التفتيش الذاتي للسجينات المصريات... تحرّش وتركيبة قاتلة من أدوات قهر النساء

الثلاثاء 15 أكتوبر 201904:16 م
Read in English

"قاومت بكل ما أوتيت من قوة، لكن الإصرار على انتهاك جسدي ونفسي كان أكبر من قدرتي على المقاومة. وقفت عاجزة تماماً. تركتُ يدَها تعبث بجسدي دون أن أدري لماذا تتم إهانتي كل هذه الإهانة".

بهذه الكلمات، تبدأ ن. ص.، الطالبة في معهد خدمة اجتماعية والمسجونة في قضية آداب في سجن القناطر عام 2017، حديثها عن التفتيش الذاتي في السجن.

تروي أن الفتيش الذاتي يبدأ في إحدى الغرف عند مدخل السجن، حيث تطلب السجانات من أعضاء "الترحيلة"، أي من مجموعة السيدات اللواتي توجهن إلى النيابة أو المحكمة أو خرجوا من السجن لإتمام إجراءات قانونية وعادوا، خلع ملابسهن والوقوف عاريات كما ولدتهنّ أمهاتهنّ، و"يطلبن منّا أن نجلس القرفصاء، صعوداً وهبوطاً، للتأكد من أننا لا نحمل أية ممنوعات داخل أجسادنا. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إنهنّ في أغلب الأحيان لا يقتنعن بتلك الإجراءات، فيتحسسون أجسادنا كأننا نحمل ممنوعات تحت الجلد، لتعبث يد السجانة بالأثداء والمهبل وفتحة الشرج".

وتضيف ن. ص. أن الأمر لا يتوقف عند السجانات، و"ما يزيد الطين بلة أن كل ذلك يحدث أمام حراس السجن من الرجال، وفي غرفة مفتوحة الأبواب والشبابيك، وفي الكثير من الأحيان تلجأ السجانات إلى الاستعانة بالحراس من الذكور لنزع ملابسنا إذا رفضت إحدانا تلك الإهانة المتكررة".

تحاول الشابة المصرية تفسير التفتيش الذاتي، وتقول إن الهدف الأساسي منه هو 'كسر عين’ السجينة الجديدة، حتى لا تفكر أي منهن في الاعتراض على الأوضاع التي نعاني منها، سواء التكدّس في عنبر واحد، أو منع الخروج من العنابر والتريّض، أو سوء الطعام، أو عدم توفير متطلباتنا الشخصية مثل الفوط الصحية في فترة الحيض، والتي نضطر إلى شرائها بأسعار مبالغ فيها من ‘كانتين’ السجن، أو الاستعاضة عنها بقطعة من القماش، ما يعرّضنا لالتهابات فطرية ومهبلية، والعدوى بين السجينات بسبب ذلك لا تنتهي".

وكانت لائحة السجون رقم 79 والتي صدرت في ديسمبر 1961، في المادة 24 منها، قد أقرّت "أن طبيب السجن مسؤول عن الإجراءات الصحية التي تكفل سلامة صحة المسجونين، وعلى الأخص وقايتهم من الأمراض الوبائية".

حامل ولدت في العنبر و...

تتحدث المحامية والناشطة السياسية التي قضت فترات عقوبة بسبب مشاركتها في تظاهرات، سنة 2014 ثم سنة 2017، ماهينور المصري لرصيف22 عمّا تعانيه المعتقلات السياسات في السجن من جراء التفتيش الذاتي، وتؤكد أن الأمر مهما كان صعباً ومرعباً بالنسبة إلى النشطاء السياسيين، فإنه لا يمثل شيئاً مقارنة بما يحدث مع السجينات بتهم جنائية.

وتقول إن أصعب اللحظات التي تتعرض لها السجينات هي لحظة ترحيلهنّ من القسم إلى السجن، حيث "يتعرّضن لتفتيش مهبلي مهين، بالإضافة إلى فحص كشف عذرية واختبار حمل يجريان في ظل ظروف غاية في السوء".

وتشير إلى أن الأمر يختلف من سجينة إلى أخرى "وفقاً لرغبة إدارة السجن في تكدير عيش السجينة، وقوة الضغط الذي تمارسه القوى السياسية تضامناً مع المعتقلة".

وتشرح المصري طبيعة إجراءات التفتيش الذاتي في سجن دمنهور في محافظة البحيرة، وتقول إن هناك غرفة على باب السجن مخصصة لذلك، ويتم الإبقاء على "الترحيلة" الجديدة داخل تلك الغرفة يوماً كاملاً، "بحيث تتبول السجنية وتتبرز أمام السجانة، ثم يطلب منها أن تعبث ببرازها، للتأكد من أنها لم تبتلع أية ممنوعات".

"قاومت بكل ما أوتيت من قوة، لكن الإصرار على انتهاك جسدي ونفسي كان أكبر من قدرتي على المقاومة. وقفت عاجزة. تركتُ يد السجانة تعبث بجسدي دون أن أدري لماذا تتم إهانتي هكذا"... تفتيش لـ"كسر عين" السجينات في السجون المصرية
"ظلت تتحسس جسدي ثم قامت بقرصي في منطقة المهبل وابتسمت، فكرت في أن أعترض أو أقدم شكوى، إلا أنني تذكرت أن صديقتي بين أيديهم وقد يضرها ذلك فصمتت"... إجراءات مهينة للنساء في السجون المصرية

نفس الأمر يتكرر في سجن القناطر، وبصورة أسوأ، "لأسباب غير معلومة"، تضيف المصري، فهناك يكون التحرش بالسجينات أكثر من السجون الأخرى، وتتعرض السجينات للتعذيب لليلة كاملة، وتطلب منهن السجانات أن يظلوا في وضع القرفصة، ويقفن ويجلسن على ذات الوضع، ويبتن ليلتهن في غرفة التفتيش، للتأكد من أنهن لا يحملن أية ممنوعات.

وتلفت المصري إلى أن تلك الممارسات لا تختلف كثيراً عن الانتهاكات الأخرى التي تتعرض لها النساء في السجون، حيث غياب الرعاية الصحية، والتكدس في زنزانة واحدة، ومنع دخول الفوط الصحية، إضافة إلى عدم مراعاة الحوامل والمرضعات، بالمخالفة الواضحة لقانون السجون، الذي نص في المادة 19 منه على "أن تعامل المسجونة الحامل معاملة طبية خاصة، من حيث الغذاء والتشغيل والنوم منذ ثبوت حملها بتقرير طبي، وإلى أن تضع مولودها ويمضي أربعون يوماً على الوضع".

كما قررت نفس المادة وجوب أن يبذل للأم وطفلها الغذاء الملائم والملبس المناسب والراحة، و"لا يجوز حرمان المسجونة الحامل أو الأم من الغذاء المقرر لها لأي سبب كان".

إلا أن ما يحدث هو عكس ذلك تماماً، بحسب المصري، "فقد تعرّضت إحدى السجينات لخطر شديد وهي حامل في شهرها الأخير، وجاءها مخاض الولادة ليلاً، فظللنا نصرخ لننقلها إلى المستشفى، ولم يستجب لنا أحد لمدة طويلة، وبعد أن حضر الحراس، اكتفشنا أن مفاتيح العنبر ليست معهم، وذهبوا ليأتوا بالمفتاح، فولدت السيدة في العنبر في مشهد مرعب عرّضها للخطر هي وطفلها، دون أي اهتمام من إدارة سجن القناطر".

"التركيبة القاتلة" والفحص الشرجي

"ما زلت أعاني من نزيف شرجي إلى الآن بسبب التفتيش الذاتي". هكذا بدأت أ. ي. حديثها لرصيف22، وأضافت: "اعتُقلت بسبب نشاط سياسي منذ عام، وفور القبض علي تم وضعي في أحد الأقسام في وسط القاهرة. عانيت في القسم مرّ المعاناة، إذ تم الاعتداء البدني عليّ بالضرب والشتائم، بأمر من رئيس المباحث، من قِبل ‘الجنائيات’ (السجينات بتهم جنائية) المتواجدات في الحجز، وعندما كتبت عنّي الصحافة وعن أوضاعي المتدهورة في الحجز، قرر ذات الشخص معاقبتي بالتفتيش الذاتي، فطلب من مسجونة على ذمة قضية سرقة أن تنزع عني ملابسي أمام غرفة الحجز، وأن تبقيني ليلة كاملة بملابسي الداخلية".

تشير أ. ي. إلى أنها كانت تتعرض لخطر شديد بسبب إصرار إدارة السجن على أن تشرب "التركيبة"، وهي عبارة عن سائل مكوّن من الماء والسكّر والصابون واللبن والزيت، يتم إجبار المساجين على شربه حتى يفرغوا ما في معدتهم، للتأكد من أنهم لم يبتعلوا أيّة ممنوعات، ويسبب لهم أمراضاً معوية.

وتؤكد أن ممارسات السجانات تحدث تحت سمع وبصر مأمور السجن ورئيس المباحث، و"هي ممارسات ليس الهدف منها التفتيش، بل الإهانة"، مدللة على ذلك بما تعرّضت له في سجن القناطر، حين أصرت سجانة على نزع ملابسها، وسألتها عن عذريتها، فأجابتها بأنها عذراء، فأمسكت صدرها متهكمة قائلة "اقطع دراعي. دا جسم مرا جامدة كمان".

أوضحت أ. ي. أن السجانة أصرت على إجراء كشف عذرية لها من خلال طبيب السجن، وبعدما أنهته وأرسل الطبيب التقرير بأنها عذراء، أصرت السجانة على إجراء فحص شرجي، وقوامه أن ترتدي السجانة قفازات وتقوم بإدخال إصبعها في فتحة شرج السجينة لتبحث عن أية ممنوعات مخبأة في المنطقة، وتصفه "أ" بأنه "كان أشبه باغتصاب مميت، وما زلت أعاني من آثاره حتى الآن".

تحرّش حتى الانهيار

تروي المحامية مروة حكيم لرصيف22 ما تعرّضت له الناشطة السياسية وعضو حزب العيش والحرية عبير الصفتي، المتهمة في القضية المعروفة إعلامياً بقضية الاستفتاء، وبالانضمام إلى جماعة تأسست على خلاف القانون، من تفتيش ذاتي وتحرش أثناء ترحيلها قبل فترة من النيابة إلى سجن القناطر.

تقول: بتاريخ 23 حزيران/ يونيو تم ترحيل عبير الصفتي، وتم تفتيشها بخلع ملابسها الخارجية لتبقي "بالأندر والبرا"، وتم التفتيش من الخارج، إلا أنها فوجئت بطلب السجانة منها خلع ملابسها الداخلية. رفضت وأبلغتها بأنه وفقاً لكود السجون، لا مواصفات محددة للملابس الداخلية يجب أن تلتزم بها المسجونة، فاستجابت لها السجانة في البداية، ولكن بعد قليل عادت لتصر على أن تخلع ملابسها الداخلية بالكامل، وعندما رفضت نزعت عنها السجانة ملابسها بالقوة، وعبثت بجسدها، وتحرشت بها ومدّت يدها على صدرها ومهبلها، وظلت تتحرش بها حتى انهارت عبير الصفتي تماماً أمامها.

توضح حكيم أن محامي عبير الصفتي رمضان محمد ومجموعة من المحامين حاولوا إثبات الواقعة أمام النيابة، إلا أن الأخيرة رفضت، وقالت إن الأمر ليس من اختصاصها، فتقدم المحامي ببلاغ إلى النائب العام الذي لم يتحرك حتى الآن.

سجانات يتحرشن بالزائرات

لا يتوقف الأمر عند المسجونات في السجون المصرية، بل يمتد ليصل إلى التحرش بالنساء الزائرات لذويهنّ.

هذا ما تقوله إلهام عيداروس، وكيلة مؤسسي حزب العيش والحرية، أحد الأحزاب المدنية في مصر، وتضيف لرصيف22: ما يحدث في السجون من انتهاكات أصبح أمراً مرعباً، وتتساءل: إذا كانت الزائرات للسجون يتعرّضن للتحرش من السجانات، فماذا يحدث للمسجونات؟

تروي عيداروس ما حدث لها من مفتشة في سجن القناطر، أثناء توجهها لزيارة إحدى صديقاتها المعتقلة سياسياً، وتقول: "ظلت تتحسس جسدي ثم قامت بقرصي في منطقة المهبل وابتسمت، فكرت في أن أعترض أو أقدم شكوى، إلا أنني تذكرت أن صديقتي بين أيديهم وقد يضرها ذلك فصمتت".

من جانبها، تؤكد المحامية عزيزة الطويل لرصيف22 أن النساء في السجون المصرية يعانين من أسوأ أشكال المعاملة، سواء من حيث التفتيش أو الحقوق والواجبات التي أقرها الدستور والقانون المصريين.

تشير إلى أنه بالرغم من وجود إمكانيات في السجون يمكن استخدامها في التفتيش مثل السونار والأشعة المقطعية وغيرها من الأدوات، إلا أن هناك إصراراً على استخدام الطرق البدائية غير القانونية والتي من شأنها أن تحوّل إجراءات التفتيش إلى إجراءات تهدف بصورة أساسية إلى إيذاء السجينة نفسياً وجسدياً.

وتوضح الطويل أن إجراءات كشوف العذرية والتفتيش الذاتي والعبث بالأعضاء التناسلية للمسجونات مخالف لكافة الدساتير والقوانين المتعاقبة التي أكدت على صون كرامة مَن تُقيَّد حريته، فلا يجوز إيذاؤه بدنياً أو معنوياً، ولا يجوز حجزه أو حبسه إلا في أماكن مخصصة لذلك ولائقة إنسانياً وصحياً، كما أخضعت أماكن الاحتجاز والسجون للإشراف القضائي، وحظرت كل ما ينافي كرامة الإنسان، أو يعرّض صحته للخطر، وأيضاً جرّم الدستور الحالي التعدي على جسد الإنسان باعتباره حرمة، وأقر بأن الحقوق والحريات لصيقة بشخص المواطن ولا تقبل تعطيلاً ولا انتقاصاً ولا يجوز تقييدها بقانون.

كما أوجبت المذكرة الإيضاحية رقم 79 لسنة 1961 احترام شخصية المحكوم عليه، والبعد به عن المذلة.

واعتبرت الطويل أن فحص أجساد المسجونات وكشف أماكن عوراتهنّ يُعَدّ جريمة وفقاً للمادة 268 من قانون العقوبات التي نصت على أن "كل مَن هتك عرض إنسان بالقوة أو بالتهديد أو شرع في ذلك يعاقَب بالسجن المشدد".

وشددت الطويل على أن السجون تُجري كشوف عذرية للسجينات، بالرغم من أن محكمة مجلس الدولة أصدرت حكماً نهائياً باتاً عام 2011 يجرّم كشوف العذرية في السجون بسبب مخالفتها للقانون والدستور.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard