شتاء السيسي الساخن... تفسيران مقلقان لفيديوهات محمد علي

الأربعاء 18 سبتمبر 201905:33 م

إنجاز الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الأكبر الذي لطالما تفاخر بتحقيقه هو نجاحه في إعادة الهدوء والاستقرار إلى الشارع المصري. لكن فجأة، بدا وكأن هذا الإنجاز مهدد بفعل موجة "فيديوهات" هبّت رياحها عليه من صفحات التواصل الاجتماعي في الأسبوعين الماضيين.

دفعت هذه الموجة السيسي للظهور والدفاع بنفسه عن سمعته في مؤتمر الشباب الثامن، متجاهلاً تحذيرات الأجهزة الأمنية التي "باست إيده عشان ما يتكلمش"، على حد تعبيره.

فجأة، وبدون مقدمات، طفا على السطح اسم "محمد علي" الذي قدّم نفسه كفنان ومقاول عمل مع الجيش لسنوات، وتربّح من هذه العلاقة، ولكنه اليوم ينقلب على شركاء البارحة، ويوجّه اتهامات للمؤسسة العسكرية والرئيس شخصياً بالفساد، بعد أن نُصبت عليه ملايين الجنيهات، على حد زعمه.

محمد علي المجهول تماماً كمقاول للجميع، يعترف ضمنياً بمشاركته في الفساد، ولم يقدّم معلومات جديدة تذكر. فقط تحدث بعفوية وشعبوية عمّا يتداوله الناس همساً في البيوت والمقاهي، مركزاً هجومه على الطعن في ذمة الرئيس وأفراد أسرتة، فضلاً عن حديثه عن الجيش كمؤسسة فساد مستتر.

ورغم أن هذة المعطيات لا تصب بشكل عام في صالحه، بل ويُفترض أنها لا تجعل منه شخصاً ذا حيثية أو مصداقية، إلا أن ما حدث هو العكس تماماً: تحوّل الرجل المغمور بقدرة قادر بين عشية وضحاها إلى نجم أوّل واحتلت فيديوهاته الصدارة بلا منازع، بشكل مثير للتساؤلات.

فيديوهات محمد علي كان من الممكن أن تأخذ وقتها ثم تختفي، كترندات كثيرة سبقتها ولم تمكث طويلاً في العالم الافتراضي، وكان يمكن تفسير انتشارها المرحلي بألف تفسير أولها رغبة الناس في التنفيس عن كبتها في ظل قبضة أمنية محكمة، وآخرها نسبتها إلى كتائب لـ"أهل الشر" ولجانها الحاقدة على مصر وشعبها ونجاحات قائدها.

تفسيران للفيديوهات

لكن تعامل النظام مع فيديوهات محمد علي واشتباكه معها على أعلى المستويات إلى درجة أن رأس الدولة شخصياً علّق عليها، يضعنا أمام تفسيرين لا ثالث لهما:

التفسير الأول هو أن ظهور المقاول محمد علي ومن بعده الكاتب مسعد أبو فجر (عضو لجنة كتابة الدستور الذي أصدر فيديو هو الآخر وجّه فيه اتهامات شديدة الخطورة للرئيس ونجله والجيش بخصوص سيناء) ليس عشوائياً تماماً، أو ربما بدأ عشوائياً ثم تلقفه مَن قرر استغلاله وتوجيهه، لـ"تكسير" صورة الرئيس، في إطار صراع مكتوم بين أجنحة داخل مؤسسات القوة في الدولة وسعي بعض أطرافها إلى إضعاف قبضة الرئيس عليهم وإجباره على تقديم تنازلات أو عقد تسويات ما معهم، أو ربما الإطاحة به إنْ استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.

والتفسير الثاني هو أن الموضوع برمته عشوائي، وأن محمد علي لا يعدو كونه شخصاً مهووساً بالنجوميه، راقت فيدوهاته لمزاج شعبي محتقن فانتشرت. وهنا يصبح تحرّك الدولة للتعامل معه بكل قوه وحزم، وشحنها لمثقفيها وإعلامييها للرد عليه، بل وإلقاء القبض على بعض النشطاء السياسيين ممَّن اعتادوا التظاهر مثل كمال خليل، محض عبث ولا يعدو كونه محاربة لطواحين الهواء.

والحقيقة أن التفسيرين الماثلين أمامنا مقلقان، بمعنى من المعاني، على ما يمكن وصفه باستقرار البلاد الذي كثيراً ما تحدث السيسي عنه. فلا وجود صراع مكتوم بين أجنحة السلطة مريح، ولا جموح سلطه قلقة مُطَمئِن.

لعبت مهارات الفنان في شخصية محمد علي وخفة ظله دوراً محورياً في قبوله لدى الجمهور المصري، لكن المقلق هو أن الاحتفاء بفيدوهاته كشف عن مؤشرات لا يمكن إغفالها لتغيّر نسبي في معادلة الثقة بين قطاعات من الشعب والجيش
أخطر ما كشفت عنه فيديوهات محمد علي هو فكرة تقبّل نسبة ليست بالقليلة من المواطنين المصريين للهجوم على الجيش والطعن في ذمته من شخص مجهول تماماً، بل ويعترف علانية أنه فاسد

لكن بعيداً عن كوننا إزاء صراع مكتوم، أو نظام قلق، فالأهم والأخطر هنا، والذي يستوجب الوقوف والمراجعة من الجميع، هو فكرة تقبّل نسبة ليست بالقليلة من المواطنين للهجوم على الجيش والطعن في ذمته من شخص مجهول تماماً، بل ويعترف علانية أنه فاسد.

بالطبع، لعبت مهارات الفنان داخل الرجل وخفة ظله دوراً محورياً في قبوله لدى الجمهور، لكن المقلق هنا هو أن الاحتفاء بفيدوهاته كشف عن مؤشرات لا يمكن إغفالها لتغيّر نسبي في معادلة الثقة بين قطاعات من الشعب والجيش.

فالجيش الذي رغم كل ما قد يقال عن مساوئه منذ دولة يوليو وخطاياها، ظل لعقود طويلة يُعتبر "عمود الخيمة" لأغلبية المصريين، وبيضة القبان حين تتعقد الأمور، وهو ما ظهر جلياً في المنعطفات الحرجة التي مرت بها البلاد، بدءاً من أحداث يناير 1977، مروراً بأزمة قوات الأمن المركزي عام 1986، وانتهاء بثورة يناير 2011.

وكان نزول الدبابة إلى الشارع في أوقات الأزمات يقابَل بترحيب واحتفاء حقيقي وعفوي من الشعب، تعكس اتفاقاً ضمنياً بين جميع الأطراف على أن يظل الجيش محور ارتكاز.

لكن مؤخراً، ومع التوسع المضطرد للدور الاقتصادي للجيش، بدأت تتكون صورة ذهنية جديدة عن المؤسسة العسكرية بوصفها كياناً اقتصادياً ضخماً يهيمن على مفاصل الدولة ومواردها. واختلطت الحقائق بالشائعات، والأرقام بالأوهام، وأصبحت الصورة عن حجم الجيش ودوره الحقيقي في الاقتصاد المصري شديدة الضبابية، ورويداً رويداً بدأ كثيرون يتندرون على الجنرالات "اللي بالعِين البلد"، وهو أمر شديد الخطورة.

وخطورة الأمر تكمن في أنه في بلد مثل مصر، يعاني من أزمات اقتصادية خانقة، ومَنَعَ موت السياسة فيه ظهور رموز سياسية لها ثقل حقيقي في الشارع ويمكن الالتفاف حولها، تصبح الحاجة إلى مؤسسة محورية كالجيش حتمية وضرورية (ولو مرحلياً إلى حين تأسيس نظام ديمقراطي وإبعاد الجيش عن السياسة) لضمان استقرار البلاد في حال حدوث أي انفجار طارئ، لا قدر الله. ولكن هذا الدور لا يمكن للجيش القيام به بحال اهتزاز الثقه فيه.

تشير المؤشرات الأولية إلى أنه أياً كان ما تشهده البلاد، سواء صراع مماليك أو تنفيثات غاضبين، فإن السيسي ما زال هو الرجل القوي وسفينته غالباً ستعبر الأزمه بسلام.

لكن يظل الحجر الذي ألقاه محمد علي في المياه المصرية الراكدة قادراً على كشف ما هو أخطر من حديثه، إذ يكشف عن خطر يستوجب من المسؤولين عن أمن ومستقبل البلاد وقفة قبل التدحرج في المنحدر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard