينبغي القول لهم إن تسرعهم بات مؤذياً.

لنعد إلى الواقع. الفقر وصل إلى نسب قد تكون غير مسبوقة، أو على الأقل صار يؤثر سلباً على حياة الناس بطريقة غير مسبوقة بسبب التحولات التي طرأت على أنماط عيشهم. نسب البطالة عالية جداً. الحريات التي نتمتع بها في مستويات متدنية جداً. ويصل الأمر في دول عربية كثيرة إلى أن مجرد الكلام للتنفيس عن الغضب ممنوع والخروج في تظاهرة اعتراضية محرّم. هذا هو حال المصريين.

ليس مطلوباً أكثر من ذلك، كظروف، لخروج الشعوب في ثورات تطيح برجالات الحكم. ولكن تجربة عدم تحقيق ثورات الربيع العربي نتائج ملموسة لا بل لمْس الناس لسلبيات نجمت عن المتغيرات التي حصلت في السنوات الثماني الماضية سحبت طاقتهم، وحوّلتهم إلى كائنات مؤمنة بالقضاء والقدر في ما خص أوضاع بلادهم السياسية وغير السياسية. "حزب الكنبة" صار الحزب الأول في مصر واستقطب معظم ثوار يناير.

ليس سهلاً أن تملأ شخصاً بالطاقة ثم تسحبها منه. لهذا بالضبط يجب الاقتصاد في الحماسة، كي لا يتكرر شحن الشعوب بالأحلام ثم سرقتها منهم، وهذا أسلوب باتت تعرفه الأنظمة لا بل تديره. أي فشل يعني سُباتاً لسنوات.

لنعد إلى المشهد المصري. أمور كثيرة يجب أن تتغيّر. الشعب المصري يستحق أكثر بكثير مما يحصل عليه. المناخ السياسي خانق بشكل مرعب منذ عام 2013. ولكن لماذا يجب أن يتظاهر المصريون؟

للاعتراض؟ هذا لا يكفي، إذا كان منطلق الحكم هو الرغبة في التغيير. على الشعب أن يريد، أن يريد أموراً واضحة على الأقل في الخطوط العريضة وعليه أن يساهم في خلق كيانات قادرة على حمل رغباته وتنفيذها أو التفاوض عليها في اللحظة المناسبة.

المؤكد اليوم أن هناك صراع أجنحة بين السلطة التي حكمت مصر بين عامي 2013 و2019، وأن هناك طرفاً يمتعض من تهميشه لصالح الطرف الآخر، ويعمل على توجيه ضربات له تحت الحزام متوسلاً أسلوب نشر الفضائح (يختلط فيها الحقيقي بالمفبرك أو سيختلط قريباً على أقل تقدير). هذه هي خلفية ما يحدث في مصر، أما تظاهرات ليل 20 أيلول/ سبتمبر فهي، على الأقل حتى الآن، على هامش المشهد.

كثيرون يجهلون ذلك أو يتجاهلونه. أماني الربيع العربي المطاطية والهلامية أثبتت أن الشعارات الكبيرة والنوايا الطيبة وحدها لا تكفي للتغيير. في لحظة ما، سيكون الجميع أمام استحقاق الجلوس حول طاولة مستديرة. هذه اللحظة تتطلب أن يوكل الشعب لجهات محددة تمثيله هناك. لا؟ لنعد إلى عام 2011 في مصر ونرى ماذا حصل. لننظر إلى الجزائر الذي لم تنضب طاقة متظاهريه منذ أشهر طويلة دون أن يستطيعوا تحقيق أي شيء لأن لا أحد يمتلك صفة التفاوض باسم المتظاهرين.

ليس سهلاً أن تملأ شخصاً بالطاقة ثم تسحبها منه. لهذا بالضبط يجب الاقتصاد في الحماسة، كي لا يتكرر شحن الشعوب بالأحلام ثم سرقتها منهم، وهذا أسلوب باتت تعرفه الأنظمة لا بل تديره. أي فشل يعني سُباتاً لسنوات
المتحمسون بلا حدود لا يسألون ما الذي يجري وما الخطوات القادمة التي يجب اتخاذها. صاروا يكتفون ببناء "النظريات" على مجرد رؤية متظاهرين في الشوارع، وكأنه يمكن عزل هذه المشهدية عن عوامل كثيرة محيطة بها

يقول كثيرون: ليحصل ما يحصل. أي شيء يمكن أن يأتي أفضل من الوضع الحالي. وقد يكون هذا الكلام صحيحاً، ولكن على الأقل، يجب ضبط الحماسة وفق هذا التصوّر دون إمناء النفس بانتظار ما لن يتحقق.

يقول بعض المصريين: إذا حصل تغيير في معادلة السلطة قد نستطيع استنساخ التجربة السودانية. لا. أبداً. السودانيون وقفت وراء تظاهراتهم جهات منظمة ومحضوا ثقتهم لتنظيمات لها هوية وتمتلك رؤية واضحة لما تريده وليست وهمية بل تتكوّن من أشخاص حقيقيين لا فقاعات "سوشال ميديا". هذا التنظيم وقف بعناد أمام العسكر وتحدّاهم وهددهم ثم تفاوض معهم وقبل بتسوية. مَن سيفاوض عن الناس في مصر؟ صفحة فيديوهات على يوتيوب؟

مغرية المناخات التي تسود على وسائل التواصل الاجتماعي ولكنها حتى اللحظة أثبتت أنه لا يمكن الركون إليها. يمكن استخدامها كأداة تواصل وتأثير حديثة، وهي أفضل بكثير من منشورات العقود الماضية، ولكن أكثر من ذلك لا.

يجب إعادة الاعتبار إلى الأدوات الكلاسيكية في العمل السياسي. يجب إعادة الاعتبار إلى بناء التنظيمات، أحزاباً وروابط ونقابات... ويجب إعادة الاعتبار إلى مفهوم النقاش السياسي الذي يفضي إلى مطالب واضحة يمكن تطبيقها أو التفاوض عليها في لحظة ما.

بدون كل ذلك، سنبقى أمام ثنائية الجيش والإسلاميين، الكيانان الوحيدان المنظّمان في منطقتنا العربية، أو سنحلم بانقلاب يقوده رجل فاضل متعفف عن السلطة ويريد إعادتها للشعب، وهذا يصلح لكتابة رواية أحداثها خيالية لا لعالم السياسة الواقعي.

الواقع صعب والعمل فيه صعب، ولكن الطرق السهلة والرهانات المستعجلة لا تصنع إلا الخيبات.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard